 مقاربات فنية وحضارية

القيم الجمالية والانسانية في لوحات جودت حسيب

456 جودت حسيبلقد انشغل جيل من الفنانين العرب في عصرنا الحاضر باهمية الحرف العربي وقيمته الجمالية والرمزية في الفنون التشكيلية وكانت هناك دعوات في منتصف القرن العشرين لخلق فني عربي مميز يختلف عن الفن الغربي وذلك من خلال الخط والرقش العربي كونه ظاهرة حضارية ينفرد بها عن باقي الفنون الاخرى.. وكان اول من ادخله في التشكيل الفنانة العراقية مديحة عمر حيث اقامت لها اول معرض في عام 1949 في صالة المكتبة العامة في جورج تاون وذكرت ان للخط العربي شخصية متحركة قادرة على ان تكون صورة مجردة، كما ان شكله يوحي بمعنى او فكرة وبالتالي فهو صورة حية ناطقة..

اما شاكر حسن آل سعيد فقد استخدم الحرف العربي كعنصر تأملي او ما يسمى –بواقعية التأمل – حيث ربطه كنقطة انطلاق نحو الكون والذوبان في حركته السرمدية ولهذا اطلق على دعوته –ب - البعد الواحد – عام 1971 وقد انجر خلفه مجموعة من الفنانين الذين اخذتهم العواطف الجياشة نحو الفكر القومي على اعتبار ان الدعوة للحرف العربي في نظرهم هي دعوة قومية. ولكننا نجد هناك تناقض بين فكرة البعد الواحد والسطح التصويري ذو البعدين. وهذا له حديث طويل...

فن جودت حسيب:

456 جودت حسيب2جودت حسيب ينطلق في استخدامه للحرف من كونه عنصرا جماليا في اللوحة له حركة تناغمية منسجمة في ايقاعها وحركتها وله روح، فهو يصمم ويبني ويخطط عقليا مع رومانسية الروح الجميلة الصافية العاشقة للانسان الآخر.. ونجد في عمله انشاء متماسك قوي متأتي ذلك من تجربته الطويلة في تصميم الصحف والمجلات سواء كان في العراق او اسبانيا.. وقد استخدم جودت نوعين من الخطوط العربية في اعماله وهما الخط الكوفي وخط الثلث الذي انشق من الاول. ويعتبر الخط الكوفي اصل الخطوط العربية. ويمتاز باحرفة الهندسية ذات الزوايا القائمة، وهو جاف وقليل المرونة لكنه يمتاز بجمال حركته وتركيبه وتناسقه. اما خط الثلث فقد سمي بالثلث لانه يكتب بقلم يقط محرفا بسمك ثلث قطر القلم، ويعتبر من اشهر الخطوط العربية، وكان خط الثلث يوزن به ابداع الخطاط ولا يعتبر الخطاط فنانا اذا لم يتقن خط الثلث.. ويمتاز بالمتانة والتعقيد وهو اكثر الخطوط الهاما وابداعا وتفننا ويمتاز بالمرونة وبراعة في الخلق والتأليف والخيال.. نرى بعض اعمال جودت تتشابك فيها الخطوط بكثافة وكانها في معركة طاحنة بالسيوف... ويذكر ان الاحرف الصينية رسمت مستوحات من تشابك السيوف. اما البعض الآخر فنرى فيها حرفا واحدا بارزا على خلفية بيضاء محفورة بارزة الحروف، واما اللون فنجده تناغمي جميل ساحر ينساب مع حركة الخط ويطغي عليها احيانا الوان اللازورد وهي الوان ذات زرقة غامقة ضاربة الى الخضرة او الحمرة، كذلك الوان الاسود والاحمر وغيرها..

456 جودت حسيب3ومن ناحية فكرية فان جودت يبدو انه متأثر ببعض افكار الصوفية مثل جلال الدين الرومي وابن عربي وابن حزم وغيرهم، حيث نرى في بعض لوحاته جمل وكلمات لاولئك الاعلام الصوفية مثل العشق والحب والتسامي والتسامح ومفرداتها. وقد اختار جودت هذا الاتجاه الانساني، لان لغة الصوفية تذهب الى ابعد من الاشياء التي نراها، فالصوفي يبحث عن الماهية وبواطن الاشياء فهو دائم البحث، فالروح عالمه والحب مبتغاه.. ولهذا نجد شعار جودت هو الحب، حب الانسان الآخر مهما اختلف في الفكر او الدين او المذهب، فالانسانية هي الاساس في الوحدة والتكامل. وكانت بعض اعمال جودت التي نفذها في العراق يطغي عليها طابع الاشكال الشخوصية وهي اشكال تعبيرية على خلفية مسطحة.. ويذكرني ذلك باسلوب واعمال الفنان الاسباني المعروف رافائيل كانوغار - Rafael Canogar 1934.

البدايات:

ولد جودت في مدينة الموصل عام 1943 ودرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد، ثم اخذ يدرس مادة الرسم في احد مدارس كربلاء، ثم انتقل الى بغداد للعمل في مجلة وعي العمال كمصمم لها وفي نفس الوقت شغل نائب رئيس جمعية الفنانين العراقيين عام 1971 ثم سكرتيرا لها عام 1974..

بعد ذلك خرج الى ايطاليا للدراسة ثم قدم الى اسبانيا وسجل في كلية الفنون الجميلة لمعادلة شهادته وبعد ذلك حصل على شهادة البكلوريوس (ليسانس) وكان معي في الدراسة في نفس الكلية عام 1989 حيث قضينا وقتا دراسيا ممتعا وجميلا، حيث ان جودة يمتاز بخلق عالية وطيبة قلب يضاف الى كونه مثقفا وفنانا جادا.. بعدها اشتغلنا سوى في مجلة – دجلة – التي تصدر من المركز الثقافي العراقي في مدريد (ثم اخرجونا منها؟).. بعدها اشتغل جودت كرئيس للتصميم في مجلة ثقافية تابعة الى بلدية موستلس في مدريد من عام 1984 الى 1991. وقد شارك في كثير من المعارض العالمية، وله اعمال مقتناة في كثير من المؤسسات الثقافية والفنية والمتاحف.. التقيت به قبل فترة قليلة في احد مقاهي مدريد وتناولنا القهوة وقد دار بيننا حديث طويل وعريض عن هموم الغربة واوجاع العراق...

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4453 المصادف: 2018-11-14 02:18:29


Share on Myspace