 مقاربات فنية وحضارية

التحولات في لوحات الفنان علي رشيد

95 علي رشيد 1مرت بورتريهات الفنان العراقي المغترب علي رشيد بعدة مراحل: الأولى والمبكرة غلبت عليها الخطوط. الثانية والوسيطة تراوحت بين كولاجات وألوان متجاورة. ولكنها كانت تؤكد حصرا على تشكيلات بصرية مألوفة ولها وجود في ذاكرتنا. أما آخر مراحله فكانت في تجميع الألوان أو عزلها. وهذا ماجعل لوحاته هدفا للتكهن أو للاحتمالات.

ماذا يمكن أن تقصد بلون دون خطوط واضحة وبلا أشكال أو مساحات لونية، ولكن يحتلها لون واحد يختلف بدرجات السطوع والشفافية فقط؟.

لا يمكن أن تضع إجابة تامة لسؤال غامض. و لكن بالنسبة للون الأبيض، يمكن أن نعزو له قيمة تركيب أو دمج. والبياض هنا له علاقة بالحركة وليس بالسكون. فالهدوء الظاهر زائف ومصطنع وهو نقاب يخبئ وراءه مجموعة حزم ملونة. ومن أبسط قوانين الفيزياء أن الإفراط بالسرعة هو الذي يساعد على هذه الخدعة البصرية. ولقد عرف علي رشيد كيف يترك لنا مفاتيح أو علامات تمنع أبصارنا من التخبط. فاللون الأبيض في لوحاته لم يكن مرادفا لسهولة الرؤية ولكن لمصاعبها. إنه عمى أبيض بلغة ساراماغو (وبالمعنى الذي أشارت له نجاة الذهبي في إحدى مقالاتها)*. وأكاد أقول هذا البياض هو دلاليا سواد فاحم، ويتطلب من المشاهد أقصى درجات التيقظ والحذر. وربما لهذا السبب أضاف الفنان عدة لمسات خفيفة بالأسود أو الأزرق وأحيانًا الأحمر ليساعدنا على النفاذ من خلال جدار اللون الواحد. وهذه العلامات بمثابة دعوة للمشاهد ليخمن ماذا خلف دكتاتورية هذا البياض. ولكن أي تفسير لا يمكنه أن يصمد. وحتى لو اتفقنا أن الأبيض هو حالة مصالحة مع الذات، فالعلامات تبقى بمثابة شوائب لا تستطيع أن تجد تفسيرا مستقرا لها.

وقل نفس الشيء عن المرحلة الزرقاء. فقد مهدت لمرحلة البورتريه الأبيض، ووضعتنا أمام فضاء مائي، صامت، ودون أي مفردات. بمعنى أنها كانت جملة تامة لها أفق مغلق أمام العين وأفق مفتوح أمام الإفهام. وإذا وضعنا إلى جانبها الأزرق الرمادي، بلون السحاب، سوف نقترب من حالة افتراضية. فهل هذا اللون نافذة على عالم بلا خلافات، ويكرر نفسه، أم أنه باب موصد على تجربة ذهنية، ولا تسلم نفسها لأي تفسير أو تفكيك؟!.

95 علي رشيد 2

لم يلعب الفنانون باللون الأبيض، وإنما استعملوه كرمز للسلام بكل أشكاله: سلام طوعي (هدنة) أو إجباري (استسلام وإقرار بالخسارة). غير أن الأزرق كانت له عدة مدلولات سياسية وبيولوجية. فهو لون أممي عابر للقوميات والحدود. وأيضا هو لون راديكالي ويدل على الاضطراب والاحتراق والتهيؤ للترمد (ولنتذكر هنا الشعلة الزرقاء فهي أعتى أشكال الاحتراق). وربما لهذا السبب استخدم الشعراء اللون الأزرق ليكون عنوانا على فلسفة الحركة، ومعنى دورات الطبيعة، ودورات الحياة (كما في الأزرق والأحمر لمحمد عمران، ورقصة البراري الوحشية لحيدر حيدر، وفيلم على اللائحة الزرقاء لغراهام غرين، على سبيل الذكر). لقد أصبح الأزرق في رحلة الفنان علي رشيد عنوانا يدل على الموت والحياة. وتساوت أمامه المعاني الاستراتيجية كأنه ينكر ذاكرته، أو أنه يشك بها وبحقيقة وجودها كله. وترتب على ذلك نوع من الحزن البارد الذي يغلفه عالم بديل هو نوع من الخلاص، أو أنه شكل من أشكال التوسيع، أو الهرب من النهاية وربما من الموت. ويذكرعلي رشيد في أحد لقاءاته: إنه يتهادن مع الحزن، حتى أنه في أكثر لحظات حياته فرحا وابتهاجا لا يتخلى عن أحزانه. ويضيف الفنان سمير عبد الجبار الممثل في مسرح الشمس الباريسي: إنه يرى في أغلب التجريديين روحا غنائية إلا مع علي رشيد يتحول التجريد إلى نص شعري يخيم عليه الزهد. وباعتبار أن أي شيء مبني على كل شيء والمعنى هو مرادف لشرط الحرية والحركة، وبالتالي المعاني هي ماهيات مشكوك بمضمونها وبموضعها من عالم الصور، انتقل علي رشيد إلى آخر مراحله، وهي مرحلة اللون الرمادي أو الرصاصي، واستعمل اللون كخلفية وأضاف إليه أشكالًا طفولية كأنها رسوم بيد أطفال أو تخطيطات بسيطة. مثل رسوم الإنسان البدائي على جدران الكهوف. في هذه المرحلة دخل الفنان في نزاع مع نفسه.. اختزل اللون الساطع إلى لون ظل، وانتهك الكولاج المتكامل وأعاده لخطوطه الأساسية، أو لشيء هوبحدود الضرورة. ويمكن القول إنه عزل ما بين الإشارة ومعناها، وبدأ يدل على غنى الواقع وفحشه وكثرته بتخطيطات تحطم الأصل. ولكن يبقى فرق جوهري و أساسي بين الفنان المجهول وعلي رشيد.

95 علي رشيد 3

الأول كان يبحث عن طريقة للتحكم بالبيئة وتسخيرها. أو أنه بأفضل الأحوال أراد من العالم أن يكون متمما له. بينما ترك علي رشيد مخلوقاته في حالة ترقب ومشاهدة. إنها أشكال اغترابية، لا تعي نفسها ولا تفهم ماذا يدور من حولها. وتفضل أن لا تخاطب العالم وإنما أن تعتزله. وأعتقد أنه بهذه الطريقة يعبر عن آخر حلقة من حلقات الزهد الفني، ويدعونا بكل ما يملك من قوة للاحتكام إلى بداهتنا، وللتعبير عن قلقنا من مشكلة الصدام مع الواقع. كذلك إنه يتخلى عن سياسة عصر النهضة بما حفل به من جداريات في داخل المباني الهامة وبالأخص القصور والكنائس، ويبدأ بعصر النهضة الثاني الذي يلح على إزالة طبقات اللامبالاة والعنف المترسبة في “نفوسنا المعقدة”، وإضاءة ما وراءها من طفولة وعشق وغرام وارتباك. وهو بذلك لا يحارب الحاضر بالماضي وإنما بالجوهر المستقر للإنسانية أو بتثبيت الطفل المحمول في أعماقنا، فهو نقطة الانطلاق والتوازن.

ولا يوجد أفضل من هيغل لوصف هذه التحولات في مسيرة علي رشيد.. لقد بدأ بعكس تطور وعي البشرية. باشر من تسجيل أثر الواقع المعاصر على الإنسان (حداثة غير رومنسية)، وانتقل إلى أدوات تعبير كلاسيكي، لينتهي مع أول وأبكر طور فني عرفته الحضارات، وهو الترميز، حيث يمكن تجريد الانطباعات بإشارات تعبرعنها ولكن لا تصفها. وفي الحقيقة هذا هو مبدأ ما بعد - بعد الحداثة ذاته. إنه يعبر عن الشيء بإلغائه وبخلق ذاكرة مضادة له**.

 

صالح الرزوق

..........................

* الفنان العراقي علي رشيد في عتبة البياض وعلى حافة العتمة. ألترا صوت. 15 كانون ألأول 2019.

** عن ما بعد الحداثة انظر: الذاكرة والذاكرة المضادة لجيمس يونغ، ترجمة صالح الرزوق. جريدة العراقية الصادرة في سيدني. أعداد متفرقة من عام 2018.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4872 المصادف: 2020-01-07 07:25:31


Share on Myspace