 مقاربات فنية وحضارية

الواقعية الاشتراكية - Socialist Realism

مصدق الحبيبهي اسلوب فني في التشكيل والادب والموسيقى، ارتبط بالايديولوجية الاشتراكية السوفيتية واصبح الاسلوب الرسمي الشائع في الفنون والآداب خلال الحقبة السوفيتية، اعتبارا من تأسيسه عام 1932 ولغاية انهيار النظام السوفيتي عام 1991. كما ساد هذا الاسلوب ايضا في عموم دول المعسكر الاشتراكي والصين، خاصة بعدالحرب العالمية الثانية. وتجدر الاشارة هنا الى ضرورة التمييز بين هذه الواقعية الاشتراكية والواقعية الاجتماعية  Social Realism، حيث يتعرض المفهومان للخلط احيانا. 110 الواقعية الاشتراكية 1

يهتم اسلوب الواقعية الاشتراكية بالتصويرالواقعي لحياة عامة الناس في جميع نشاطاتهم اليومية واماكن عملهم ومشاعرهم، ويركزعلى تصوير حياة الكادحين والفقراء والعمال في مصانعهم والفلاحين في مزارعهم والجنود في ثكناتهم والطلاب في مدارسهم وكذلك يصور مشاعر هؤلاء مع عوائلهم وفي افراحهم واحزانهم. وبذلك نكاد لا نجد أيا من مظاهر الترف في حياة الطبقات العليا وقصور الملوك والامراء وسهراتهم وحفلات صيدهم وبذخ نسائهم، كما نراها غالبا في فنون وآداب الواقعية الكلاسيكية. ويمكن القول ان الواقعية الاشتراكية أقلعت بالثقافة من قصور النخبة وحطت بها وسط تجمع الناس العاديين. 110 الواقعية الاشتراكية 2

في عام 1932، وقد مضى على تسلم ستالين السلطة ثمانية اعوام، اصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي المشروع الشامل لاعادة بناء المؤسسات الثقافية والذي استلزم حل جميع المؤسسات والجمعيات والتجمعات والنوادي الثقافية القائمة آنذاك واخضاع جميع النشاطات الثقافية الى سلطة مركزية تمثلت بكيانات الاتحادات المهنية الفيدرالية للفنانين والادباء والتي اخذت على عاتقها تعميم مفهوم "الواقعية الاشتراكية" في الثقافة بدلا من "الكلاسيكية البروليتارية" القائمة آنذاك.  واستنادا الى ماجاء في كتاب آيگور كولمستاك "الفن التوتاليتاري" المنشور عام 1990، فان مفهوم الواقعية الاشتراكية كان قد تمخض عن الاجتماع السري الذي انعقد بين ستالين وعدد من الفنانين والادباء في بيت مكسيم گوركي بتاريخ 26 اوكتوبر عام 1932. وكانت قوات الحرس الخاص قد استدعت ليلا ذلك النفر المختار من المثقفين ونقلتهم الى بيت گوركي دون ان يعلم احد اي شئ مسبق عن مكان الاجتماع ومن يحضره ومالغرض منه. وقد تفاجأ الحضور بظهور ستالين من خلف ستائر غرفة الجلوس وقيامه بترؤس الاجتماع معلنا بان الغرض من ذلك اللقاء هو الاستئناس برأي المثقفين من اجل تحديد الاتجاه الاساسي الذي يريده الحزب للثقافة السوفيتية الجديدة.  وبذلك فقد وضعت الصيغة الاولى لمنهج الواقعية الاشتراكية في الاداب والفنون اثناء ذلك الاجتماع . الا ان مفهوم الواقعية الاشتراكية الدقيق بقي غامضا للجميع لفترة سنتين بعد استنباطه، ولم يجرؤ احد على الاستفسار عن معناه الحقيقي او كيف يتسنى للمثقف ان يقدم انتاجه حسب هذا المفهوم. واخيرا انبرى اندريه جدانوف المستشار الثقافي للنظام الى القاء الضوء على معنى الواقعية الاشتراكية مستعينا بتعاليم وملاحظات ستالين الشخصية . 110 الواقعية الاشتراكية 3

كان ذلك في الاجتماع الموحد الاول لاتحادات ادباء الجمهوريات السوفيتية المنعقد عام 1934.  وقد جاء في تعريف جدانوف بان "الواقعية الاشتراكية تتمثل اولا بمعرفة الفنان او الاديب لمحيطه واستعداده لتجسيد ذلك الواقع ،  ليس بالشكل المدرسي الجامد، وليس كحقيقة موضوعية مجردة، انما تجسيدا للحياة الحقيقية بطورها الثوري الخلاق الذي يتزاوج فيه التراث الاصيل مع مهمات الثورة الاشتراكية العظيمة، بحيث يكون الهدف هو تعليم الجماهير وتثقيفها بروح الطبقة العاملة الكادحة وتنويرها بسناء النظام الشيوعي الخالد"( Golomstock, 90 ).  وهكذا فقد اصبح الهدف المركزي للآيديولوجيا الشمولية في الثقافة هو الزام الفنان او الاديب بان ينظر الى الواقع الذي يصوره بعين الحزب من اجل تجسيد الصيغة الثورية لذلك الواقع، الامر الذي لايمكن وصفه إلا بكونه احادي المنظور!! ولكن هذه الميزة لم تكن بعيب في ظل الفلسفة التوتاليتارية اذ ان جدانوف كان قد قال بصراحة:

"في ظل صراع الطبقات التي تحسمه الثورة لصالح الطبقة البروليتارية، لابد ان تكون فنوننا وآدابنا منحازة ولايمكن لها ان تكون غير سياسية".

 وهذا يشابه لما ردده ايضا هانز شم وزير الثقافة الاول في الحكومة النازية حين قال:

"عند الكلام عن ثقافتنا، لايمكن لنا ان نكون موضوعيين، لاننا ألمان الى العظم"!!. 110 الواقعية الاشتراكية 4

وهكذا تركزت الثقافة الآيديولوجية الواحدة الموجهة التي لايقوى ان ينتقدها او يهملها او يعارضها اي احد. بل اصبحت لزاما على الجميع. ومن يجرؤ ان يختلف، فإنه سيخسر صراع البقاء لامحالة! . وكانت اول حملة للتصفية الجسدية للفنانين والادباء غير المرغوب فيهم  تلك التي شنها الكساندر كيرامسوف عام 1938من داخل اتحاد الفنانين ضد مجموعة ضمت عددا من اعضاء الاتحاد الرسميين اضافة الى عدد آخر من غير المنظمين الى الاتحاد. 110 الواقعية الاشتراكية 5

 وكان كيرامسوف، العضو المتنفذ في الاتحاد، قد صرح علنا ودون اي تردد بانه "لابد من التخلص من العناصر المغرضة التي تتحرك في الوسط الفني من امثال اعداء الشعب وعملاء الفاشية، واخص بالذكر جلاوزة تروتسكي وبخارين وكترسنايبس" . وقد تلتها حملات اقسى واشمل واكثر تنظيما راح ضحيتها العديد من المثقفين كما حدث عامي 1940 و 1953، ومابعدهما. (الحبيب، الفن والحرية والابداع، 2007،  ص118-119) في عهد لينين وما قبله، لم تكن الانشطة الثقافية ملزمة باسلوب معين انما اتصفت بشيوع اساليب مختلفة وفي الحقيقة انتشرت عبرها اساليب الفن والادب الحديثة التي شاعت في أوربا عند مطلع القرن العشرين، والاكثر من ذلك ان الرواد الاوائل في الاسلوب التجريدي مثلا كانوا من الفنانين الروس كفاسيلي كاندنسكي وكشميرماليفتش وناتاليا كونجروفا وميخائيل لاريونوف. فكان من الممكن تمييز مجموعتين رئيسيتين من المثقفين: التقليديين والمحدثين. في حكم ستالين الذي بدأ رسميا عام 1924 بدأ المحدثين يفقدون مواقعهم على خارطة الثقافة الوطنية شيئا فشيئا الى ان فقدوا اي موضع قدم بعد عام 1932 لتختفي ملامح نشاطهم الفكري بعد الاعلان عن المنهج الجديد، الواقعية الاشتراكية. وهكذا تشتت هذا الفريق بين من هجر البلاد وبين من تدجن بموجب ماهو واجب. 110 الواقعية الاشتراكية 6

ولو وضعنا البرابوگاندا الغربية التي احطت من قيمة الواقعية الاشتراكية وجردتها من كل ماهو جيد من خلال التركيز على انها نتيجة للقسر والارهاب الثقافي الذي مارسته السلطات السوفيتية، سنكون عند واجب الموضوعية، خاصة اذا انتبهنا لها من الناحية الفنية البحتة وتأملنا الجمال الباذخ في نتاجها الثقافي. فموضوعاتها نبيلة دأبت على تصوير قيمة العمل وقداسته كواجب وطني، ومجدت السعي المثمر والتعاون، والتزمت بالنظرة التفاؤلية وآمنت بالمستقبل الافضل للاجيال، وتمسكت بالارض والوطن الواحد وسعت الى تثوير خيراته، وجعلت من الوطنية واجبا مقدسا، واشاعت المحبة والتعاون والخير للانسانية جمعاء. كل ذلك جسده الفنانون بطرق ساحرة موظفين فيها رموزا رائعة جليلة كسعة وثراء الحقول السابحة بضوء الشمس وزهو ونضارة الازهار في المشاتل ونقاء الثلوج على التلول وقوة المكائن وصلابة الحديد وعناد الصخور وابتسامة الوجوه المنتصرة القانعة، وألفة العائلة الحميمة.

نعم انها فن امتزجت فيه الايديولوجية. ايديولوجية حزب حاكم واحد يحقق اهدافه باسلوبه التوتاليتاري المعروف الذي نقل الفنون والآداب من كونها ترف ثقافي الى وسيلة تعليمية تنويرية أو سلاح ضد الجهل والخيانة والشرور. 110 الواقعية الاشتراكية 7

أنا شخصيا ارفض فكرة الفن الايديولوجي مهما كانت وجهته واهدافه طالما انه مفروض فرضا على المجتمع لكنني لا اتردد ان افتش عما يكون جيدا فيه واعتز به.  كما انني اتخذ ذات الموقف مع الثقافة الليبرالية الحرة التي تتضمن ايضا الصالح الذي يكتسب الاعتزاز والطالح الذي يستحق الرفض. خلال سني الحرب الباردة والى اليوم تنازع المعسكران الشرقي والغربي واساء كل منهما الى الآخر بنفس القدر فورثت الاجيال غسيل الادمغة الذي لابد لنا من ان نوضح سيئاته فنضع خطواتنا على طريق الموضوعية التي سترشدنا الى التقييم الصحيح الحق دون الانجرار الى الولاءات السياسية او الدينية او العنصرية.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5260 المصادف: 2021-01-29 01:46:45


Share on Myspace