 مقاربات فنية وحضارية

عبد القادر الرسام الميساني مؤسس الفن المعاصر في العراق (2)

كاظم شمهودكان عبد القادر الرسام من التيار الاول الذي وضع الاسس الحقيقية للفن العراقي المعاصر ولو ان الممهد الآخر لتاثيرات الفن الاوربي هو نيازي مولوي بغدادي الصوفي الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر حيث كان رساما وخطاطا ومزخرفا ويعتبر حلقة وصل ما بين رسوم المنمنمات الشرقية وما بين رسوم اللوحات بالاسلوب الاوربي الذي بدا ينتشر في الاوساط الثقافية في العراق .. ولكن يضل عبد القادر خير ما يمثل فن الرسم على الطريقة الاوربية في العصر العثماني وبداية الحكم الوطني في العراق فهو يؤلف جانبا مهما من جوانب المناخ الفني في العراق بمواضيعة وبيئته وتاريخة واشراقة الوانه حيث دون مشاهده بالوعي الحسي والعاطفي . والى الجانب ذلك هو ركوبه الاسلوب والتقنية الاوربية الواقعية الحديثة، وكان التأثير الاوربي قد دخل الى المجتمع العراقي وحبب هذا اللون من الفن وترجيحه على الفنون التقليدية المحلية خاصة بعد احتلال العراق من قبل الانكليز .

البعد الفلسفي في اعمله

2214 ميساني 2اكتشف عبد القادر ان التقاليد الفنية المحلية لا يمكن ان تحقق طموحات وتطلعات الجيل الجديد وان هناك خلل في حرية التعبير الفني وفي نفس الوقت هناك ضرورة للتغيير بوعي محلي وعالمي والتعرف على صميم الفكر الانساني المعاصر بمعنى التواصل مع التراث والحضارة الجديدة التي سادت الغرب .

وكان الفن الاوربي قد خضع الى الفلسفة والنقد وظهرت نشاطات وتجمعات جديدة حكمتها ظروف حركة التغيير مما ادى ذلك الى ظهور مدارس ومذاهب فنية حديثة اعتمد بعضها على نظريات فلسفية اغريقية قديمة واخرى حديثة مثل الفلسفة الوجودية لسارتر والعقلية لديكار والفكر الاشتراكي لماركس وعلم النفس لفرويد .

2214 ميساني 1

و قد تعامل عبد القادر في لوحاته من وجهة النظر الحديثة في التعبير الفني والتي كانت تمثل التغيير الهائل في تفكير الفنان العراقي الحديث فقد كانت مواضيعه تكرس للصور الشخصية والمناظر الطبيعية والريف العراقي والمواقع الآثارية وكانت تنفذ بحساسية بصرية عالية وميل عاطفي كبير . وكانت الواقعية تمثل جزء من حياة الناس وهي غير قابلة للتغيير بسهولة وبالتالي كان عبد القادر هو بمثابة استجابة للذوق العام الجديد في ذلك الوقت، وكان برناردشو والفيلسوف الروسي تولستوي وغيرهم قد وجهوا الاذهان الى تلك الجوانب الاجتماعية واحترام اذواق الناس وان الفن هو عبارة عن واسطة الاتحاد بين البشر حيث يجمعهم معا عن طريق ما بينهم من المشاعر المشتركة . 

2214 ميساني 4فلوحات عبد القادر قائمة بمظهرها الملموس على النظرية الواقعية التي رسمها كوربيه. وانه كان يتفاعل مع الواقع العراقي الموضوعي وما يحدث فيه من تجديد وتغيير فمفرداته الفنية ماخوذة من الطبيعة كالاشجار والانهار والعمارة والآثار والاسواق والشمس والضوء وغيرها وكل هذه العناصر تساهم في بناء لوحته في اطارها البيئي والتاريخي. واتذكر قول للفنان الفرنسي ديلاكروا بان الطبيعة هي قاموس الفنان .. وكانت هذه الثقافة هي السائدة في القرن التاسع عشر وكان من اعمدتها سيزان وكوربيه ومانيه وبودلير وغيرهم .

كان عبد القادر ومن خلال محله ومرسمه في بغداد وتدريسه للطلبة هو بمثابة تأسيس اول اكاديمية مصغرة للفنون في العراق الحديث، وكانت تجربة رائدة لتربية الذوق العام ورفعه الى مستوى صف المدارس الاوربية الحديثة . وقد اثرت هذه الحركة المبكرة الجديدة على الشباب من هوات الفن فانتظم الكثير منهم تحت لواء هذه المسيرة الخلاقة والتي تعد بحق حركة ثورية وانقلابا على كل التقاليد الفنية الموروثة القديمة والاتجاه نحو الفنون الاوربية ومدارسها الحديثة فاصبح التأثير والتأثر من سمات تلك المرحلة .

2214 ميساني 3

رسام الجيش

من تقاليد القرون السابقة كان هناك للرسامين دورا مهما في مرافقة الجيوش ورسم وتسجيل الاحداث العسكرية من معارك ومعسكرات وتحركات قطعات الجيش وغيرها وهو بمثابة المصورين والصحفيين في زمننا الحاضر في تغطية الاحدات في العالم .. وينقل لنا التاريخ بان الفنان الفرنسي جاك لويس دافيد 1748-1825 زعيم المدرسة الكلاسيكية الجديدة ومن عظماء الفنانين الذين انجبتهم فرنسا كان يرافق جيوش نابليون لرسم وتسجيل الاحداث العسكرية .

كان عبد الفادر الرسام يعتبر رسام الدولة العثمانية حيث كان يطلب منه رسم معسكرات وتحركات القطعات العسكرية بين المدن والنواحي المختلفة بالاضافة الى رسمه المناظر والرسوم الشخصية للولاة والقادة، هذه الحركة والتنقل اكسبته ثقافة معرفية واسعة بطبيعة جغرافية اهل العراق من اريافه ومدنه وانهاره وجمال طبيعتها وتقاليدها فازداد حسا وعاطفة وحبا للرسم، فكان غزير الانتاج لا يضاهيه احد . ويذكر ان احد القادة العسكريين الاتراك لما راى نبوغ وتفوق عبد القادر في الرسم على غيره ساعده في منحه اجازة لزيارة المتاحف والمراكز الفنية والثقافية في ايطاليا وفرنسا وانكلترا والمانيا ومصر وغيرها، وبهذا يعتبر عبد القادر الرسام اول مبعوث عراقي يرسل الى الخارج للاطلاع ودراسة الفنون الاوربية . // ... وسنكمل مشوارنا مع عميد الفن العراقي المعاصر في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور كاظم شمهود المحترم
المقال ضروري بالنسبة للمعرفة التاريخية والفنية في تاريخ العراق الحديث. وهو يكمل ما سبقه بهذا الصدد. كما ان تزيينه باللوحات الفنية المثيرة تطرب الروح وتوسع افق الذوق الجمالي. شكرا على هذه المعلومات والمواقف.
ومن اجل ان يبلغ المقال مداه الحقيقي من الضروري تدقيق الاهتمام بالكلمة والعبارة والانشاء والاملاء! فهناك اخطاء كثيرة جدا لا تليق بمن هو متخصص بقضايا الفن والجمال ويحمل لقب دكتور
كما لا افهم عدم تمسكك بالنقاط والفارزة في الجملة. وهي ظاهرة واسعة الانتشار بين من يكتبون وينشرون الان على صفحات المواقع الانترنيت. ويحس المرء بان هولاء الكتاب لم يقرءوا كتابا في حياتهم، بل بالسماع فقط.
تحياتي مرة اخرى وتقبل هذه الملاحظة للفايدة العامة

احمد محمد
This comment was minimized by the moderator on the site

On 17/02/2021 10:21 am, kadhim shamhood wrote:
شكرا للاخ الكريم احمد مجمد على تعليقه و الاشارة الى بعض النقاط في مقالتنا عن الفنان عبد القادر في الحلقة - 2 -
اخي الكريم اولا انا لست اساتذا في اللغة العربية حتى ابني كل مفرداتي على النحو و الجار و المجرور -- ثانيا انا فنان اهتم بالمضمون واحرص على نقله للاخرين بالطريقة السردية السهله و خطابي موجه للجميع و ليس الى طبقة اهل النحو و الجار و المجرور .. اما قولك ان هذا لا يليق بمن هو متخصص بقضايا الفن و الجمال يحمل لقب دكتوراة فهذا قول مرفوض و انت لست معصوما حتى تخطأ الآخرين و لست مسؤلا عن كتابات الآخرين و أرائهم الفنية و الجمالية و النقدية . انت لك رأيك الشخصي فقط فلا تحكم على الآخرين بالاخطاء و انت من منهم ... اليوم الشعر الحديث لم يلتزم بالقافية و الفن الحديث لم يلتزم بالقواعد الكلاسيكية و الجمالية التي وضعها فلاسفة و علماء الاغريق ...لا تنظر للشكل بل انظر للمضمون كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تأتي اكلها كل حين ....
De: صحيفة المثقف <almothaqaf@almothaqaf.com>
Enviado: domingo, 14 de febrero de 2021 10:12
Para: ksha12@hotmail.com <ksha12@hotmail.com>
Asunto: New comment posted on the site (عبد القادر الرسام الميساني مؤسس الفن المعاصر في العراق (2) )

د -كاظم شمهود طاهرد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5276 المصادف: 2021-02-14 03:27:57


Share on Myspace