 مقاربات فنية وحضارية

عبد القادر الرسام الميساني مؤسس الفن العراقي المعاصر (3)

كاظم شمهودفي عام 1922 زار الملك فيصل الاول مع المستشارة الثقافية المس بيل بعض النشاطات الفنية والصناعية برفقة- الباشا نوري سعيد .حسب ما جاء في مذكرات بيل ...كما تشير كذلك عن زيارة الملك الى بعض المعارض الفنية وان هناك رسامين لهم اعمال مميزة وبارزة .... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لاتذكر اسماء هؤلاء في تاريخ الفن العراقي؟ واين هم؟ .. فاذا كانت اربعة قرون مضت من الحكم العثماني على العراق كانت مجهولة الثقافة والفن فهل يعقل ان مطلع القرن العشرين خالي من التدوين والمؤرخين.؟ انا اعتقد انه يمكن البحث عن هؤلاء الفنانين العراقيين من خلال السجلات الحكومية مثل وزارة التربية والتعليم سواء كان ذلك في سجلات العهد العثماني او العهد الملكي العراقي، ويمكن البحث عن ذلك ايضا في مكتبة طوب قابي في اسطنبول.

الريف في اعمال عبد القادر

2230 عبد القادر 1كانت ولازالت اعمال عبد القادر الرسام تذكرنا بالحس الريفي والفلاحي والفطرة والطيب الذي كان يلازم اهل قلعة صالح والعمارة، وتلك الاراضي الزراعية الخضراء والبيئة الجميلة والخيال الابداعي الواسع الذي يضفي على اعماله بحيث تشعر ان عبد القادر ينتمي الى الريف بكل جوارحه ومشاعره اكثر من المدينة. وكيف لا وهو ولد وعجن في تلك التربة الحضارية السومرية .

و من الملاحظ ان عبد القادر في اخر ايامه كان يضع على راسه السدارة الفيصلية او البغدادية ومن المحتمل انه كان يرتدي الغترة والعقال عندما كان في مدينته الريفية قلعة صالح وهو تقليد سائد في تلك المناطق، ثم لبس الطربوش العثماني (الافندي)، ثم استبدله في السدارة عندما حل في بغداد . ويذكر ان الملك فيصل كان في زيارة الى ايطاليا، وقد زار معمل لصناعة السدائر بصحبة ماسوليني، فطلب ان تستورد بعضا منها وكان اول من لبسها هو الملك فيصل وكانت ذات لون اسود وعالية الشكل لها اخدود من الاعلى، ثم لبسها الوزراء، بعد ذلك عممت على الجيش والشرطة واخذت حجما صغيرا . وقد لبسها كبار رجال الدولة ومثقفيهم مثل الشاعر الرصافي والزهازي وعلي الوردي وغيرهم .

2230 عبد القادر 2

اختفاء اعمال عبد القادر

يذكر ان متحف الرواد سابقا كان يقع في شارع الرشيد في بناية قديمة يعتقد انها تعود الى عبد الرحمن الكيلاني النقيب 1841-1927 رئيس اول وزارة عراقية بعد تنصيب الملك فيصل الاول وكان يشغل ايضا نقيب اشراف بغداد، ويعود في نسبه الى الرسول –ص- . بعد ذلك اصبحت البناية منتدى المسرح العراقي، وكان المتحف يضم - 72 - لوحة تمثل خيرة اعمال عبد القادر الرسام ، كما كانت له اعمال اخرى محفوظة في متحف الفن الحديث كولبنكيان . وفي عام 2003 بعد سقوط النظام اختفت هذه الاعمال مع غيرها من اعمال الفنانين الرواد والتي تعد بالمئات .. ويذكر انه في عام 1940 عاد جواد سليم الى بغداد وقطع دراسته من ايطاليا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد دعى اصدقاءه من الفنانين والمثقفين الى الاجتماع به لمناقشة تطورات الاحداث العالمية وانعكاساتها على فتوة الفن العراقي المعاصر .. ويذكر ان بيت جواد كان مزينا بلوحات عبد القادر حيث اطلع عليها الحاضرون وتم الاحتفال بعودة جواد وكذلك بمعرفة اعمال عبد القادر، ولكن اين اصبح مصير هذه الاعمال؟ .. بعض النقاد يذكر ان الحاضرين عرفوا اعمال عبد القادر لاول مرة من خلال جواد سليم، ويقارنون ذلك بما حدث لبيكاسو مع الفنان الفرنسي الفطري هنري روسو عندما قدمه لاصدقاءه في احتفالية خاصة ومن ذلك الحين اشتهر روسو .. انا اعتقد ان هذه المقارنة غير موفقة فعبد القادر كان معروفا في الوسط الحكومي والثقافي من خلال تاريخه المجيد كرسام في الدولة العثمانية وقد اكتحلت عيون العراقيين برسومه وتصاويره الزيتية التي كانت تزين القصور العثمانية وبيوت الاغنياء والباشوات وكذلك الصور الشخصية والمناظر الخلابة التي تمثل الريف وحقولها والجبال والانهار والاماكن المقدسة بمنائرها وقبابها الخضراء . وكان معروفا في الوسط الاجتماعي قبل ان يلد الجيل الثاني من الرواد، وكذلك كان معروفا بين اصدقاءه الضباط الذي درسوا معه في اسطنبول ثم اشتغلوا في السلك التعليمي في بغداد مثل الحاج محمد سليم ابو جواد ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ وغيرهم .

نبض العراق

2230 عبد القادر 3كان عبد القادر الرسام مشغولا في رسم الطبيعة وحبه لها بينما كان الفنان الغربي مشغولا في تحليل الالوان وتفكيك الاشكال واحالتها الى سطوح وخطوط والغاء المنظور والبعد الثالث وبالتالي كان عبد القادر يمثل نبض الطبيعة العراقية وضميرها الحي . ومن خلال رؤية اعماله يمكن ان نعيد ذكريات تلك الحقبة بعاطفة كبيرة ونستعيد مشاهد الماضي الجميل وعندما نتأملها كانها طبيعة ناطقة حيث نشعر بحركة الاشجار واصوات الماشية ورجة الماء وحركة الناس .. هذه الفضاءات تقدم لنا الاندماج الكامل للفنان مع الطبيعة وحبه لها . ويذكرنا ذلك بجماعة باربيزون الذين خرجوا ليرسموا الطبيعة كما هي حيث تجمعو في قرية باربيزون الفرنسية عام 1830 التي تبعد عن باريس حوالي 48 كم وكان من مصوريها كورو وميه وروسو فقد رسموا الغابة والسماء والبحر والشجر وكانوا قد عملوا على تمثيل عناصر الطبيعة بدقة واقعية والتركيز على الناحية الجمالية .

كانت رؤية عبد القادر للحياة والموضوعات اخذت شكلا مخالفا لثورة لفن الحديث الذي ساد عصره فكان همه التعبير عن الواقع كما هو، يضاف الى ذلك امتازت اعماله بالبراءة والرقة حيث يقدم لنا صورا عاطفية حية عن المجتمع العراقي في ذلك الوقت ويذكرنا برسوم الواسطي ونقله لنا حياة وتقاليد المجتمع العباسي من قوافل الجمال ومجالس الطرب ودروس العلماء وترويض الخيل والعمارة العباسية وطرز الملابس الفضفاضة الى غير ذلك . وكأن عبد القادر الرسام امتدادا لحركة مدرسة بغداد في التصوير والى ذلك المفهوم الفني القديم في نقل الواقع الاجتماعي كما هو ولكن كل له عصره وطريقته واسلوبه وفهمه لذلك الواقع.

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5280 المصادف: 2021-02-18 01:48:57


Share on Myspace