 مقاربات فنية وحضارية

كاظم شمهود: افلام الرسوم المتحركة ماضيها وحاضرها

كاظم شمهودالرسوم المتحركة ورسوم الفكاهه كانت ولازالت من اهم الفنون البصرية التي تتمتع بشعبية واسعة اكثر من غيرها من الفنون التشكيلية اولا لسرعة فهمها من قبل عامة الناس، ثانيا للمتعة التي تغرق بها المشاهد والتي يحتاجها الانسان دائما للفرار من مشاكله اليومية التي تعصف به، يضاف الى ذلك دورها التربوي في عالم الاطفال والشبان.

و كانت قصور الخلفاء العرب والفرس لا تخلو من رواة الفكاهه والسخرية، ويذكر بان احد الاشخاص دخل على العالم الصوفي الحسن البصري (القرن السابع م ) فساله الاخير عن مهنته فاجاب بانه يشتغل في البلاط لاضحاك الخليفة . كما ذكر بان الجاحظ يعتبر من الاوائل في عالم السخرية والهزل وكان جريئا لا يخاف، وفي يوم من الايام قال : انه اذا وردته النكته فسيقولها ولو ادت به في النار ...

تاريخ افلام كارتون

سبق الاوربيون العالم في صناعة الرسوم المتحركة وكانت بداياتها التجريبية عام 1640 على يد الرسام الالماني Athanasius kircher ثم استمرت التجارب بدون انقطاع حتى نجحت اخيرا في صنع الافلام الكارتونية التي نراها اليوم .. وقد بدات بتجارب عملية بسيطة مثل اخذ قرص ورسم على وجهيه صورتين احدهما صورة طائر والثانية صورة قفص وعند تدويره بطريقة وسرعة معينة امام العين فسيشعر المشاهد بان الطائر داخل القفص .

 وكان اول من اخترع هذه التجارب الرسام –جوزيف بلاتي – عام 1832 حيث اخترع جهاز على شكل كارتون دائري عليه مجموعة من الرسوم لحصان مختلفة الحركات، ثم اخذ قرص اخر فيه فتحات، فحرك القرص الاول ونظر من فتحات القرص الثاني، فظهرت الرسوم كانها تتحرك امام العين .2879 كارتون

وفي عام 1834 اخترع الرسام الانكليزي- وليم جورج – شكل اسطواني مفرغ من الداخل (علبة) ورسم في محيطه الداخلي عدد من الرسوم لشكل واحد بحركات مختلفة مثل السير ثم فتح في الشكل الاسطواني عدة فتحات، فحرك الشكل الاسطواني بسرعة دائرية معينة ونظر الى الرسوم من الفتحات فشعر باحساس اتها تتحرك . وهكذا كانت التجارب الاولى لمحاولة صنع الرسوم المتحركة . وقد تعلمنا هذه التجارب العملية عندما كنا صغارا في المدارس الابتدائية ايام زمان .

في عام 1888 كان الرسام الفرنسي Emile Reynaud يعتبره البعض ابو الرسوم المتحركة ومؤسسها الحقيقي وقد شاهدت له فلما وثائقيا قديما حيث استخدم في اول الامر سبورة سوداء، رسم عليها شكلا معينا بالطباشر وحرك احد اجزاءه، وكان في كل حركة جزئية يصورها ثم يمسحها من على السبورة ثم يعيد رسمها بحركة تسلسلية اخرى ويصورها، وهكذا ظهر الشكل امام العين يتحرك .

في عام 1906 ظهر رسام اخر يدعى J.Suart Blacton قام بعدة تجارب استمرارا للرسام الفرنسي Emile وايضا اخذ يرسم ويحرك على السبورة .. وفي عام 1914 ظهر رسام اخر يدعى Winsor Mccay قام برسم صور متحركة ومزجها مع صور حقيقية وبيئة وخلفيات واقعية، وتعتبر تجاربه امتدادا للرسام بلاكتون Blacton .

ثم ظهر من بعدهم الرسام Earl Hurd الذي قام بنقلة نوعية على صعيد صناعة افلام كارتون حيث استخدم لاول مرة طريقة البلاستك الشفاف بحيث يمكن استنسام الاشكال المرسومة على الورق عليها ومن ثم يمكن مشاهدة الخلفية وحركتها، وتعتبر هذه طفرة نوعية في عالم تجارة الافلام المتحركة ..

وفي عام 1917 اجريت تجارب جديدة من قبل الرسام Max Fleischer حيث اخذ افلام واقعية وعرضها على طاولة ثم اخذ يستنسخ الحركات الواقعية ويحولها الى رسوم متحركة ومن هنا بدأت معرفة الحركات ومقدارها الزمني وعدد لقطاتها .. وكانت كل هذه التجارب خالية من الصوت اي صامتة .. وفي عام 1924 بدا الاخوان Fleischer M. صناعة افلام مع صوت .2880 كارتون

والدزني –1901 -1966

ولكن الذي خلق السينما المتحركة التي نعرفها اليوم والتي وصلت الى قمتها الابداعية والخيالية هو والدزني المشهور، فقد بدا يعمل في كراج مع كامرة مؤجرة ثم انشاء استوديو لانتاج الافلام وجلب عدد من الرسامين المهنيين والمتخصصين، وكانت اول انتاجاتهم عبارة قصص قصيرة معروفة لدى ثقافة الاطفال وعلى شكل افلام قصيرة . ولكن والدزني عاد وكرر تجربة fleischer حيث اخذ افلام واقعية وعرضها على طاولة ثم اخذ يستنسخ الحركات الواقعية ويحولها الى رسوم كارتونية. وكان اول انتاج له هو – اليسا في بلد العجائب – وبعدها تطور في الانتاج وبدا يصمم ويخلق شخصيات جديدة مثل الارنب المحضوض وميكي ماوس والبط دونالد وغيرها، وقد سجل والدزني الصوت على حاشية الفلم عام 1928 ونجحت هذه الطريقة نجاحا كبيرا بعدما كانت الاصوات تسجل على اقراص منفصلة . وتوسعت شركة والدزني حتى وصل عدد العاملين فيها الى 800 شخصا وبلغت ارباح هذه الشركة عام 2004 الى 24 مليار دولار . ثم ظهر في الولايات المتحد شخصية اخرى لانتاج افلام كارتون هي هاني باربرا Hanna Barbera واصبح منافسا حقيقيا في الاسواق العالمية لوالدزني وقد سيطر هاني في انتاجه للافلام القصيرة على التلفزيونات بينما والدزني اخذت افلامه تسيطر على قاعات السينمات كونها افلام روائية طويلة .

اما الاتحاد السوفيتي فقد تحولت الى اكبر منتج للافلام في العالم ولكنها كانت افلام عقائدية متطرفة حيث تعمل على نشر فكرها الاشتراكي .و اما اليابان فقد فاقت الجميع في الانتاج والدقة وقد جلبت اليها ملايين البشر وكذلك اشتهرت بالمسلسلات الطويلة التي لا تنتهي، وتحول المخرج الياباني Makoto Shinkai الى اسطورة في العالم . وفي بريطانيا اشتهرة شركة Ardaman Annimations في انتاج الافلام القصيرة مثل فلم Wallace y Gromit .2881 كارتون

افلام كارتون في عالمنا العربي

مصر

يذكر ان الافلام الكارتونية بدأت في مصر عام 1936 على يد الاخوان فرانكل وهما من اصل روسي استقرا في مصر وبدءا بتجاربهما في تحريك الرسوم وكان اول انتاج لهما هو فلم – مشمش افندي – واستمرا في العمل حتى عام 1950 . وعندما ظهر التلفزيون المصري عام 1960 انشأ قسم للرسوم المتحركة ولكن لم ينتج اشياء ذات اهمية ولو انه انتج بعض الافلام مثل مسلسل جحا والف ليلة وليلة، ثم توقف نتيجة للتكاليف الباهضة .. كما قام الاخوان مهيب بتأسيس استوديو للرسوم المتحركة واستوردوا كامرات من الخارج وانتجوا مجموعة من الافلام وحصلوا عليها جوائز ثم انتهت تجاربهم وتوقفت .

وعندما ظهر جهاز الكومبيوتر واستخدام برامج التحريك الحديثة بدات الافلام تظهر في مصر بتحسن وتطور وانتجوا كثير من الافلام المتواضعة .

اما في الخليج فقد قامت مؤسسة الانتاج الخليجي التعاوني بانتاج افلام قصيرة تعليمية مثل - افتح ياسمسم – وغيرها وكان بين هؤلاء المخرجين العراقي ثامر الزبيدي .. ولكنها لم تستمر هذه التجارب وتوقفت . كما ان هناك تجارب ناجحة في الكويت وبلاد المغرب وغيرها .2881 ميكي ماوس

التجارب في العراق

في عام 1971 ظهر اول فلم كارتوني في العراق يدعى لعبة- الركبي الامريكي- للمخرج صاحب حداد وعمل لصالح التلفزيون العراقي وقد اشترك في عمله : بسام فرج، مؤيد نعمة، اديب مكي، عبد الرحيم ياسر، وكاظم شمهود .. وفي عام 1976 قام عامر مزهر بصناعة فلم للدمى المتحركة اسمه – الطياريون الصغار - كما قام كاظم شمهود بعمل فلم للرسوم المتحركة اسمه –البيت الجديد – طوله 3 دقائق . هذه التجارب تعتبر من الخطوات الاولى في صناعة الافلام في العراق وعرضا اكثر من مرة في التلفزيون، ولكن بعد الاحداث المؤلمة التي مر بها العراق ضاعت الافلام واختفت . وفي سنة 1977 قام منصور البكري وعدد اخر من الرسامين بتجارب كارتونية . وفي عام 1980 اشترك عبد الرحيم ياسر ورائد نوري في انتاج فلم كارتوني عن القضية الفلسطينية . وكذلك قام الرسام صادق طعمة بتجارب للدمى والرسوم المتحركة لصالح التلفزيون العراقي .. ولازالت صناعة افلام الرسوم المتحركة في العراق متخلفة ومتوقفة بينما تتمتع شعوب العالم بازدهار وتقدم في حقل هذا الفن الساخر والضاحك .

ان انتاج الرسوم المتحركة مكلفة جدا ويحتاج وقتا طويلا كسنة او سنتين وبكلفة تصل الى ملايين الدولار ومئات الرسامين واحيانا يصل عددهم الى الالاف في المؤسسات العالمية الكبيرة والتي لها فروع في كافة انحاء العالم، ولا تستطيع الاستوديات الصغيرة ان تقف امامها في كثرة الانتاج والابداع .

 اليوم وبعد اختراع جهاز الكمبيوتر ظهرت البرامج المتخصصة في الرسوم المتحركة ولكن هذه البرامج تباع باسعار باهضة جدا، يصل احيانا سعرها الى 9000 و14000 دولار واكثر من ذلك، ومع هذه الاسعار الباهضة الا انه نجد هناك قلة من المتخصصين والمهنيين الذين يتقنون ويعرفون استخدام هذه الاجهزة الحديثة .2878 كاظم شمهود وعامر محسن

 

د. كاظم شمهود

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا
شكرا لهذ الاضاءة على عالم الكارتون
بالنسبة للعراق فهو منخلف في مجمل الفنون السمعية الصرية.. هذه تركيا التي تجاورنا قطعت اشواطا طويلة في صناعة الدراما التلفزيونية وقبلها سوريا ونحن حتى اللحظة نفشل في انتاج مسلسل رمضاني لا يتجاوز 30 حلقة
ومشكلة الفنون في العراق بحسب رأيي ان المشتغلين عليها يبحثون عن الربح او الشهرة وليس الفن بحد ذاته ، وgذلك يصنعون فنونهم لمن يدفع اكثر مثل قنوات واعلام الدولة والسلطة الحاكمة وهذا ما يفطن اليه المشاهد فينبذه
اتذكر في الثنانينات كارتون عراقي لا يمر شهر دون ان نشاهده في التلفزيون مرة واحدة على الاقل، كان عن الحرب العراقية الايرانية يظهر فيه قرش يلتهم الخميني ويقوم الفنان محمد حسين بالتعليق عليه ..كنا نكره هذا الكارتون جدا ليس بسبب فكرته البعيدة عن عالم الاطفال فقط ولكن بسبب رسومه البائسة التي لا تقارن بالكارتونات الروسية التي كانت تعرض في ذلك الزمن
كما عرض تلفزيون العراق في مطلع الثمانينات كارتون عراقي اعتبره بائس ايضا كان اسمه امينه وفشل وقتها ايضا بسبب رداءة رسومه وافكاره

Maha
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاخت الفاضلة الكريمة مها على هذه المداخلة الجميلة . كما تعرفين ان اول فلم كارتوني ظهر في العراق عام 1971 شارك في صناعته بسام فرج و مؤيد نعمة و اديب مكي و عبد الرحيم ياسر و كاظم شمهود , وهو اول انتاج للتلفزيون العراقي و كان المخرج صاحب حداد و اسم الفلم لعبة الركب الامريكية و كان المفروض ان يشترك في مسابقة عالمية ولكن لم يشترك لان مدة التقديم قد انتهت على ما يبدو , علما اننا الخمسة كنا نشتغل ليلا و نهارا و كنا ننام على الكراسي و نسهر ليلا و قد اصابنا الارهاق و التعب و منا من تمرض .. كل ذلك محاولة لادراك وقت التقديم للمسابقة و لكن الحض قد فاتنا .... هذه كانت البداية المخلصة و الصادقة . ولكن مع الاسف دخل العراق في مشاكل هو بغني عنها و بقى هكذا عليل الى يومنا هذا فتخلف في كل شئ منها صناعة الكارتون ... انظري الى مصر كيف تفدمت في صناعة افلام كارتون لان الاستقرار و حرية الفرد و الفكر كان لها دورا مشهودا ... تحياتي

د كاظم شمهود
This comment was minimized by the moderator on the site

تحايا الورد الاستاذ الفاضل د.كاظم شمهود وخالص التقدير
كانت وما زالت متعة الصغار والكبار بمتابعة افلام كارتون وحتى الافلام العائدة لقصص الصغار وخاصة الاجنبية لجودت انتاجها وجمال سبكها صوت وصورة وشخصيات والذي تنقصنا امكانياتهم واهتمام المؤسسات المسؤولة عن انجازها وامور كثيرة لا تخفي على عارف ومطلع والفرق شاسع يشخصه الكبير والصغير والمثقف والجاهل ومعروف لدينا كلما تقدم العالم بالتطور تأخرنا اضعاف خطواته علما ادب الطفل مهم جدا لتنمية قدرات الطفل الخيالية والاستفادة من قصص العبر ...
ومن المؤسف حقا ما وصل وطننا اليه في جميع التخصصات بهجرة العقول ولهم الحق لان تفتح لهم ابواب حرية الفكر وتوفير الاحتياجات ....
متى تكون الجهات المعنية تؤدي دورها الصحيح كغيرنا لانتشال المواهب وسبر سبلها ...
مقالة رائعة عن تاريخ الكارتون وتطوره
سلم الفكر وحبر الاختيار

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

حياك الله ست انعام و شكرا على المداخلة .. نعم ان صحافة الاطفال متعة للكبار و الصغار خاصة افلام كارتون الاوربية و الامريكية و الروسية التي ابهرت العالم بصناعتها ... و هم بدأوا بها قبل اكثر من ماءة عام و بالتالي كان لهم زخم من التجارب في صناعتها .. نحن اليوم في العراق ليس متخلفين في صناعة افلام كارتون و صحافة وقصص الاطفال بل في كل شئ حتى الطماطة نستوردها من دول الجوار.. هناك مثل موروث يقول ( صلاح الامة بصلاح الحاكم ) يعني اذا كان الحاكم ظالما و فاسدا فان كل برامج الحياة تكون معطلة او فاسدة ... تحياتي

د كاظم شمهود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5509 المصادف: 2021-10-05 03:17:47


Share on Myspace