أوركسترا

هل تشرق الشمس الحقيقة من الصين؟

2073 المفاعل المتطورالخبر هذه المرة من بلاد العجائب والمصائب والخيال الرقمي الجامح الذي يجمع بين الافتراضي والواقعي.. إنها الصين التي أخذت معالم تفوقها المستقبلي تتبدى، من خلال أكبر المشاريع التي يشهدها العالم اليوم في ظل أزمة كورونا التي بدأت من الصين، والتي تدخل في سياق انتاج الطاقة النظيفة بكلفة عالية جداً، واستخدام تقنيات عالية الدقة، ومثيرة للدهشة.. ومن باب المقارنة، فماذا فعل الباندا الصيني لتعزيز تفوق نمو معدلاته التنموية الشاملة، بعد أن سيطر تماماً على انتشار وباء الكورونا، والتركيز على جهود التنمية الحقيقة ورفع معدلاتها، في الوقت الذي كان فيه العم سام الأمريكي بقيادة الرئيس الأمريكي السابق ترامب، منشغلاً بنصب الكمائن القانونية للاقتصاد الصيني، في محاولة يائسة لحشره في الزاوية، بينما أمريكا غارقة اليوم في المشاكل الناجمة عن تفشي وباء الكورونا أمام عجز الدولة في التحكم بنتائجة في ظل أسوأ تداعيات شهدتها البلاد تتعلق بنتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي فاز بها الديمقراطي جو بايدن.

ببساطة الصين أعطت ظهرها لكل الضغوطات التي استهدفت تقدمها العلمي والاقتصادي، وأطلقت مشروع "صناعة شمس حقيقية" لإنتاج الطاقة.. حيث تمكن علماؤها من تشغيل مفاعل الاندماج النووي "HL-2M Toka¬mak"، الذي أطلق عليه مصمموه اسم "الشمس الاصطناعية"، بنجاح بعد أربعة عشر عاماً من بدء عمليات البناء بدرجة حرارة تزيد ثلاث عشرة مرة عن حرارة الشمس الحقيقية.. هذا ما تنبأ به تقرير مسبق لموقع "فيز أورج" البريطاني المتخصص بنشر الأخبار العلمية في الرابع من يناير الماضي، حيث قال بأن المفاعل الذي يقع جنوب غرب مقاطعة سيتشوان وتم الانتهاء من بنائه أواخر عام 2019 سيطوّر اندماجاً نووياً يلبي احتياجات الصين الحالية من الطاقة وضروري لتطوير الطاقة المستدامة في الصين.. وقد تم ذلك الآن بنجاح في الصين على الرغم من العدد الكبير من التجارب التي تم القيام بها في كل أنحاء العالم منذ خمسين سنة، علماً بأن كل ما استطاع الإنسان التوصل إليه في هذا المجال جاء في المجال العسكري الأمريكي بابتكار القنبلة الهيدروجينية المدمرة على البيئة والإنسان.

2073 المفاعل المتطور

وتعتبر عمليات الاندماج النووي حجر الزاوية في إنتاج الطاقة وذلك من خلال محاكاة العمليات التي تقوم بها الشمس. ويقوم المفاعل النووي الصيني بدمج النوى الذرية لإنتاج كميات هائلة من الطاقة على عكس عملية الانشطار المستخدمة في الأسلحة الذرية الحديثة ومحطات الطاقة النووية والتي تقسم النوى إلى أجزاء.

وتجدر لإشارة إلى أن أهم عملية اندماجية نووية في الطبيعة هي التي تحدث في النجوم. ففي القرن العشرين تم التوصل إلى أن الطاقة الناتجة من التفاعلات الاندماجية النووية في الشمس والنجوم الأخرى هي المسؤولة عن عمرها الطويل كمصدر للحرارة والضوء؛ واندماج الأنوية في النجم، والتي يغلب على تركيبه الأساسي الهيدروجين والهيليوم، هو المزود لهذه الطاقة حيث يكوّن أنوية جديد كناتج لهذه العملية الاندماجية.

2074 الشمس 2

أما بيئياً، وعلى عكس المفاعلات التي تجرى فيها عمليات الانشطار النووي التي تترك وراءها مخلفات نووية مؤذية للبيئة والإنسان على حد سواء، فإن مفاعلات الاندماج النووي فلا تترك وراءها نفايات مشعة وقد ينطوي على ذلك مخاطر أقل في حال وقوع كارثة نووية. أما النقطة السلبية فهي أن تحقيق عمليات الاندماج يتطلب قدراً كبيراً من المعرفة والتقنية العلمية وهو أكثر كلفة من عمليات انشطار المفاعلات العادية. ويقال في الصين إن بناء المفاعل الجديد قد كلّف ما يقرب من ثلاثة وعشرين مليار يورو.

وتكمن فائدة الاندماج النووي في إطلاقه كميات طاقة أكبر بكثير مما يطلقه الانشطار. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحيطات تحتوي بشكل طبيعي على كميات كافية من الديوتيريوم اللازم للتفاعل فإذا فلح الإنسان في ترويض تلك الطاقة لتغذية الكوكب بالطاقة لمدة آلاف السنين، سيكون أهم مصدر بديل للطاقة ناهيك عن عائده الاستثماري الهائل على الاقتصاد الصيني المتعاظم.. كما أن المواد المنبعثة عن الاندماج (خصوصا الهيليوم 4)، ليست مواداً مشعّة، أي أن مردوده سيكون إيجابياً على البيئة في العالم.. وأتمنى على الصين المساهمة في استثمار مثل هذا المشروع العملاق في عدة أماكن من العالم، ولو بتضافر جهود العدبد من الدول في الأقاليم المنتشرة عبر القارات في إطار تكتلات تعاونية لحل أزمة الطاقة. فهل يتحقق هذا الحلم الذي طرق أبواب الصين بحهود علمائه ومستثمريه!

 

بقلم بكر السباتين

9 ديسمبر 2020

 

في المثقف اليوم