 استطلاع

استطلاع: التهريب من مخلفات "ألي بابا والأربعين حرامي!"

mostaf_gharibعندما كنت جالسا أشاهد من على شاشة التلفاز عمليات السرقة واللصوصية في بغداد وقهقهات اليانكي الأمريكي بعد ترديد جملة "  ألي بابا، ويقصد علي بابا الحرامي " صدمت بما رأيت وفي حلمي الذي ظل 

يراودني طوال (23) عاماً من الهجرة والتنقل بين البلدان متوقعاً بدلاً من هذه الصورة المؤلمة أن يهب الشعب بعد سجن (35) عاماً للانطلاق نحو الانعتاق والحرية المنضبطة ولو نسبياً،  يذكرني بانتفاضات شعبنا ومظاهراته واضرابات عماله على مدى سنين طويلة، لكن  أن تظهر على شبكات التلفاز والإعلام وكأن شعبي كله " ألي بابا " فذلك الباطل كل الباطل،  إن الحالة التي تزامنت مع احتلال بلدنا وسقوط أفظع ديكتاتورية في المنطقة هي النهب الواسع النطاق، مستشفيات ومستوصفات، جامعات ومدارس ومعاهد تعليمية ومكتبات، وزارات ودوائر مختلفة، مخازن ومحلات تجارية، المتحف وتاريخ العراق القديم، البنوك البيوت، جميع مرافق الدولة والقطاع المختلط تقريباً، كل شيء، ولم يبق شيء تقريباً إلا وزارة النفط فقد حميت من قبل جنود الاحتلال الأمريكي، قالوا في وقتها لمصلحتها، ونقول لكنها حُميت ولم تسرق، وبألم أقولها لم استبشر خيراً بالقادم على الرغم من تفاؤلي بقدرة الخيرين من شعبنا وقواه الوطنية المخلصة ونظافتهم وإخلاصهم، فما انتقل الوضع إلى مجلس الحكم بدلاً من حكومة إنقاذ وطنية وأصبحت العملية السياسية عبارة عن مصالح طائفية وقومية وبقيادة الحاكم الأمريكي حتى ظهر وجه الصراع الكالح على الكعكة، وان أسلمنا الأمر وقال البعض بان ذلك لن يدوم وسوف نبدأ من الصفر لإعادة بناء الدولة المدنية المختلفة عن السابق، لكننا وجدنا أن البشارة الأولى أصبحت طريقاً سهلاً على الذي حصل بعد ذلك، ولن أبالغ إذ أقول أن ما حصل فجر الاحتلال والسقوط من سرقات ولصوصية وتجاوزات على المال العام والخاص حتى تصنيفنا " بألي بابا " (سيقول قائل أنهم بضعة آلاف ونفوس شعبنا حوالي 27 مليون حينذاك) صحيح كل ذلك لكن الظاهرة استولت ظواهر من نوعية جديدة ، علنية وغير علنية، عمليات لصوصية وتجاوزات على المال العام تحت واجهات قانونية واتفاقيات قمسيونية منخورة بالفساد، حتى الانتخابات والمشاركة الواسعة فقد مرر فيها الفساد والتزوير واستغلال الدولة والمناصب الحكومية، فإذن لم تذهب سداً جهود جماعة " ألي بابا " الأولى فقد فرخت جماعات وجماعات، منظمات دينية سياسية مختلفة ومافيا تدعي الوطنية والحرص على الوطن، وإعلام كالمستنقع النتن مستمرٌ في التلفيق والأكاذيب لحرامية كبار الفساد ، والتهريب مستمر على قدم وساق ، الآثار هربت وما زالت تهرب، هربت الدبابات والسيارات العسكرية على شكل " خردة "والسيارات الأخرى بطرق فنية وأعمدة الكهرباء وأسلاكها وأسلاك التلفونات وووو.... لم يبق شيء إلا وسُرق أو هُرب خارج الحدود، وعندما بدأ مورد الحرام يتقلص توجه ذوي الضمائر الحرامية إلى سرقة النفط لم يبخلوا بإيجاد الطرق والأساليب فأبدعوا وتفننوا ، فمن كان يسرق ويهرب عيني عينك، ومن كان يغالط في حسابات عداد الغالونات ووفق طرق غريبة،  ومن كان يثقب أو يخرب الأنابيب ويملأ الصهاريج ومن كان يستخدم الموانئ غير النظامية فيبحر بالسفن وهي محملة بملايين البراميل من النفط الخام، ووزارة النفط نائمة قريرة العين وكأن المحافظة عليها من السرقة الأولى جعلها تغض النظر عن سرقتها داخليا، وآخر وزير للنفط الشهرستاني كرَّس نهجه لمعاداة  نقابات عمال النفط وهو يهددهم بقرار نظام صدام حسين المرقم (150 لسنة 1987) المعروف بعدائه للنقابات والتنظيم النقابي في قطاع الدولة وقد أعلن بملأ فمه أن العمل النقابي ممنوع وفق القرار المذكور في قطاع الدولة.

منذ اقل من أسبوع بدأت بعض التصريحات ووسائل الإعلام تعلن عن تهريب النفط من إقليم كردستان العراق وتصاعدت الحملة في مقالات البعض التي تشم منها رائحة التحريض ضد الكرد كل الكرد وبات البعض يهدد ويطالب بسحقهم بواسطة الجيش العراقي الباسل (أي جيش وأي باسل !!) والتخلص من بلائهم ودائهم الخبيث لأنهم اخطر من المنظمات الإرهابية والمليشيات الخاصة ومافيا القتل بالجملة، واخطر ممن يسرقون ويهربون النفط أينما كانوا، وأخطر من الرشوة والمحسوبية والحزبية والطائفية في التعيينات الوظيفية، وتوضح أن ليس لهم ارتباط بالحرص الوطني أو الغيرة على ثروات البلاد التي تنهب يومياً وبمختلف السبل والأحابيل، ولسنا الآن بصدد الطمطمة على التهريب والمهربين بالنسبة للنفط ومشتقاته إن كان في الجنوب والوسط والغرب أو في الإقليم لأن المهرب واحد والحرامي واحد (حاميها حراميه) والضمائر الميتة واحدة بأثواب وملابس مختلفة .

 لكننا في الوقت نفسه نطالب بالتدقيق وكشف الحقيقة لكي نعرف بالتأكيد ما المقصود بافتعال أزمات مع الإقليم ! ولماذا هذا الوقت بالذات ونحن بحاجة ماسة لقيام الحكومة العتيدة المنتظرة كالمنتظر عجل الله فرجه؟ ولماذا خلط الأوراق ما بين التهريب وقضية كركوك (دكتورة تقول آشورية وآخر يقول تركمانية والثالث يقول عربية وعندما يقول الكردي كردية تنقلب الدنيا ولا تقعد ،  وما هو الارتباط بين المادة  140 من الدستور والإقليم المتهم بفرض الفيزا والكفيل تلفيقاً وكذباً؟ (عشرات ممن التقيتهم احدهم ابني وزوجته وأولاده وأختي الذين كانوا في اربيل بتاريخ 27/6/2010 متوجهين إلى بغداد ثم عادوا إلى اربيل اسبوعاً لم يطلب منهم فيزا أو كفيل، أي تلفيق وكذب وتشويه إعلامي هذا) دائما خلط الأوراق لتشويه وعي الملتقين والمواطنين، وهؤلاء ليسوا بالغباء كي لا يعرفوا أن صوت ارتطام نقطة من المطر وفي أي مكان في البحر تستطيع أن تنقلها وسائل الإعلام الحديثة.

أليس من حق كل مواطن عراقي غيور على وحدة شعبه ووطنه أن يسأل ـــ لماذ وضع العصا في عجلة الأخوة العربية الكردية والقوميات الأخرى ؟ ـــ ولماذا هذا التهريج حول الانفصال والدعوة للحرب والقيام بانقلاب عسكري " لا يبقي ولا يذر" ؟ لمصلحة من خلق روح التفرقة والتحارب والنزاعات اللامبدئية بين مكونات الشعب، وبين الحكومة العراقية التي يعج الكرد فيها وحكومة الإقليم؟ ـــ لماذا لم تثار هذه الضجة حول التهريب في مناطق أخرى؟ ثم من هو الذي يفجر أعمدة الكهرباء ومُحَوّلاته وتلويث مياه الشرب؟ ولماذا الكرد يفجرون أنابيب النفط في الإقليم وهناك مليون طريقة وطريقة " مستورة " للتهريب ؟ فالتهريب أينما كان هو بالضد من مصالح العرب والكرد والتركمان والكلدو آشوريين والمكونات الدينية الأخرى ولا يمكن حل مشكلته إلا بالمؤسسات الأمنية غير المخترقة والنظيفة وبالقوانين والدستور والقضاء، ومثلما وجود حرامية في كل مكان فهناك منهم في الإقليم ولكن هم ليسوا الشعب الكردي وحقوقه المشروعة حتى يتم خلط الأوراق  من أجل إضاعة الحقائق.

مرة أخيرة التهريب هو جزء من الفساد المالي والإداري في كل العراق وهو آفة وجريمة بحق البلاد والشعب ومعالجته ليس التهريج والعجيج والاتهامات أنما بطرق قانونية وتشريعية وليس بتحويله لقضية مغرضة من اجل تصفيات حسابية سياسية وحزبية وتهريج سياسي مفتعل للكسب غير المشروع. 

     

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1465 الخميس 22/07/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1416 المصادف: 2010-07-22 12:57:52


Share on Myspace