ملف: المرأة في أسر العبودية المعاصرة

جرائم الشرف تتنافى مع أحكام الإسلام ولا شرف فيها

jamil alsadiلقد كرّم الإسلام المرأة، فالمرأة ليست نصف المجتمع، بل هــــــي المجتمع ككل، فنحن جميعا ذكورا وإناثا أتينا من رحم المرأة، وإنّ إعداد المرأة تربويا ومهنيا وعلميا وفسح مجالات العمل والنشاط أمامها في كل الميادين، هو إعداد للمجتمع، وإن أيّ انتقاص من شأنها وحقوقــــــها سيعود بالضرر علــــــــــــى كل مكونات المجتمع.المرأة في نهاية المطاف هي أمّ، عليها تتوقف تربيــة النشء ويتحـــــدد مستقبله، وكما قال الشاعر المرحوم حافظ إبراهيم:

الأمُّ مدرســـــةٌ إذا أعددتـــها     أعددتَ شعبـــا ً طيّبَ ألأعـــــــراق ِ

في مجتمعاتنا العربيـــــــــة والإسلاميـــــة ترتكب جرائم ومنذ أمدٍ بعيد تسمّى (جرائم الشرف)، بهدف غسل العار، وضحايــــــــــاها فتيات، قتلن لأنهم لوثن شرف الأسرة حسب ما تراه العادات والتقاليد المتوارثـــــــة منذ زمن الجاهلية، والتي مــــــــــا زالت قائمة إلى يومنا هذا ومتحكمــــــــــة في سلوك الأغلبية في مجتمعاتنا. ومن المعلوم والشائع أن نسبة كبيرة من هذه الجرائم ترتكــــب بسبب الشائعات والظن، ولا تستند إلى معلومات موثّقة، وإن مرتكبي هــــــذه الجرائم يحصلون على أحكام مخففة من قبل المحاكم، بدعوى أن الجاني ثأر لشرفه، فما يدلي به أمام المحكمة يأخذ مأخذ الجد، ولا تطلب المحكمـــــــة أدلة أو شهودا تثبت حدوث الفعـــــــــــــل المخلّ بالشــــــــــــرف، الــــــــــذي أدى إلــــــــى ارتكاب الجريمــــــــــة. مـــن الناحيـــــــــة القانونية لا يجــــــــوز الأخــــــــذ بالمعلومات والقبول بصحتها، ما لم تدقق وتحلل، وتقيّم من أهــــــــل الخبرة والإختصاص، فالتسرّع باتخاذ القرارات يعود ببالغ الأضرار على الفــــرد والمجتمع. ويعرض مصداقية الدولة ومؤسساتها إلى الخطر. يقول تعالى:

(يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظنّ إنَّ بعض الظنّ إثمٌ ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ً أيحبُّ أحدكم أن يأكلَ لحـــــــــــم أخيه ميتا ً فكرهتموه واتقوا الله إنَّ اللهَ توّابٌ رحيم) ــ الحجرات 12 ـــ

ويقول تعالى في الآية رقم ستة من نفس السورة:

(يا أيّها الذين آمنوا إنْ جاءكــــــــم فاسقٌ بنباْ فتبينوا أن تصيبوا قومــــــا ً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)

النبي يوسف اتهم من قبل زوجة العزيز فرعون مصر بأنه راودها عن نفسها، وقد تأكد فيما بعد أن النبي يوسف برئ مما نسب إليه، وأن الأمر كان مكيدة، بسبب رفـــــــض يوسف ارتكاب الفاحشة معها، وقد اتهمت عائشة زوجـــــة الرسول(ص) بارتكاب الفاحشة مع الصحابي صفوان بن المعطل، فانزل الله على الرسول الآيات في سورة النور ببراءة زوجته عائشة مما نسب إليها:

(إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لـولا جـاءوا عليه بأربعـة شهـداء فـإذ لم يـأتـوا بالشهـداء فـأولئـك عند الله هم الكـاذبـون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقـونـه بـألسنتـكـم وتقـولون بأفـواهـكـم مـا ليس لـكـم بـه عـلـم وتحسبـونـه هينـا وهـو عند الله عـظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم )

ويقول تعالى في سورة الإسراء الأية رقم 36:

(ولا تقفُ ما ليس لك بهِ علمٌ إنّ السمْعَ والبصرَ كلّ أولئكَ كان عنــــــهُ مسئولا ً)

إن هذه الجرائم لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، كما أكّد علماء المسلمين من كلّ المذاهب. فحكم الشريعة الإسلامية واضح فيما يتعلق بالزنا وهو الجلد، والمقصود منه الوعظ. فقتل النفس محرّم في الإسلام، إلا في حالات نادرة وتحت شروط، وهذه الحالات لا تتضمن جرائم الشرف، التي هي من نتاج العادات والتقاليد، وعقوبة الزاني والزانية مبينة في القرآن : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (النور: 2).فالعقاب هنا جسدي ونفسي القصد منه الزجر والإصلاح وليس العقاب بقتل النفس، التي حرّم الله قتلها إلّا بالحقّ.فمما ثبت علميا أن شيوع الفاحشة والزنا يتسبب في انعدام الغيرة لدى الأفراد ذكورا ونساء، وهذا يؤدي إلى انحلال الروابط الأسرية، فتصاب العلاقات الزوجية بالوهن، فتختفي المودة ليحلّ محلها الضجرُ والسأم وتطبيق عقوبة الزنا تشترط حضور (1) أربعة شهود رجال عدول ثقات يشهدون بدخول القضيب بالفرج (غياب حشفة الذكر على الأقل) رأي العين المباشر. أو اعتراف الزاني أو الزانية نفسه بما فعل باختيار شخصي. ويظهر من هذا صعوبة إقامة الحد، وهذا حتى لا يصير اتهام الناس بالزنا سهلاً.

وإذا اتهم أحد المسلمين آخر بالزنا، ثم لم يستطع أن يأتي بأربعة شهداء عدول (موثوقين حسب شروط محددة)، فإنه يجلد ثمانين جلدة عقوبة الإفك، ولا تقبل شهادته بعد ذلك. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ سورةالنور الآية:4،

كان النبي (ص) إذا أتاه الرجل مقرّا بالزنا يقول له: ( لعلّك قبّلتَ، لعلّك غمزت، لعلك لمست) والمقصود من كلام الرسول(ص) أنّ الأمر لم يصل إلى الزنا، إنما هو قبلات ولمس ومداعبة، وهذه أمور لا يطبّق فيها الحدّ.

عن أبي حوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي(ع) ما تحفظ من رسول الله(ص) قال سأله رجلٌ عن مسألة ما أدري ما هي فقال: دع ما يريبك إلى ما لايريبك. وهذا يؤكد على أن الدين يُسرٌ وليس عسرا ً.

مازال العديد من الدول العربية والإسلامية يوفر حماية قانونية لمرتكبي جرائم الشرف والتي معظمها تتم انطلاقا من شائعات وأقاويل، وليس عن تلبّس، وتعتبر أن هدف هؤلاء القتلة شريف، وهذا في حقيقته مناف للشرائــع السماوية ولا ينسجم مع مبادئ العدالة التي هي الأساس في تشريع القوانين. هنالك فهم خاطئ سائد في الاوساط الشعبية وهو أن القتل في قضايا الشرف هو من تعاليم الإسلام. وهذا غير صحيح، فلا توجد أية آية في القرآن تؤكد هذا الزعم، وأجد من المناسب بخصوص هذه النقطة بالذات أن أنقل حرفيا ما نشره الشيخ عباس أحمد شحادي في مركز البيت العالمي للمعلومات:

((يجب فك الارتباط ما بين كلمة جريمة وكلمة شرف، لأنه لا توجد جريمة تتوائم مع الشرف إذ الشرف من مقولات عالم الأخلاق والقيم والقتل يقع على النقيض تماماً..فهو مصطلح فيه تناقض كبير وأيضاً فيه نوع من إضفاء جانب أخلاقي على الجريمة، وكأن هناك جريمة مشرّفة وجريمة غير مشرّفة. وبناءً على ذلك فاللازم أن تندرج هذه المسألة تحت مسمى الاعتداء على النساء.

ونتساءل: هل يصان هذا الشرف بالقيم والأخلاق أم بالأحكام والحدود فمن لم تصنه الأولى لن تصنه الثانية. فما هو الشرف في خيالنا؟ وما هو تعريفه.. هناك من حصر الشرف بالأنثى وهناك من ربطه بالفرج وعلى هذا نشأت عقولهم وتربت، وحتى يصان هذا الشرف لا بد أن تسيل الدماء..

فأين شرف الأرض والكرامة والدين... أليست كلها في مسمى الشرف، فلماذا نجزأه فنقتل باسم شرف مزعوم ونتناسى شرفنا في أماكن أخرى!؟.

ثم من هو المجرم الحقيقي؟ هل هي التقاليد البالية أم الجهل بالحقوق والواجبات أم التنكر لأصول الشرع والدين؟

أليست مصادرة حق المرأة في الحياة شكل جديد من أشكال الوأد الذي ينفي إنسانية المرأة وحقها في أن تتمتع بمجموعة من الحقوق باعتبارها فرداً في المجتمع؟

إننا بحاجة ماسة إلى خلق وعي اجتماعي جديد يقف بوجه العادات والتقاليد، التي ما أنزل الله بها من سلطان للوقوف بحزم ضد العادات والتقاليد البالية، التي تتيح قتل المرأة بدعوى تطهير الشرف وغسل العار. هذه العادات هي بقايا عصر الجاهلية، وهي تتنافى مع تعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء. الأساس في أمور العرض والشرف الستر، فلا ينبغي أن يتحدث عنها الفرد، فإذا افتضحت يتولى القضاء البت والحكم فيها، وليس الأخ أو الشقيق أو أحد أفراد الأسرة، فلا يجوز للرجل أن يكون هو القاضي والجلاد، والعقوبة يجب أن تشمل الذكر والأنثى، إذا أقدما على فعل الزنى دون عقد زواج. لكن واقعنا مع الأسف بعيد عما حققه التطور الحضاري من إقرار لحقوق المرأة وهو بعيد كذلك عن تعاليم دينه الحنيف. إنه واقع متخلف همجي يضطهد المرأة وينظر إليها نظرة دونية. إنه يجسد العقلية القبلية الجاهلية، التي ترى في المرأة بضاعة من ممتلكات الرجل وجسدا للمتعة. بل إنّ هذه العقلية ترى فيها عورة ليس إلّا. فما زال الرجل في مجتمعاتنا لا يرى ضيرا في أن يزني، ولا يمس ذلك شرفه، أما المرأة فحين تزني فإنها قد لوثت شرفها. لقد صور أحد الشعراء العرب هذه الحالة بصدق:

تسألُ الأنثى إذا تزني.. وكمْ     مجرمٌ دامي الزنـــا لا يسألُ

وســريرٌ واحــدٌ ضمّهمــــا     تسقطُ الأنثى ويحمى الرجلُ

 

....................

(1)            استقيت المعلومات فيما يخص شروط عقوبة الزنا من الويكيبيديا ــ الموسوعة الحرة ــ

 

جميل حسين الساعدي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3106 المصادف: 2015-03-08 08:52:08


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م