ملف: التسامح .. مقاربات في المفهوم

الايدولوجيا والتسامح .. الماركسية الشائعة إنموذجا

salam_kadomfarajبمبادرة كريمة من الأستاذ ماجد الغرباوي تفضل فسألني مستطلعا وجهة نظري حول الآراء المطروحة على صفحات المثقف الغراء بصدد الايدولوجيا والتسامح إنطلاقا من الرؤى التي تضمنتها المقابلة الصحفية المهمة

التي أجرتها معه الإعلامية هيام الفرشيشي..وكان السؤال .. ما\رأيك بالتقابل بين الايدولوجيا والتسامح.. باعتبارك رجل أيديولوجي يهمه ذلك؟..

ولأنني أعرف الأستاذ ماجد رجل فكر سبر أغوار المطبات الاصطلاحية وعرك كل المفاهيم الشائعة في علم السياسة والتقاطعات المفهومية سواء أكانت على مستوى القاموس اللغوي أو القاموس السياسي فقد راق لي سؤاله الثري والعميق  وطربت لما تضمنه من إستفزاز إيجابي لتحريك ما يمكن تحريكه من رؤى ضامرة مضمرة في أعماق رجل آثر أن يغادر رمضاء السياسة إلى خمائل الأدب والشعر .. إلا آن جذوره اليسارية تفتأ تفضحه في نص يكتبه أو مداخلة عابرة لنص يكتبه أديب أو سياسي .. وهذا ما دفع أستاذنا الغرباوي أن يتخذ ذلك مدخلا  ليسألني.. باعتبارك رجل أيديولوجي.. ما هو رأيك بالتقاطع أو التقابل بين ما هو ايديولوجي .. وما بين فكرة التسامح وتقبل الأخر..؟

وهنا ينبثق السؤال التقليدي.. هل اليسار واليسارية أيديولوجية؟.. بل هل الماركسية ذاتها ايديولوجية؟

الايديولوجيا أساسا وحسب الفيلسوف الفرنسي دي تراسي (علم الأفكار).. وهي منظومة من الأفكار تعنى بالظواهر الاجتماعية وتدجنها وفق  الرؤى المتاحة لمرحلة زمنية معينة وتوجهها قسرا  حينا وبالإقناع  أحيانا وقد تسيل دماء غزيرة إن حدث أي شرخ في جدار تلك المنظومة.. وتختلف التسميات إلا أن الايديولوجيا هي الاصطلاح الأكثر تعبيرا عن تلك الأفكار المنتظمة بتيار عريض..

والايديولوجيا حسب ريمون ارون نظام شامل لتفسير العالم تاريخيا وسياسيا.. وقد يتخذ شكلا ثيوقراطيا صلدا .. يدخل فيه المقدس .. مما يعيق أي تدخل محتمل لإجراء تعديلات مرغوبة لتلك المنظومة أو ذلك النظام..

واللافت ويا للمفارقة.. أن كارل ماركس وزميله فردريك انجلز كانا أول من نبه إلى ان الايديولوجبا عبارة عن وعي كاذب!!.فهي من جهة عبارة عن  وعي إنساني لكنه وعي يتفتق عن وهم.. والماركسية هنا ترفض كل الأفكار المسبقة الاستياتيكية ( الجامدة). وتتبنى الديالكتيك المادي .. ويكرر ماركس وانجلز أكثر من مرة عبارة الشاعر الألماني غوته ( النظرية رمادية اللون يا صديقي.. إلا أن شجرة الحياة هي الخضراء..) في إشارة نابهة ولافتة وعبقرية إلى أن نضح الحياة هو الذي يحدد المنظومات الفكرية اللاحقة وليس الأفكار المسبقة وان أتت من خلال أكثر السرديات قدسية ومن هنا بدا الصدام مع الأفكار الثيوقراطية.. وعليه فلا قدسية لأية فكرة ترفضها الحياة اللاحقة بما فيها منظومة أفكار ماركس وانجلز ومن هنا تأتي قوة الماركسية الحقيقية وراهنيتها.. ولغارودي قول لافت .. كل من يفكر بطريقة جدلية ويبحث في الأسباب والمسببات والنتائج بذهنية متفتحة رصينة فهو ماركسي وان ادعى عكس ذلك!! .. وهذا القول يتيح للبعض وقد  فعلوا أن ينسبوا رجالا عاشوا في صدر الإسلام مثلا للماركسية!!

والايديولوجيا منظومة من الأفكار والقيم الاجتماعية والثيواقراطية تجد قبولا لدى مجموعة من البشر ويتبنوها لمرحلة زمنية قد تطول وقد تقصر.. وأول من انتبه لذلك دون أن يسميها المفكر العربي ابن خلدون.. بل أطلق عليها ( العصبية). والعصبية مصطلح مشتق من العصبة.. وقد تكون قبلية أو عشائرية أو عائلية. أو دينية أو مذهبية.. وقد تتسافل لتتحول إلى عصبية مناطقية كما رأينا ونرى في الحروب الأهلية المعاصرة..  و كلها تدخل ضمن مصطلح الايديولوجيا.. لكنها تتسع وتضيق..

ورغم الاكتشاف المبكر لرواد الماركسية إلى أن الايديولوجيا بكل تمظهراتها ما هي إلا وعي وهمي..  كاذب.. فان ذلك لم يمنع من تقولب الماركسية لاحقا في ماركسيات متعددة متخذة شكل ايديولوجيا هائلة تزاحم أكثر الايديولوجيات رسوخا المعتمدة على المقدس السماوي.. فشهدنا الاصطفاف الشيوعي الهائل  فيما سمي بالمعسكر الشيوعي  المستقطب حول النواة السوفيتية وما يعنيه ذلك من إنتاج صناعي هائل افرز منظومة فكرية كادت أن تطيح  بأكثر الأنظمة تقدمية ونضجا اعني به النظام الرأسمالي الذي سبق له أن أطاح بالنظام الإقطاعي  والباترياركي.. إلا أن منظومة ايديولوجية ادعت الماركسية أيضا وقفت على النقيض من المنظومة السوفيتية ودخلت معها في صراعات مريرة أنجبت أنظمة أخرى ادعت الماركسية والماركسية منها براء.. كالخمير روج في كمبوديا وما نتج عن ذلك من مذابح وبرزت على السطح تسميات ماركسية متناقضة متصارعة فيما سمي بالماوية والتروتسكية والتيتوية والجيفارية..  والبريجنيفية..وسمعت أن هنالك من زاوج بين الماركسية والإسلام وأنتج منظومة فكرية تنهل من المنظومتين  وذلك في إيران إلا أن نجاح الثورة بقيادة  الإمام الراحل الخميني أجهض تلك الفكرة التي كان يغذيها المفكر الإيراني علي شريعتي .. وكان يمكن للمفكر  الماركسي هادي العلوي أن ينتج فكرا يمزج بين الصوفية الإسلامية وبين الفكر الماركسي ..لولا انه كان مطاردا منفيا يعاني ظروفا بالغة القسوة.

وتظل الماركسية وفق ماركس وانجلز  نظرية علمية غير مقدسة لا تختلف عن النظريات العلمية الأخرى قابلة للتمحيص والتغيير..والخطأ والصواب. ولعل الماركسية من اكبر المنظومات الفكرية التي لا تدعي لنفسها قداسة.. بمعنى أنها تعرف قدر نفسها  ولا تدعي أنها تمتلك كل الحقيقة كما لا يمتلكها أي نظام فكري سابق ولا يمتلك الحقيقة إلا التحليل العلمي الرصين لمجموعة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهو ما يسمى بالفكر الديالكتيكي المادي..

والماركسية وفق هذه السياقات ليست ضد التسامح الفكري وتقبل الأخر وفهمه وليست ضد الأديان السماوية أو غيرها لكنها لا تتبناها.. وليست ضد الاعتزاز القومي وحق الشعوب في تقرير المصير لكنها تفضل الفكرة الأممية والإخوة الإنسانية التي ستأتي لاحقا وبعد مخاضات طويلة وليس قسرا كما سعت إلى ذلك الستالينية وما شابهها من أنظمة سياسية لاحقة ادعت الماركسية.. والماركسية كنظرية تحترم الأديان كموروث إنساني قد يحمل قيما راقية كما قد يحمل قيما متخلفة لكنها تفضح  البعد الاقتصادي الاستغلالي الكامن خلف أية ادعاءات ثيوقراطية أو قومية أو مذهبية..والماركسي الحقيقي هو اللبرالي الحقيقي رغم ما يبدو في قولي هذا من غرابة..

اقتصرت في مداخلتي على الماركسية إنموذجا.. والإسلام والمسيحية كايدلوجيا يحملان تراثا ثرا من الأفكار النيرة في التسامح وفهم الآخر وقبوله إلا أن للتاريخ أخبار سيئة عن صراعات دموية جرت أيضا تحت مسميات الحروب الصليبية وما يقابلها وكلا الهلال والصليب بريئان منها..

التسامح إذا موجود في جذر كل العقائد سواء أكانت دينية سماوية أو دينية غير سماوية أو نظريات وضعية كالماركسية والديمقراطية والوجودية ...

 

......................

للاطلاع على الحوار

http://almothaqaf.com/new/index.php?option=com_content&view=article&id=12739:2010-04-08-09-27-39&catid=37:2009-05-21-01-46-26&Itemid=57

 

ومقال: التسامح .. قراءة اولية للمفهوم

http://almothaqaf.com/new/index.php?option=com_content&view=article&id=13235:2010-04-21-14-42-34&catid=34:2009-05-21-01-45-56&Itemid=53

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1379 الاثنين 19/04/2010)

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1322 المصادف: 2010-04-19 14:15:49


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5779 المصادف: السبت 02 - 07 - 2022م