 ترجمات أدبية

إنها دمشق يا أولاد ... نص مظفر النواب الجديد ليس لمظفر النواب

nawabيبدو إن  إهمال الشاعر مظفر النواب، ومحبيه وقراءه لإرثه  الشعري وصل مرحلة متردية.

فالشاعر الكبير، الذي يعد واحد من كبار الشعراء العرب والعراق. لم  يطبع أعماله ولم تجمع أثاره سوى عن طريق دور نشر مزيفة، فجاءت تجارية مليئة بالأخطاء. وعدم التوثيق . ميزتها الوحيدة أنه حاولت تجميع قصائد النواب المنسوخة على كاستيات (وهي الطريقة التي تناقلت به أشعاره) وتفريغها قبل عصر الانترينت.

 وبعدها، ظلت الفوضى مصاحبة لأرث هذا الشاعر الكبير، وما اللغط حول نسبة نص عن دمشق للشاعر الكبير إلا دليلا على ذلك.

 

الإنترنيت في البداية كان مقبولا في توثيق قصائد وحفلات وشعر مظفر،  جمعت بعض المدونات باجتهادات شخصية لبعض محبي الشاعر، ونقلت التسجيلات على اليوتوب، وبعض المواقع الصوتية. ولكن  بقي أرث مظفر النواب، مقسوما بين الفوضى والمزاج. دون أي مرجعية تعود له.

فالشاعر بلا مكتب ولا سكرترية ولا مساعدين محترفين، ومحبويه وزوراه الحريصين عليه وعلى تجربته، ينسون بمجرد الالتقاء به، أن يقوموا بأبسط ما يجب القيام به. طباعة الأعمال الكاملة. مع ببلوغراف واضح مع كتابة السيرة الأدبية والشخصية، وباشرافه كمرجعية.

ومن ثم صياغة موقع ألكتروني خاص بالشاعر يديره موثوقون من قبله، ومختصون بشعره، يكون المصدر الأساسي لمواقفه الحالية، وأراءه  وأشعاره وكتبه وتصريحاته. فالذي حصل خلال الشهور الماضية بخصوص نسبة نص بعنوان إنها دمشق للشاعر الكبير. وما تبعه من لغط على صفحات الانترنيت. صار يقتضي أتخاذ موقف حاسم من جميع محبي وقراء ونقاد الشاعر أن يتخذو أجراء فوريا وعدم الالكتفاء بتمرير الأمر وكأنه لا يعنيهم.

 

إنها دمشق يا أولاد ...

الكلمة الأشهر التي ردّدها ملحّنة ومنغَومة وقاسية وقارسة في وجه الواقع الرديء بالسبعينات. أستخدمها كاتب سوري شاب يدعى فادي عزام في نصه المنشور على صفحات مجلة أكسجين الثقافي بتاريخ 6-11-2005 .

وهو نص ثري وعاطفي، وفي الحقيقة نص مدهش من كاتب شاب، فدمشق مدينة لها مكانة روحية وعاطفية لدى العرب جميعا مثلها مثل بغداد والقاهرة ومكة وبيروت. وأستطاع نزار قباني شاعرها النبيل والبرجوازي الثائر، أن يدخلها  في قلوب أجيال من المراهقين والشباب العرب. بصور حارة قريبة من الروح، وتعادل الغواية . فياسمينها، جوامعها كنائسها الدفء الصاخب في تاريخها. عاصمة اكبر خلافة عربية في التاريخ. ففيها ما يكفي عشرات الشعراء لينضحوا من ارتوازيتها التي لا تنضب.

ومن لا يذكر قصيدة نزار التي تسيل عذوبة وفرحا بحق هذه المدينة.

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ     إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ

أنا الدمشقيُّ لو شرحتمُ جسدي          لسـالَ منهُ عناقيـدٌ.. وتفـّاحُ

 

فبغض النظر عن السياسية ومفاعيلها وعن ما يحصل فيها من تخريب وهدم وتلوث. يبقى لهذه المدينة سحرها وساحريتها.

من هنا جاء نص الكاتب فادي عزام. في تلك السنة عام 2005 . حيث دمشق تمربأسوء أوقاتها السياسية. ومن خلال المتابعة  للمواقع التي نشرت النص في قبل اربع سنوات والتعليقات عليه وردود الفعل، واراء الكاتب نفسه وهي موجودة في الكثير من المواقع . ويمكن لمن يريد أن يراجع مثلا نص إنها دمشق يا أولاد ... ، في موقع أكسجين الثقافي العدد 21 حيث نشر لأول مرة. ومنه أنطلق إلى العديد من المواقع الألكترونية. وتلقفه  محبي دمشق من السوريين وغيرهم بحب شديد وشعروا بأن جزء من الاعتبار يرد لهم ولمدينته وهو ما لا تستطيع السياسية التي تخنق المدن الأفكار العظيمة أن تتحقه بل على العكس فالخروج  من لبنان وتبعيات إغتيال رفيق الحريري، وحملة 14 أذار على سورية، فشعر الناس ممن لا ذنب لهم، بنتائج الاخوة اللبنانية السورية، إن مثل هذا النص (إنها دمشق يا أولاد ... )وما شابهه يمكن أن يعيد لهم جزء من الاعتبار في الإهانات المجانية التي تداح عليهم من كل حدب وصوب.

 

فأعد العديد من المواقع العربية نشر المادة وحصل جدل حول كلمة النابية المستخدمة في العنوان وبدأ لغط إنها كلمة سوقية  شوهت النص بين دافع الكثيرون  عنها بأنها كلمة جاءت في مكانها. وهنا بدأ الاستشهاد بمظفر النواب كأول مقاربة له للنص. وتذكيرا بقصيدته الشهيرة. القدس عروس عروبتكم. ويمكن الرجوع للتاريخ  4-2-2006 على موقع شروق الثقافي . حيث الكثير من الجدل.

وبعد عدة أشهر أنطفيء النص وبدأت بعض المواقع تتناقله دون  ذكر اسم الكاتب، أو المصدر. والكثير منها حذفت الكلمة النابية وأبقت العنوان ( إنها دمشق) . وبعضها بدل ببنية النص لأن به بعض الجمل التي اعتبروها خرق لتابو  ديني. فمثلا لا تعترف إلا بشيخها ابن عربي، الذي صاح منها  إلاهكم تحت قدمي. فحذفت هذه العبارة.

وعبارة أخرى تم تشويهها،

إنها دمشق مدرسة عشرين نبي وفكرة خمسة عشر إله. تم إضافة إله خرافي لحضارات غابرة شنفت أذانها ....

والعديد من الجمل الأخرى.

 

مظفر النواب ينصف دمشق

بعد أربع سنوات وفي نهاية الشهر التاسع من 2009. جاءت تفجيرات الأربعاء الدامي، وجاءت تهديدات المالكي لدمشق، وبعدها بأسبوع أو أكثر قليلا بدأ النص ينسب لمظفر النواب.

البداية كانت عن طريق صحفي عراقي . قدم تقديما عاطفيا، واضح أنه يريد لموقفه سياسي أن يكون له حاضن ما  ومن هنا وجد النص طريقه ليقرأ باسم العراقيين الموجودين في سورية أو المحسوبين على دمشق أو بأضعف الإيمان من يرفضون المبالغات وابتكار التحريض بين السوريين والعراقيين وخاصة إنهم دفعوا على مدى ستة عشر عامة من القطيعة ، ثمن قارس بسبب اختلاف النظاميين.

قدم الصحفي للنص إنها دمشق كما يلي: وهي القراءة  التي تعكس الرغبة بقرائته.

(الذي ما يعرفك ما يثمنك، وقيل ايضا اذا لم تستح فقل وافعل ما شئت، وهكذا فعل صناع حكام المنطقة الخضراء عندما رموا دمشق بقيحهم واسقطوا ما فيهم عليها، معتقدين انها اضعف من ان ترد عليهم، وهم يحتمون بمظلة الغازي وجنوده وكلابه التي تشمشم حتى انوفهم تصغيرا وتنكيرا، نسوا ان دمشق تسكن العراق والعراق يسكنها، فاهل العراق هم الاجدر بالرد !

جاء الرد من ضمير عراقي اصيل، من روح شفافة تحمل طيبة وظل النخيل، من صوت مدوي لا يقبل التدجيل !  مظفر النواب يكتب عن دمشق)

الواضح من السياق الانفعال لتقديم النص إنه رغبة برد سياسي، وشعبي وثقافي، من أطراف عراقية أخرى في خارج العراق. وهنا عاد النص للواجهة وقرأ جماليا باسم مظفر، واتهم باسم مظفر، وتناقلته المواقع العراقية أولا.  كالحوار المتمدن الذي انطلق منه، موقع أوروك الجديد ودنيا  الرأي. مع كل التغيير الذي حصل به.

الصحفي العاطفي المتسرع، عاد وكتب مقالا غريبا بعنوان (غرام الشائعة إنها دمشق أنموذجا) صرح فيها إنه استخدم عمليات نقدية معقدة، تنفي نسبة النص لمظفر وهو يرجح نسبته إلى الكاتب فادي عزام، بلغة لا تمت لا إلى النقد ولا إلى المقارنة، بصلة إنما إلى شعور بالذنب على الأغلب، واعتذر لقراءه في موقع الحوار المتمدن عن نسبة النص لمظفر النواب، وللكاتب الصحفي فادي عزام عن خطئه غير المقصود ولكن  دون جدوى.تناسلت المواقع المتشابهة النص وكل واحد يحرف به على مزاجه، ويحذف به ما لايريد، ويقدمه بطريقته، ويزينه ببعض الصور، وانداح العشق والاعجاب بدمشق والشاعر الكبير مظفر النواب المخلص لها والذي رد الصاع صاعين لحكام بغداد المأجورين.

 

دمشق ومظفر:

هناك علاقة وثيقة بين مظفر النواب ودمشق، فهو القائل فهل بغداد على بردى وعلى دجلة أيضا تقع الشام.

فيها عاش عقودا واعتاد الدمشقيون حضوره الباهر في مقهى الهافانا. ورؤيته يمشي الهوينى في الصالحية وعلى مشارف بردى  النهر الذي غادر المدينة.

يزوره العراقيون في محطتهم الأولى بعد الهروب من العراق إلى منافي الأرض. يمثل لهم شيئا خاصا درعا ضد الفقدان، حنينا مجبولا على الشجن العراقي المعروف.

عن دمشق كتب قصيدة واحدة لا غير كانت لدمشق، وضمنت دمشق في أشعاره لماما، وكانت بعض أماكنها حاضرة كحانة عشق لأوجاع أدم حاتم.

قصيدته الدمشقية الموزونة تقول:

دمشق عدت بلا حزني ولا فرحي

يقودني شبح مضنى إلى شبح

ضيعت منك طريقا كنت أعرفه

سكران مغمضة عيني من الطفح

 

حتى يقول :

دمشق عدت وقلبي كله قرح

وأين كان غريب ذي قرح

هذي الحقيبة عادت وحدها وطني

ورحلة العمر عادت وحدها قدحي

 

وهي قصيدة منظومة على وزن البسيط. والمعروف عن مظفر إخلاصه لشاعرية وروح الشعر العربي الموزون وشعر التفعيلة. وبقي فيهما في كل ما انتج. ولم يجنح قط لكتابة نص نثري. أو ما يسمى بشعر المنثور. او نص الحداثة إلى أخره. حيث لا مجال لدخول في جدل بيزنطي حول ذلك.

العلاقة المكانية لدمشق في شعر مظفر تكاد لا تلاحظ، قياسا لحظور بغداد، والقدس في قصائده، والعلاقة الجغرافية مع دمشق هي علاقة حاضن، منح الشاعر المغضوب عليه، أو هكذا أريد تسويقه دائما، مساحة للحركة وإقامة الحفلات الشعرية في  دمشق لم تتجاوز العشرين على الأرجح طوال فترة إقامته بدمشق على مر السنوات.

 

نسبة نص إنها دمشق يا أولاد .. لماذا مظفر؟

القضية كانت لمر مثلا مثل ما يحدث عادة في الأنترنيت، ولكن في الحقيقة طريقة نسبة النص إلى شاعر كبير، هي قضية معكوسة فغالبا ما يقوم الشباب والمتسلقين، بنسبة نصوص كبار الكتاب إلى أنفسهم ولكن هنا حصل العكس.

نعم النص مغري وثري وجميل، ولكن فعلا السؤال الكبير أبهذه البساطة والسذاجة يتم التعامل مع الأدب والشعر والنصوص، ليس من عامة الناس فقط بل ومن صحفيين ومثقفين كبار.

والتساؤلات التي تطرحها هذه القضية .

 

أولها:  لصق نص ليس من روح مظفر النواب أو قاموسه الشعري، سوى بمفردة واحدة؟

كيف غاب عن كل قرائه الذين يحفظون قصائده عن ظهر قلب هذا الأحساس، كيف لم يلاحظ  القراء المثقفين ممن تسارعوا لتبني والإعجاب وإرسال النص في بينهما ويتهادونه ويتغنون بشاعرية مظفر النواب في نص لا ينتمي من بعيد أو قريب إلى قاموس مظفر سوى بكلمة واحدة نابية.

الثاني: القراءة السياسية للنص وقتل جماليته، وألية قراءته، وتجيره لخدمة مواقف سياسية طارئة، وتقويل شاعر كبير في اخر عمره، ربما ما لا يريد قوله. أليس هذا تزيفا وتحريفا، لإرثه وتاريخه؟ ولا يمكن القبول به أو السكوت عنه. سواء اختلف الناس معه أم لا احبوه أو لا لكن مظفر النواب يبقى علامة فارقة في الشعر العربي عامة والعراقي خاصة.

والثالث : سهولة النحل والنقل والاستنساب على ثقافة الأنترنيت، فلا مرجعية تحاسب، ولا مصدقية يمكن الركون لها وسيول من الكتابات الممجوجة في المواقع العربية التي تناقلت النص، وروجت له، أقل ما  يقال عن معظمها أنها تشبه الحالة الثقافية العربية، دكاكين لتبادل المشاعر المعلبة.. والمفردات الجاهزة، مثل - شكرا لمرورك العاطرعلى متصفحي-  أبهجني حضورك الثري-  تقبل امتناني لمرورك الكريم – تحية لمظفر النواب الذي أنصف دمشق .... وغيرها من العبارات المكتنهة بالرقي السخيف والعواطف الألكترونية القائمة على الاسماء المستعارة، والانفعالات التعسة.

والرابع: كيف  قُرء النص بمجرد أن وضع اسم مظفر النواب عليه وتحول إلى نص من أجمل ما قيل في دمشق، وأروع ما قيل في دمشق، وأبهى .. و وكل صيغة  أفعل. وبينما بقي لسنوات أمام  الجميع،من عام 2005 حتى عام 2009 دون هذا التمجيد والمدح والأفراط به، لسبب أن كاتبه شاب  غير معروف على مستوى واسع.

وبالفعل من يحمي شبابنا المبدعين، وكيف يواجهون واقع ثقافي مزر، يبحثون عن حدود دنيا من الاعتراف، وما النموذج الذي حصل هنا، ربما يكون صاحبه محظوظا، ولكن أيضا يعطي صورة واضحة عن عمق مأسة الجيل الجديد من الشباب، والمحمل بطاقة ولغة وافكار واحاسيس لا تجد مكانا لها وسط أدغال صفحات الجرائد الثقافية العربية، والمتربعين على صدور الثقافة في الجرائد الكبرى، ودور النشر الأقرب إلى دور للخواء وتكريس المكرّس باستثناءات لا تلحظ.

أسئلة كثير تطرحها هذه الحادثة  ولكن لها حسناتها أيضا، فهي تضيف فضيحة أخرى على  مستوى النخبة. وطريقة تعاطيها مع الثقافة والأدب. حيث هناك لا يوجد شيء سوى أكداس ثقافة لا تنتج شيئا.

 

بتول الحصري

botol.alkudare@gmail.com

كاتبة من العراق

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1311 الاثنين 08/02/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1252 المصادف: 2010-02-08 02:27:14