المثقف - قضايا وأراء

المثقف وتحديات السؤال ..

majed_algarbawiaأسس القرآن الكريم منهجا، حالت رمزيته العالية دون ادراك ابعاده، وظل المسلم يعيد قراءة آياته، وهو لا يفقه من معانيه شيئا. فتحدث القرآن عن حوار دار بين ابليس وبين الله تعالى، ليؤكد لنا ثمة اسئلة مشروعة،

من اي جهة صدرت، يجب الاجابة عليها (ولو كان الرب جل وعلى). كما نقل لنا القرآن الكريم حوارا دار بين الخالق وملائكته، وهم كائنات صالحة دأبها الطاعة، لكن هواجس خلق الانسان استبدت بها، فكانت هناك اسئلة طرحها القرآن الكريم ورد عليها. دون اي قمع او اضطهاد او تهديد، كل ما في الامر أجّل الاجابة بالنسبة لسؤال الملائكة، لان طبيعة الجواب تحتاج الى تجربة عملية.

ثم طرح القرآن الكريم أخطر الشبهات، التي تهدد رسالته، وهي التوحيد، دون اي اكتراث، ونقل لنا اسئلة المشككين، والكافرين والملحدين، والناكرين، وناقشها علنا. قال هكذا كانت اشكالاتهم، وهذه اجوبتنا.

هل هناك اخطر من مسألة وجود الله بالنسبة للاديان جميعا؟ وما قيمة ما عداها لو اهتز الايمان بوجود الله او توحيده؟؟ فلماذا لا يستفز الانبياء من اسئلة المنكرين، والجاحدين؟ وكيف وضعهم القرآن وجها لوجه امام تلك التساؤلات؟

 لماذا لم يعترض النبي ويقول له يارب، لقد اخطأت التوقيت، انها ستضعف دعوتي، وانا في بدايتها؟ لماذا تقبلها واعلنها على الملأ بكل ثقة ومسؤولية، ورد عليها، وفند حججها.

اذن المنهج القرآني يقوم على شرعية السؤال، وحق الرد، ومنهجه قائم على طرح الاسئلة بشكل شفاف علني، كي يتحمل المسلم مسؤوليته امام اي عمل يقوم به، ويكون مسؤولا تجاه اي رأي يطرحه، لاستحالة قمع الاسئلة، ولا بد من متنفس تطفو من خلاله بحثا عن اجوبة مقنعة. ولولا السؤال لما تطورت الحضارة.

طرحت المثقف استطلاعا للفيف من المثقفين (وقد اقتنعت بقبول الاسم رغم مخالفته لضوابط النشر)، ملخصه:

(لماذا تنفق كل هذه الاموال على احياء الشعائر بينما مشروع الحسين الحقيقي معطل؟ لماذا لا يصار الى صيغة اخرى لاحياء الشعائر، من أجل استكمال مسيرة الامام وتضحياته؟ لماذا لا ينهض علماء المسلمين بمسؤوليتهم تجاه مشروع الامام الحسين، ويوجهون الناس للانفاق على مشروعه الاصلاحي، كما ينفقون على شعائره؟)

ربما لم يستطع المستطلعون التعبير عن هدفهم من الاستطلاع بهذه الدقة، ولكن هذه هي الحقيقة. اذن كانت تساؤلات مشروعة، تبحث عن اجوبة مقنعة، وكانت فرصة رائعة للتعرف على آراء ووجهات نظر مختلفة. وهذا امر صحيح لا يدعو للارتباك، وانما يدعو للقلق الموقف المتشنج من السؤال وحيرة الجواب، والشتبث بحجج من قبيل مشاعر الناس، وخطأ التوقيت، بينما ظل السؤال يرسم علامات استفهام جديدة مع كل رد من قبل السيدات والسادة.

لا اتحدث عن كثرة  التعليقات المسيئة، رغم نشر بعضها، وكان اخرها من صديق يهدد الصحيفة بمقاضاتها وتعبئة اتباع أهل البيت ضدها!!!، وهو لا يعلم ان نفس تعليقه وتهديده لرئيس التحرير، ادانة قانونية له، سيما وكلانا في استراليا بلد حرية الرأي. ولم تنشر الصحيفة تعليقه، لانه باسم مستعار، واحتراما له، باعتباره شخصا حسب زورا على المثقفين، وما زال له شيء من الاحترام عندنا.

ولا اتحدث عن كثير من التعليقات التي لم تنشر، لانها راحت تتحدث بطيبة عن مكانة الامام الحسين، وتبالغ بوصف منزلته نقلا عن مصادر سنية، لاثبات مكانته، في ظاهرة ملفته، لتدني الوعي، الى درجة لا يفقه القارئ ما هو المقصود من الاستطلاع؟ أو كأننا لا نعرف من هو الحسين، وما هي اهدافه؟

فسّره البعض عداء سافرا لاهل البيت، واخر اعتبره يسير ضمن استراتيجية البعث المقبور، وثالث قال انه امتداد لحملة الخمر والنوادي الليلية، ورابع ربطه واثقا باهداف الشيوعيين. والى غيرها من التهم الواهية، ولم يحسن الظن به الا القلة.

الذي حققته الصحيفة شيء كبير جدا، وثمين للغاية، لا يقدره الا المثقف الواعي. ما توفرنا عليه يستحق دراسات مفصلة عن الموضوع، واحتفظنا من خلال الاستطلاع بارقام هامه. فليس رأي المثقف عبثا، وانما هو رأي مدروس، مهما كانت درجة اختلافنا معه.

كنت اتمنى على بعض الاقلام ان تكون اكثر رحابة في معالجة الموضوع، والكف عن منطق القيمومة على الدين والشعائر. والكل يعلم ان الشعائر ممارسات شعبية، ونفقاتها عامة، لا تختص بأحد، وقد تضخمت كثيرا، وخرجت عن اطارها الديني، بدليل ما صدر مؤخرا من فتاوى لشجب بعض الظواهر مثل شج الرؤوس.

المسألة تحتاج الى دراسات مفصلة، تتناسب مع حجمها ولا يكفي استطلاع واحد لمعالجتها، وسبقت الاستطلاع جهود كبير لمصلحين اسلاميين، مراجع دين، وعلماء، ومثقفين، وكلها جهود خيرة تصب في خدمة الشعائر واصلاحها. فلماذا اصبح حديث الاصلاح نشازا الان، ومسيسا، وخطيرا، ومتهما؟

اعود للمقدمة لاخلص الى نتيجة مهمة، ان من يضيق صدره بالسؤال، عليه اعادة النظر بخارطة مفاهيمه، للتأكد من صحتها، وقدرتها على الصمود، امام الاسئلة والاشكالات التي لا تنضب ابدا، وقد بدأها ابليس مع الباري جل وعلا، واستجاب له، ورد عليه اشكالاته، ومن ثم جادلته الملائكة وهم مخلوقات صالحة، واصغى لهواجسهم، ورد عليهم حجتهم. وناقش المنكرون قضية وجوده ووحدته ولم يكترث، والقى باسئلتهم علينا رغم قلق الانسان وحيرته. وخلد لنا حوارات الانبياء مع قومهم، رغم كل ما فيها.

كل ذلك من أجل ان يؤسس لنا منهجا في التعامل، مع القضايا المطروحة، مهما كانت درجة خطورتها. اما الردود العنيفة، فتفقد مصداقيتها، وتتخبط في الرد على الاسئلة، وتهرب الى قضايا ثانوية، كالتهديد، او زج السائل في زاوية الخيانة، واتهامه بشتى التهم. او تقديم مقارنات هشه بينها وبين ظواهر مشابهة، او ظواهر هي خطأ اساس، فيريد معالجة الخطأ بخطأ مثله وهو لا يعلم.

لكن هل في ذلك اجوبة كافية على السؤال المطروح؟؟؟

 

لاشك ان المثقف تؤسس لمنهج غريب على السياق العام للثقافة السائدة، لكنها واثقة من النتائج. ونأسف اذا تسبب الاستطلاع بازعاج لاي شخص، لاننا لم نقصد ذلك. ونأمل ان ينظر السيدات والسادة الى الابعاد الايجابية فيه، وحجم الفائدة التي توفرنا عليها ضمن مشروعنا الاصلاحي، الذي هو من صميم اهدافنا.

اخير: كم كنت اتمنى ان يتماهى السيدات والسادة مع الاستطلاع من خلال طرح اسئلة اعمق، ستبقى حبيسة حتى حين، من أجل تقديم اجابات شافية، تؤكد دورنا كمثقفين على الساحة الثقافية والفكرية.

لكن نكتفي بهذا القدر، على ان يصار الى استطلاعات وقراءات اخرى بنفس الاتجاه. مع شكري الجزيل لكل من ساهم في اثراء الموضوع.

 15-12-2010

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1562 المصادف: 2010-12-15 04:30:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5736 المصادف: الجمعة 20 - 05 - 2022م