الوحدة الكونية في قصيدة الحب ثورة / قصي الشيخ عسكر

qusay_askarتوطئة: علي مولود الطالبي من شعراء قصيدة النثر المميزين فهو شاعر يعرف كيف ينتقي كلماته وصوره ومن أهم المواضيع التي يطالعنا بها موضوع القضية الكونية بصفة الكون وحدة واحدة من المحال أن تنفصل أو يكمن للشاعر أو الناقد والمنظر أيضا أن يسير بها وفق منطلق احادي الجانب عكس مافعل شعراء القرن العشرين والتاسع عشر ومنظروه ومفكروه.

إن أيا منا لايقدر أن يتخيل شيئا او ينظر إليه بصفته أجزاء أنت حين تقول شجرة لايمكن أن تتصورها مجزأة وحين تنظر إليها تراها بصورة متكاملة  وكذلك قولنا امرأة  وصحراء وبستان  وفيل وغيرها.

بموجب هذا الإطار تسير قصيدة " تزاوج.. الحب ثورة" للشاعر علي مولود الطالبي إذ يبدأ  القصيدة  بالأسطر التالية:

قررنا..

الإعلان

اليوم يكتب في جدار النجوم

سنكون واحدا بلا حد

أو انقسام

 

إن ضمير المتكلم الحاضر يدل على الجمع في الظاهر لكنه  يعنى في الواقع المفرد أي إن الواحد لم يشعر بكينونته واحدا فتقمص الجمع الدال على أسلوب العظمة في لغة الملوك أما في هذا الوضع فيشير إطلاق الجمع على المفرد الى محاولة الاتحاد ثم من الاتحاد يتحقق الاتحاد بالكل. إنه يسعى إلى المطلق وليس سعيه مقرونا بيأس مطبق وفق راي سارتر حيث يرى أن الفرد قذف به إلى الكون وهو يسعى نحو العدم إن صاحب القرار والإعلان انطلق نحو المطلق أو الكل عبر الحب الذي ارتقى عنوانا للقصيدة بوسيلة الثورة  ثم هناك شرطان للاتحاد بالمطلق:

اتحاد من غير حدود فصاحب الإعلان يسعى للتكامل بصورة عمودية " اليوم يكتب في جدار النجوم" وأنا هنا في هذا الموضع أجدها التفاتة ذكية من الشاعر فالنجوم هي أم الكواكب عنها انفصلت  قبل ملايين السنين وعلى أحد الكواكب – الأرض- وجدنا نحن الجنس البشري.

 

المسألة الثانية هي أنه  اتحاد من غير انقسام. رجوع للمطلق الذي أشار إليه المتصوفة والروحانيون وبعض الفلاسفة بكونه يفيض، عملية الفيض قد توحي لمن لايجيد معاني العربية  أن يساوي بين الفيض والانقسام لكنها ليست هي فمن الناحية اللغوية يدل الفعل قسم وكلمة قسمة على جزئين متساويين عدد يقبل القسمة على اثنين أو نقسم الشيء إلى ثلاثة اقسام أي ثلاثة أجزاء متساوية من هذا الفرق تأتي عملية الفيض التي عبرها تم الخلق. إننا جئنا منفصلين عبر الفيض  والفيض يتحقق في السوائل الماء الذي سيذكره الشاعر فيما بعد متعلقا بالقلب بالفيض الذي انطلقنا منه سوف نعود به أخيرا كلا واحدا لاننفصل بعدئذ عنه.

والمتتبع لمرحلة الاتحاد يجد أن الشاعر استطاع عبر التحكم بأدواته اللغوية ليوصل المعنى إلينا بشكل شفاف وصورة جميلة:

كلانا جائع

لم نقترن في أي شبه

 

أعلاه التفاتة لغوية ذكية وتحوير التحوير كما يخيل إلي وقع في كلمة نقترن وكلمة شبهة . نقترن تعادل حسب تخميني نقترف وشبهة تعني خطيئة.الالتفاتة الثانية حدثت في كلمتي "كلا وكلتا" كلا وكلتا في اللغة العربية لهما شرط مهم هو أن الخبر بعد " كلا" و " كلتا" يكون مفردا دائما وإن دلت كلمة  كلا على الإثنين، ففي الانتقاء اللغوي للمفردة ارتقاء تدرجي لها بالجمع وللجزء بكل انفصل عنه حين يكون التحرك من الجزء إلى الكل يتحقق التوازن وتكتمل الصورة لأن العكس يدل على خلل ولنا مثال بقول نيتشة  الذي انطلق من حركة معاكسة. إنه استدعى الله ولم يرتق هو إليه:

لا عد أدراجك

بكل عذاباتك

آه عد أدراجك غلى نهاية وحدتنا ووحشتنا

كل سيول دموعي

تجري من أجلك

واللهب الأخير في قلبي

يتحرق إليك

آه تعال

يإلهي المجهول... يا ألمي ياسعادتي الأخيرة

 

في النهاية فقد نيتشة عقلة، فهذا التحقق تم عبر استدعاء الكل نحو الجزء بالتالي اتخذت الأجيال اللاحقة في ألمانيا وبعض البلدان الأوروبية من شعر نيتشة وفلسفة هيغل منطلقا للعدوان والعنصرية والشوفينية. إن جعل المطلق جزءا تفخيم للأنا سواء اكان الأنا شخصا أم جنسا ما لكن الأنا لايصل إلى الكل إلا عبر طريقين ساميين ذكرهما الشاعر الطالبي في قصيدته التي نحن بصدد الوقوف عندها وتامل معانيها:

الأول هو اللامحسوس الذي يجسده فن العبادة:

لم نقترن في أي شبه

"أي وأية" كلاهما صحيح لأن شبهة مؤنث معنوي وأنا أفضل أي لتحقق المذكر مقابل المؤنث "

إلا

وحدة صلواتنا العشيقة

فمابين المحسوسين المفرد المتفاعل بأصله والنجوم الأصل يحتل المعنوي حلقة الوصل في الصلاة يرفع الستار بين الله والإنسان والكل والواحد من غير أن نستدعي الله من عليائه.

 

الثاني هو طريق الحب

إن مشكلة مفكري القرن التاسع عشر والعشرين ولا أستثني نقاد الأدب أيضا هي أنهم انطلقوا من تحليلهم الجزئي كما قلت حيث تبنوا الشمولية ضمن إطار الجزء فأوجدوا السببية الواحدة أو العلة الواحدة. فرويد ذهب إلى معالجة الخلل وفق نظرية الجنس وكارل ماركس وجد العلة في الاقتصاد وجاء دارون ليعلن عن نظرية النشوء واصل الإنسان التي أبطلت جامعات العالم العمل بهاومنها جامعات بريطانيا وأنا شخصيا تابعت ذلك الكشف العلمي ذات يوم حين كنت أراقب محطة البي بي سي الإنكليزية التي كانت أولى المحطات التي أذاعت خبر الإبطال.أما في الادب فقد كان المذهب الواقعي هو الأصل عند منظريه حتى جاء جورج لوكاش المجري الذي أعلن عن واقعية بلا ضفاف.

 

لقد جر مفهوم الإحادية العالم إلى إلحاد مطبق ويأس وجنون لم ينج منه نيتشة نفسه، والحق إن القرن الحادي والعشرين كشف عن رؤية جديدة وفلسفة أكثر حيوية وتقارب كبير سببه التكنولوجيا الحديثة حيث أصبح العالم كله قرية صغيرة ومن الممكن أن يصبح الكون مدينة رائعة الألوان يكون محورها الحب:

أتقبلينني

نحتاج ثورة

اكون حبيبك

بعد القيامة

قرارنا إذن

نحرق أجسادنا

نذيب أرواحنا في بعضها

نغزل قلوبنا في شبك الماء

وليعلم الكون

أن الحب أقوى

 

في المقطع السابق تسام عن شهوة الجسد إلى شهوة الوجود. الذات الإلهية مؤنث والله تعالى مذكر فلا مجال لرائحة الجسد أمام لهيب النار الجنس نفسه يتحول إلى اندماج لا إلى شهوة عابرة ماذا يقول فرويد عن طفل في الرابعة من عمره لم يبلغ بعد يحدث انتصاب لعضوه التناسلي. ليست هي شهوة الجسد إذن:

وليعلم الكون

ان الحب اقوى

وأن العشاق يموتون ويبصمون الأرض بدمهم

وليكن الماء أحمر

 

لم يخاطب الشاعر الكون بكلمة تعال مثلما فعل نيتشة بل خاطبه بالعلم ثم استعاض عن العلم بكلمة الدم. إنه ليس عنفا لأن الدم نفسه اصبح ماء احمر.في الفلسفة العربية إن ساعي البريد كان في العصر الجاهلي يلبس لباسا أحمر اللون لكي يعرف الناس أو يعلمون أنه جاء بالاخبار . عمله إعلاني دل عليه لونه. البغايا في مكة جنب الكعبة المقدسة كن يرفعن على بيوتهن الرايات الحمراء ليعرف الناس أن هذه البيوت بيوت دعارة" جنس مقدس" هذا في جانبه السلبي أما جد نبينا محمد " ص" فكان مضر الذي يسميه الناس مضر الحمراء لكون قبته حمراء، وفي فلسفتنا الصوفية الإسلامية أن موسى عليه السلام كان يركب على جمل أحمر وقس الإيادي  يعظ الناس على جمل أحمر .إن مساحة قصيدة الطالبي اتسعت إلى مدى بعيد من الإشراق:

لون حبنا

طعم غرامنا اللازوردي فالسماء كفيلة

بدفننا والثرى حضن امين

كل ذلك يحققه المشهد المتجانس التالي:

العاشقون سيصرخون

العاشقات ينتفضن

واللقاء قريب

 

إن كلمات الأشراق احتشدت في نهاية القصيدة لتدل على الأمل في تحول العالم إلى قرية صغيرة عبر اندماج المفرد بالكلي المطلق وليس العكس هذه الكلمات هي: العشاق، الماء، الكواكب، اللازورد، السماء، حضنن أمين، تنير، فوانيس، شموع،طيور، أعلام، تخضر، بهجة، أما الكلمات التي تدل على العنف والجدب والسلب فقد انضوت في سياق الكلمات الاولى فاستحثت بمعاني الأمل فيها مثل الصحراء والدم فأخذت معاني الإيجاب ولا حاجة لأن أذكر بإشارة خفية تمثل تراثنا المزدهر ألا وهي عبارة " حضن أمين" الدالة على الطمأنينة فكلمة أمين عرفت بكونها من صفات نبي السلام والرحمة الصادق الأمين المصطفى " ص".

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1755 الخميس 12/05 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1710 المصادف: 2011-05-12 18:34:41


Share on Myspace