الرئيسية

السنين ان حكت: عبد الله البردوني .. حوار من الذاكرةعلى ورق عتيق / زيد الحلي

zayd_alheliلا ضير من ألاعتراف بأنني توجهت الى لقاء الشاعراليماني عبد الله البردوني دون إيمان مني بمكانتة بل أستجابة لرجاء من مشرف الصفحة الثقافية لصحيفة

"الثورة" السيد عبد الامير معلة حيث حملني أمانة اللقاء به وأجراء حوار معه على هامش زيارتي الصحفية الى جمهورية اليمن منتصف سبعينيات القرن المنصرم ..

لم أكن يومها أطلعت على منجزه الشعري مثلما لم أكن أعرف شيئاً عنه إلاّ من خلال ما تنشره هذه الصحيفة او تلك من أخبار بسيطة عنه وعن مشاركته في مهرجان المربد .. والرجل عند ذاك لم يصدر له سوى ثلاثة دواوين لم تحظى بتغطية مناسبة هي (ارض بلقيس) الصادرفي القاهرة عام 1961 و(في طريق الفجر)  و(لعيني ام بلقيس)..

وبينما انا جالس في صالون فندق (المخا) وكان في وقتها (أفخم) فنادق صنعاء، وهو في الواقع من فنادق الدرجة الرابعة او دونها في أعراف التقييمات الفندقية، زارني الصديق الصحفي " عبد الرزاق فرفور" رئيس تحرير مجلة (أضواء اليمن) فعرضتُ عليه رغبة صحيفتي باجراء حوار مع البردوني .. ولم يخف صديقي تأييده للفكرة مؤكدا ان زيارة البردوني مهمة جداً .. وسارع الى جهاز الهاتف في الفندق ليتصل بالشاعر، ليعود قائلاً ان موعد اللقاء سيكون غداً مساء في بيت الشاعر .. وقبل الموعد المحدد كنت مع زميلي المصور فريد شمعون في منطقة سوق (الملح) أشهرأسواق وأحياء صنعاء  ندلف هذا الرواق الضيق سائلين عن بيت الشاعر الكبير، وذاك الأضيق في جولة لولبية وسط عمارة يمانية تفوح منها رائحة التاريخ وتساؤلات ظلت بلا جواب عن كيفية أدخال أثاث البيوت الى السكان من خلال هذه الازقة الضيقة للحد الذي لايمكن لدراجة هوائية ان تمرق فيها ..

وصلنا بيت البردوني ... كان في أستقبالنا شاب يماني بلباسه التقليدي، ومن بعيد سمعتُ صوت البردوني وهو يردد قبل ان نصل الى حيث يجلس: أهلاً بأبن العراق، قامة الشعر والشعراء .. وفي ضوء هذا الاستقبال الجميل، الصادق، شعرتُ كما انا على خطأ في عدم وضع زيارة البردوني في منهاج مهمتي الصحفية , وشكرتُ في سري من ألحّ عليّ للقاء هذا الرجل ضرير العين وبصيرالآفق، الذي يحفل تاريخه الشعري بكل ماهو عميق وبالسواد الظاهري والضوء الداخلي والدهشة في مكامن الرؤى وخلجاتها داخل ظلام العين وأشراقة النفس .

مكتبة البردوني، هي محل نومه ومحل أستقبال زواره ومريدي ومحبي شعره وفيها استقبلنا .. وجدته رجلاً متصوفاً في محراب الكلمة، مقرمش الوجه بسبب الجدري،  .. وأتصوره عندما يَقدم على كتابة الشعر يقف كما قال (بابلو نيرودا) كالصياد الصابرعلى شاطيء البحر، باحثاُ عن الكلمة المناسبة، يستدرجها  ويحاورها ويتذوقها ويصهرها بحرارة فؤاده ليقدمها للناس ملآى بالحياة ..

لقاء يتيم ..!

هذا اللقاء، لم يُكتب له النشر، فظل حبيس أوراقي .. ولذلك حكاية .. ماهي ؟

بعد عودتي من مهمتي الصحفية التي أستغرقت شهراً ونيف وشملت اليمن ومصر ولبنان، وجدتُ ان الاديب عبد الامير معلة رئيس القسم الثقافي في الصحيفة، نُقل الى موقع آخر، فأصبح مديراً عاماً لدائرة السينما والمسرح، وحل بدله الزميل عالدل عبد الجبار، الذي يبدو إنه لم يكن على علم بما كلفني به معلة، مما جعلني في حل من التزامي تجاه موضوع الشاعر البردوني، فاعطيت لنفسي فرصة في التريث في الكتابة وهذا التريث تحول الى خدر، أمتد لشهر ثم سنة وعقد فعقود من السنين، حتى أصبح سجين أوراق، تقصفت جوانبها ومالت للأصفرار بفعل الزمن ..      

والان بعد قرابة الاربعة عقود وبعد ان رحل البردوني الى دنيا الخلود، زارني خاطره فعزمت على قراءة ما حوته أوراقي وما عليها من خربشات وملاحظات عن البردوني الشاعر والانسان، وزامنتُ تلك القراءة بأطلاع على أهداءات الشاعر ليّ من دواوينه فأشركتها مع تلك الأوراق في قراءة متأنية، فخلصت الى قناعة، شبيهة باليقين، انني امام شاعر لم يأخذ مساحته في أفق الشعر العربي، لكني أشير الى جزئية جديرة بالتنويه قبل دخولي الى مملكة البردوني، وهي ان الرجل يمثل  ظاهرة عجيبة في حاسة السمع والتشخيص وقدرة أعجب على حفظ ما مرت عليه من أحداث وشخصيات، و شهدتُ  تلك القدرة شخصياُ، إذ تصادف ان كنت في صالة مطار تونس الدولي وسط تسعينيات القرن المنصرم، حين كان البردوني في الصالة ذاتها كمسافر ترانزيت، منتظراً اقلاع الطائرة التي تقله للجهة التي يروم الوصول اليها، فتقدمتُ منه ومددتُ يدي لمصافحته مرددا: كيف حال شاعرنا حبيب بلقيس ؟ فأسمعني أسمي في الحال وسط عجبي وذهولي، شاكراً قدومي للسلام عليه، وتجاذبنا اطراف الحديث وسألني بلهفة محب عن بغداد والعراق وأخبار الحصار وعن اصدقائه الشعراء وانداحت ذاكرته بالاسترسال الى ايام مهرجانات المربد، وشاعرنا لم يكن من مدعوي المهرجان قي بداياته وتحدث يكثير من الزهو عن مهرجان ابي تمام الذي شهدته الموصل في بداية سبعينيات القرن المنصرم لمناسبة ازاحة الستارة عن تمثال للشاعر الخالد المتنبي  يليق به في مدينة الربيعين (هل لا زال التمثال قائماً، ام ازيل كما ازيل تمثال مؤسس بغداد ابي جعفر المنصور ؟)   وكان احد المشاركين فيه، وفاض في الحديث عن قصيدته (ابو تمام وعروبة اليوم) التي ألقاها في المهرجان المذكور، وكانت من أنجح قصائد المهرجان وهي التي أطلقت اسمه عربيا كما أكد لي لاحقاً الشاعر الكبيرحميد سعيد .

 لقد هالني سماع اسمي من اليردوني، وانا البعيد عن زمن اول وأخر لقاء معه بعشرين عاماً او أكثر .. ذاكرة تفوق المخيّلة !

عدتُ الى أسئلتي التي حاورت فيها البردوني  وحاكمتها بعقلية اليوم، فوجدتُ انها تضطرب بين الشدة والهدوء وبين التكلف والجد، وكان ينبغي ان تكون أعمق وأشمل لكني في تلك السنين كنت مزهوا بأعتداد الشباب وغروره، وأنفي شامخ ومستعل بأمري، ولم أدرك ان الشباب دين تسدّده الشيخوخة مع الربا، إلا بعد فوات الآوان ..  والآن وبعد ان نفض الشيب عليّ غباره وألبسني شعاره، أحس بأن الواجب كان يحتم قبل ان التقي جبلاً مثل البردوني ان أتزود بأسئلة أكثرعمقاً وأكثر موضوعية، لأخرج بما وراء ذات هذا الشاعربعيداً في عمق الحياة التي حرمته نورها ووهبته أسرار!!

وفي ما بين سطور ما اطلعت عليه من افكار البردوني أثناء اللقاء، وجدتُ انه يرى ان الاصالة ليست في الارتباط بالماضي .. انما هي وعي بالواقع واتحاد به والاصالة عنده رؤية صائبة للواقع بأعتباره من مراحل التاريخ .

والاشعار التي أنشدها اماني، لاسيما الغزلية وجدتها تطير كما تطير العصافير فوق اشجار حديقة كبيرة، فتنتقل من غصن الى اخر، دون ان يقيد أجنحتها قيد او يعوق حركتها عائق ...  أنه يحسن رسم الصور وابتكارها وهو مولع كثيراً بالإيحاء والرمزية وتشخيص التجريدات فللفجر شفاه وللمروج صدور وللربى أجفان وللربيع قلب ..الخ

عن قراءاته، قال في لقاء صحفي: انه كان يقرأ (يستمع)  في الخمسينيات ثماني ساعات من التاسعة إلى الواحدة ظهراً وبعدها من الخامسة إلى الثامنة أو التاسعة.

وفي أوقات أقرأ أقلّ، أما أكثر فلا، وفي أوقات لا أقرأ أي شيء، أستمع إلى الراديو أو استرجع ما قرأت وأرتّب ذهني على اشياء أنوي أنجازها .. والقراءة عنده هي الثقافة بمعناها العام وهي حصيلة جهاد الانسان في حياة مترجمة الى افكار وأفعال وآثار، ولها عنده معنى خاصاً في البناء الروحي للأنسان  وفي اجابته آنفة الذكر، نعرف امتلاك الشاعرللتفكير العلمي العميق والواقعي، ما يجعل من قصيدته مقدمة تعقبها نتيجة وبشعره تمتزج الحقيقة بالخيال اي بالعقل والعاطفة ..

 

العمى مفاتح البصيرة !

 أصاب البردوني العمى وهو صغير وهو يقول عن ذلك (في السنة الخامسة أو السادسة من عمري أصابني العمى، وكانت بدايته أن عميت عينٌ نهائياً، وعينٌ بقي فيها شيء يعرف البصيص، فمثلاً إذا صحوت من النوم ورأيت دخول الضوء أعرف أن الصبح قد أطلّ، وأرى إذا وجد في المكان سراج، وبعد فترة أصابتني ضربة شمس وصداع فانطفأ ذلك البصيص)

غير انني وجتُ البردوني وهو في عتمة فقدان البصر، شغل نفسه من خلال ذلك السراج البسيط، بالشمس والقمر والنجوم السابحة في ألوان يتخيلها وقاده ذلك الانشغال الى رحلة ابداعية، عقلية، في التعرض لقضايا أستأثرت بتفكير الانسان .. رحلة هي بمثابة تأملات صوفية شديدة المعاني .. انه يحاول تغيير وعيه الذاتي الى تعبير موضوعي من خلال أبنية نفسية وعقلية لمتخيل مبنٍ على رؤية بصرية علقت به منذ الطفولة .. وبذلك التخيل يخلق معنى لحياة أخرى يجسد فيها معنى الحياة الواقعية . 

وانني اتساءل: كم من الشعرا والادباء قرأوا، أوسع مما قرأ البردوني، لكن لم يكن لمعظمهم شخصية مؤثرة مثله، تتوفر على ذكاء متوقد وبصيرة نافذة وتوليد للأفكار والمعاني . ان إجادة البردوني للغة العربية جعلته يعمق لروح الألفاظ والعبارات وما تشير اليه من ايحاءات وظلال وصور، فجعلت أشعاره نموذجاً للابداع الشعري .. ففيها نرى جزالة اللفظ ومتانة العبارة والمعاني ما ينم عن بئر شعرية لا تجف ..

لقد رأيت في البردوني، الوداعة مثل الحمل والتواضع مثل بنفسجة .. انه طاهر الضميرويمقت الابهة ويعشق البساطة في جميع مظاهرها .. وامتاز شعره بالروح العالية والخيال المصقول  لكن الذاتية تبدو قوية في شعره وليس في ذلك  برأيي مثلبة .

 وعندما أعود بمخيلتي الى أجواء ذلك اللقاء المفعم بأجواء شبيهة بما كنت قرأته عن شعراء السلف من العرب الأقدمين، أشعر انني عشتُ تاريخاً يعود الى عصر المتنبي، فأنا امام شاعر ضرير، غير أنه  يرى أكثر مما يرى المبصرون،  يجلس مثلما كان الأقدمون يجلسون على أرض تفترشها أغطية بسيطة ووسائد أبسط، لم يميز البردوني عن الشعراء العرب القدامى في معيشته، إلا وجود جهاز هاتف تعود صناعته الى بداية القرن العشرين ... شاعر ثوري عنيف في ثورته، جريء في مواجهته .. كانت تجربته الإبداعية كبيرة ومثيرة .. شخصية تلتقي عندها عبقرية الماضي وملامح الحاضر وأحلام المستقبل، وهو خير من مثل خصائص شعر اليمن الموغل في عمق الاصالة، ولن انس جملة  قالها لي وهو يحدثني عن الرعاية المُبالغ فيها للشعراء عن طريق الأغداق عليهم بالمال والجاه من قبل بعض الحكام بهدف المديح  (ان كثرة الرعاية وكثرة المال والهبات تقتل الثقافة والشعر) وهي جملة أستغربت مضمونها، بل أستهجنته في وقتها، ويبدو انه عرف بأحساسه العجيب ما أعتمل بيّ من أستغراب لسماعي تلك الجملة فأردف بالقول موضحاً (ألا ترى ان كثرة الماء للزهور، تخنق وتميت) وصدق البردوني في قوله، فكم من أديب وشاعر أعرف،  كان مشروعاً للإبداع عمته كثرة الهبات، فبات متسولا بدل ان يكون مبدعاً، وغرق في الخنوع، فأصبح من فصيلة الاشباه التي تتوالد .. والغريب ان هذه الاشباه لا تموت وهي ما زالت طافية على سطح الحياة حتى اليوم .. مع الاسف !

وللبردوني، حديث بهذا الاتجاه قال فيه انه (معادى من أكثر من رئيس حكومة لأنني لم أمدح، وقد دعوني المرة الأولى فسافرت، ودعوني المرة الثانية فسافرت، فقالوا: لتقابل الرئيس (فلان) والشيخ (فلان) فقلت: والله أنا مواطن.. أصغر مواطن من اليمن، ومن مدينة أفلاطون فمالي صفة تتيح لي المقابلة، فهي لا تدلّ إلاّ على الاستجداء, وأنا ما جئت مستجدياً بل ملبياً دعوة) فأين من ينتظر دعوة الاستجداء من هذه الدولة او تلك تحت مسميات فضفاضة من قول البردوني ؟ وبهذه الجزئية، ينبغي عليّ التذكير ان البردوني نشر في ديوانه المطبوع في القاهرة 1961 (ارض بلقيس) عدة قصائد مدح فيها عهد الأمامة با سيما (الامام يحيى) اخر أئمة اليمن، لكن ذلك لايمنع من القول انه من الشعراء الذين لهم مواقف مشهودة في سفرهم الشعري والوطني .

كتب شاعر اليمن أكثر من خمسين مقالة تتحدث عن سيرته، لكنه يعترف ان العرب ليس لهم تجربة في كتابة السيرة كما لهم تجربة في كتابة الرسالة وتأليف التاريخ وكتابة المقامة، وقد ابتدع العرب فنّ المقامة، أما السيَر فاقتصرت على الأبطال في الماضي: سيرة سيف بن ذي يزن، سيرة عنترة، سيرة الأميرة ذات الهمّة، وهذه السير في الحقيقة لها أشكال شتى جميلة من الرواية، ولكن ليس لها كل شروط الرواية المعاصرة.  فمثلاً محمد شكري كتب روايتين رائعتين: (الخبز الحافي) و (الصعاليك) الأولى من أجود الروايات عن حياة البيوت الفقيرة، والثانية أرّخ فيها للشعب النائم في الأرصفة..

وفي الحقيقة هناك أشياء في السيرة الذاتية لا حاجة إليها مثل اعترافات روسو وروايات فرنسوا ساغان، وأنا أظن بأنني كتبت سيرتي على طريقة طه حسين في (الأيام) ..

ان البردوني في ضوء ما أختزنته ذاكرتي: عقل يحمل كل الذكاء وقلب كبير لا يكره وأعصاب هادئة، جابه بها أضخم الرزايا، ولم تفارق البسمة شفاهه التي أكلها مرض الجدري، وربما واجه الموت يوم  30 اغسطس 1999 مبتسماً ..

 رحم الله البردوني  وشكراً للصدفة التي أدت بيّ الى تصفح دفتر مذكرات تلك الزيارة الذي نام عندي سنين ... طوال !

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد:1816 الاربعاء: 13 / 07 /2011)

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1772 المصادف: 2011-07-13 20:27:06


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م