 ترجمات أدبية

عدنان الصائغ في كارديف عاصمة ويلز/ عامر هشام الصفّار

adnan_alsayghاحتضنت الجمعية العربية للثقافة في كارديف في أمسية شعرية متميزة، الشاعر العراقي المعروف عدنان الصائغ الذي زار مدينة كارديف عاصمة ويلز لأول مرة.

وقد أستهل الدكتور عامر هشام الصفار رئيس الجمعية العربية للثقافة في كارديف الأمسية الشعرية بتقديم موجز عن الشاعر عدنان الصائغ ذاكراً أهم أعماله ودواوينه الشعرية.. وأشار الدكتور الصفار إلى أن الشاعر من مواليد مدينة الكوفة في العراق في العام 1955 حيث نشأ وترعرع في تلك المدينة العراقية التي تعبق شوارعها وأزقتها بالشعر والفكر والثقافة..ثم أنه تواصل في المسيرة الصعبة، مسيرة الأدب والشعر فكان العضو النشط في اتحادات ومنظمات أدبية وثقافية محلية وعالمية..ثمَّ أشار إلى دواوين الشعر التي أصدرها الصائغ.. حيث ضمت قاعة الأمسية الشعرية في المركز الفني العالمي في كارديف معرضاً لهذه الدواوين التي كان قد نشرها في فترات سابقة، وآخرها ديوان شعره الجديد الصادر حديثاً والمعنون بـ"واو".

وقدم الناقد المعروف الأستاذ الدكتورعبد الرضا عليّ شهادة التواصل والمعرفة بالشاعر عدنان الصائغ وسمها بـ "بعضُ شهادةٍ... في الذي خرجَ من الحربِ سهواً" كانت في أربعة محاور موجزة هذا نصّها:

بعضُ شهادة... في الذي خرج من الحربِ سهواً

 701-kard2

(1)

قرأتُ أوّلَ نصٍّ له قبلَ أكثرَ من سبعةٍ وعشرينَ عاماً، وكان منشوراً في جريدةِ الجمهوريّة في يومِ الأحّد المؤرّخ في التاسعَ عشرَ من شهرِ شباطٍ سنة 1984م، بعنوان " في المقهى" فأدركت ُ أنَّ هذا الشاعرَ الشابَ عدنانَ الصائغ سيكونُ له شأنٌ مهمٌ في عالمِ الإبداع ِ إن هوَ واظبَ على ذلكِ الأداءِ الدراميّ في التقنية ِالفنيّة، لاسيّما في "المونولوج الدرامي"، لأنَّ نصَّهُ قدّمَ بطلاً يتصارعُ في داخلهِ أمران ِ هما: الموهبة، والخجل.

وبعد أيّامٍ قلائلَ، وتحديداً في يوم السبت الثالثِ من شهر آذار من العام نفسه(1984م) نشرت ُ في جريدةِ الجمهوريّةِ مقالتي الموسومة بـ" القصيدة ُالشابّة ُ بين التعتيم ِ الضبابي والملمح ِ الإشاريّ" تصدّيتُ فيها نقديّاً لصرعتين ِ مفتعلتينِ هما: صرعة ُالغُموضِ ِ المستغلق ِ المبهم، وصرعة ُالمفردةِ الشعريّة ِالنافرة ِفي نسيج ِ النًصِّ الشعريّ، وخَلصتُ فيها إلى أنَّ تينِك َ الصرعتين ِ (وإن كانتا ملفتتين ِ للنظر) تزريان ِبالنصّ، وتبعدانِه عن دائرة ِالإبداع ِالجميل ِ المأمول، مع أنَّ القصيدة َالشابّة َ(آنذاك) كانت قادرةً على تجاوزِ الافتعال ِ بحكمِ إيمانِها المطلقِ بالتطوّرِ والتحديث ِسواء أكان ذلكَ في ما تقدّمُه من مستوى إشاريٍّ فاعل ٍ، أم في جدّتِها وتكثيفِها للصور، أم في تقديمِها للسرد ِ الشعريّ ذي الصور ِالغريبة ِ المبتدعة ِ من المخيّلة ِ حين يخترعُها الشاعرُ المتمكّنُ، وهو ما يقودُ المتلقّي نفسيّاً إلى سديم ٍمن مشاعرَ وجدانيّة ٍ تحقّقُ غنىً وتنوّعاً في مشروع ِالشاعرِ الفرديّ، ورؤية ًمشخّصة ًللحياة ِالتي يريدُ أن تتحقّقَّ في الفنِّ في أقلّ تقدير ٍ، وختمتُها بالتنويه ِ بقصيدة ِ عدنان الصائغ " في المقهى" بوصفِها مثالاً للشعرِ الذي نطمحُ إلى قراءته (ولم أكن أعرفُهُ).

 

(2)

وحينَ أقامتْ وزارة ُ الثقافة ِ والإعلام " ملتقى تموز الشعري" في بغداد من 14 إلى 17 تمّوز سنة 1987م، وبعدَ أن استمعتُ إلى العشرات ِ من الشعراء الشباب ِ في الجلستين ِ الصباحيّة ِ والمسائيّة ِ، وأخضعتُ ما أنشدوه إلى ذائقتي النقديّة ِ، ومعاييرِها الأكاديميّة ِ قلتُ في الجلسة النقديّة التي أقيمت في صباح ِاليوم التالي ( وشاركني فيها النقّادُ: فاضل ثامر، وياسين النصيّر، ود. عبد الإله الصائغ، ود. صبري مسلم ) : كلاماً سبّب َ إزعاجاً للكثيرينَ من الشعراء ِ والقائمينَ على الملتقى، وأحدثَ ما أحدثَ في القاعة ِ من ضجيج ٍ وتبرّمٍ وغضب ٍ(تطوّر أمرُهُ بعد ذلك إلى خارج ِ القاعة ِ، وإلى فندق ِ شيراتون الذي عُقدتْ فيه جلسة الملتقى التقويميّة ) فقد رميتُ بجُلِّ تلكَ النصوصِ في سلّةِ المهملات ِ، باستثناء ِ ثلاثةٍ منها تميّزت بالإثارة ِ والإدهاش ِ ومخالفة ِالسائد ِ، وكان واحداً من تلك الثلاثة ِ لعدنان الصائغ لم أعدْ أذكرُ عنوانَهُ، لكنّني أتذكّرُ جيّداً قولتي فيه حين احتدمَ النقاش، فقد أشرتُ إليه بكلمة ٍ موجزة ٍ قلتُ في ختامِها: إنّ عدنانَ الصائغَ شاعرٌ خطير، وانا أعني ما أقول ُ جيّداً.

 

(3)

خرج َعدنان الصائغ "من الحرب ِسهواً "?¹? وما لبِثَ أنْ عاشَ الخوفَ باستمرار ٍ، فلم يجدْ خلاصاً منه إلّا بالرحيل ِ عن جمهوريّتِهِ، فكانت عَمّان/الأردنّ محطّتَهُ الأولى في العام 1993م، فتنفّسَ الصعداءَ ردحاً من الزمنِ، لكنّ واشياً من زوّارِ عَمّانَ ممّن أخلصوا للمنظّمة ِالسريّة ِالإعلاميّة ِ في النظام ِالسابقِ نبّه َ أزلام َ السفارة ِالعراقيّةِ عمّا تحدّثتْ عنه قصيدةُ الصائغ ِالموسومة ُ بـ " ما حدث للحكيم" التي كانت ضمن َ مجموعته ِ" تحتَ سماء ٍغريبة" الصادرة آنذاك هناك، من أنّها تتحدّثُ عن أمر ِتصفية ِ الحكيم راجي التكريتي جسديّاً، فلاحقتْهُ السفارةُ، وضيّقت الخناقَ عليه، كما لاحقته سفارتا النظام في كلٍّ من صنعاءَ والخرطوم ِ حين دُعي إليهما شاعراً زائراً، فلم يجد بُدّاً هذه المرّة من البحثِ عن منفىً آمن يتنفّسُ فيه هواء َالحريّة ِ تخلّصاً من الملاحقة ِ ومن " تلكَ السنواتِ المرّة "?²?، فتنادى بعضُ أصدقائهِ الخيّرينَ من أجل ِ إخراجه ِمن الأردنِّ، فأثمرت جهودُهم في إيصالهِ إلى بيروت، ومن ثمّ إلى مالمو في السويد حيثُ كانت الإقامة ُ في مرحلتِها الأولى، قبل انتقالِه ِ إلى لندن في مرحلتِها الثانية.

 

(4)

حين وصلتُ إلى كاردِف لاجئاً سنه 2002م، دعاني الأستاذ قاسم غالي نائب رئيس تحرير جريدة "العراق الحرّ" التي كان يصدرُها شيخُ المعارضين َ الوطنيين َالعراقيين الأستاذ سعد صالح جبر إلى المشاركة ِ في الكشف ِعمّا جرى لبعضِ المبدعين ممّن كنتُ شاهداً على ما أصابَهم من ضيرِ الدكتاتوريّة وعنتِها، فنشرتُ عدداً من المقالات في تلك الجريدة، خَصَّصتُ الثالثة َ منها تحديداً لما تعرّض َ له الصائغُ من معاناة ٍ قبل َ وصولهِ إلى مالمو، وكانت بعنوان "ما حصل للشاعر"، وقد تمّ نشرُها في نيسان من العام 2002م على ما أذكرُ، ولعلّي سأجمع تلك المقلاتِ، وأضيفُ إليها ما نشرتُه ُفي جريد البيان إن بقي في العمر متّسعٌ لترى النورَ في كتاب ٍ يحملُ عنواناً محبّباً إلى نفسي هو: "صورٌ من ذاكرة الخوف."

وهذه بعضُ شهادتي في عدنان الصائغ ( الذي خرجَ من الحربِ سهواً.)

 

........................

(1) العنوان مقتبس من مختارات عدنان الصائغ " خرجتُ من الحرب سهواً" الصادرة في القاهرة سنة 1994م.

(2) اقتباس من شهادتيه ِ في الشعر والحرب "تلك السنوات المرّة، والمنفى الآخر" عن مجلّة "تموز"- السويد 2006م...

 

الإنشاد

وبعد التقديم والشهادة أرتفع صوت الشاعر الصائغ مغرداً في جمعه المستمع بأهتمام يُغبط عليه، مبتدئاً القراءة بقصيدة غربة التي جاء فيها:

موجة ً

أو كتابْ

قلّبتني الحياة ُ،

وقلبّتها

غصصاً...

ورغابْ

أخذتتني المدينة ُ،  لندن...

ما لي أمرُّ على جسرها

فأرى نهرَ دجلة،

مختضباً

والنخيلاتِ، مثقلة ً بالغيابْ

ولا قمرٌ..

- من ثنايا البيوتِ-

يردّ ُ لأبن زريق

بريدَ العتابْ

ما لي أسائلُ حاناتها:

-هل لنا جرعة ٌ

عند بغداد

قبلَ

احتضانِ

الترابْ...

 701-kard1

وكان من الوفاء أن يتقدم عضو الجمعية العربية للثقافة في كارديف أحمد لطيف فيحيي الشاعر الصائغ بقصيدة جميلة لم يبخل فيها على الحضور فأفاض قائلا:

الشعرُ فنٌّ واسعُ الأفكارِ

الشعرُ غصنٌ يانعُ الأثمارِ

والشعرُ يطربُ في خيالِ سمائهِ

نفساً تعيشُ مرارةَ الأكدارِ

فأليكَ يا ضيفَ الحروفِ تحية ً

محمولة ً في باقةِ الأزهارِ

أهلاً بعدنانَ أبنِ كوفتِنا التي

تزهو بأهلِ الخيرِ والأبرارِ

دعنا نراكَ على المدى في دارِنا

نحنُ الضيوفَ وأنتَ ربُّ الدارِ

فامض ِ بشعرِكَ رائداً متألقاً

شبلَ الرضيّ وفارسَ الأشعارِ

وأستمع الجمهور الحاضر إلى المحامي المعروف صباح عريس وهو يثني على الجمعية العربية للثقافة في كارديف، لاستضافتها الشاعر عدنان الصائغ حيث يتوق الجمهور للالتقاء بمفكريه وكبار كتابه وشعرائه..

701-kard3

وكان بين الحضور في الأمسية الشعرية الشاعرة العراقية المعروفة ريم قيس كبة..فذكرت أنه في ساعتها عندما سمعت بالأمسية الشعرية قررت المجيء إلى كارديف للالتقاء بالشاعر الصائغ وجمهور الأدب والثقافة في عاصمة ويلز الجميلة.

وقد زار الشاعر عدنان الصائغ جناح الكتب العربية في المكتبة المركزية في مدينة كارديف وأثنى على الجهود الكبيرة التي بذلت وتبذل في سبيل تزويد القارئ العربي في ويلز بأحدث الكتب الثقافية العربيّة الصادرة في أصقاع العالم..

وظل شاعرنا الصائغ يقرأ ويقرأ من قصائده والجمهور يستحسن ويطلب المزيد، وممّا قرأ:

أخذت الحياة

على محمل الجد

-دهراً-

فأتعبني حالها

رأيتُ بكنه اليقين منازلها، قلبّا

يعلو المنابر جهّالها

ويكري المحاصيل أنذالها

وينهش في قيلها قالها

فغسلّت كفي منها، ثلاثاً

وأضربتُ عما تزاحم سؤّالها

فما عدتُ أحسبُ إن شرّفتني

وإن غرّبتني

وإن أصعدتني

وإن أنزلتني

فدولابها لا يقّر على حالةٍ

وإن صدقت-في عيون المغفّل- آمالها

كانت أمسية شعرية ليست ككل الأماسي تفاعل فيها الجمهور مع شاعره المعّبر عن همومه وتطلعاته..فطارت الأسئلة من كل مكان في القاعة تسأل عدنان: سأله الشاعر الفلسطيني المبدع أيهاب بسيسو (وهو عضو الجمعية العربية للثقافة في كارديف) قائلاً:" لمن يكتب عدنان؟" فأجاب مباشرة: "أكتب لك ولجمهوري هذا" .. وسأله بعض الأصدقاء عن أهم الشعراء الذين تأثّر بهم ؟.. وعن نشأته الأولى ومنبعه الشعري؟..وعن الجوائز التقديرية التي فاز بها؟ وخبرته في ترجمة اشعاره وقصائده.؟ فأجاب عن كلِّ تلك الأسئلة وغيرها بموضوعيّةٍ أشارت إلى بعض من تعاون معه في هذا الحقل (الترجمة) من الأصدقاء.وانتهت الأمسية وشاعرنا المحتفى به يوقّع بعضاً من دواوينه لقرّاء حرصوا على التواصل والنهل من منبع الشعر العذب.

وفي الختام شكرت الجمعيّة على لسان رئيسها الشاعر الضيف عدنان الصائغ، وأشادت بتفاعل الحضور الكريم في إثراء الأمسية بالأسئلة والحراك الثقافي الذي دأب عليه، ووعدت باستضافة بعض المبدعات من شواعر العربيّة في أماسيها القادمة إن شاء الله.

 

د. عامر هشام الصفّار

رئيس الجمعيّة العربيّة للثقافة في كاردِف

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1877 الاثنين 12/ 09 /2011)

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1833 المصادف: 2011-09-12 02:04:29


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5779 المصادف: السبت 02 - 07 - 2022م