المثقف - أقلام حرة

لقائي الخاص مع الشاعر والناقد ... / عامر هشام

amir_hushamلا أكتمكم فقد كنت ذاك الصباح متهّيبا  رغم أن كل التحضيرات للقاء كانت جارية على قدم وساق.. ولكنّي مع ذلك كنت أسأل كّل أنواع الأسئلة ترّقبا لأمسّية الشعر التي تـمنيّتها أن تكون متمّيزة..

والشاعر لم ألتقيه منذ سنوات طويلة.. والحق يقال ..فهو لم يلتقيني سابقا ولا يعرفني.. ولكنّ ذاكرتي تقول أنني ألتقيته يوما في غرفة التحرير الصغيرة في مبنى جريدة ببغداد في النصف الثاني من ثمانينيّات القرن الماضي.. كنت حينذاك أكتب في مقالة النقد العلمي، حول كتاب أصدرته دار ثقافة الأطفال العراقية.. وكنت بالمرصاد وقتها لزلاّت العلم والمعرفة وخاصة عندما يكون المطبوع مخصّصا للطفل.. وكانوا هناك... مجموعة الشباب بزيّهم العسكري يكتبون ويحررّون الجريدة اليومية..

والشاعر، كما علمت من الناقد، سيحّل ضيفا على مدينتنا كارديف حوالي الساعة الواحدة ظهرا.. فهو سينزل بقطار يأخذه من محطة بادنكتون بلندن متوجّها حيث المحطة المركزية في المدينة العاصمة لمقاطعة ويلز..كنت قد أقترحت على الشاعر ان يجلب أذا استطاع بعضا من دواوينه المعروفة، ففي المدينة مكتبة أسسّها ويتابعها مجموعة من قراّء العربية.. وما أحلاها فرصة لأن يكون لشاعرنا نتاجه، كتابا بين الكتب.. ووافق الشاعر متمنيا أن يلقاه أحدنا في المحطة فهو لم ير المدينة قبلا.. وهذا حق للضيف.. الأستقبال..وهكذا كان الأمر فذهبت والناقد الى الشاعر.. وألتقيناه باسما نشيطا رغم طول الرحلة.. وألتقيناه مرحّبين.. ومعانقين، ولكن ليس بالحرارة العراقية فنحن في آخر الأمر في محطة قطار بريطانية والقوم لا يعرفون تقاليد المحبة واللقاء عندنا..وأنفتحت المدينة أمام الشاعر.. وألقت برداء الوئام..فكان أول ما زاره الشاعر فيها مكتبتها التي أهداها دواوينه..

وكنت لابد من أن أشرح طبيعة التصميم الجميل للمكتبة المركزية الويلزية.. فهي التي حاز تصميمها المعماري على جائزة الأفضل تصميما لمكتبة في البلاد.. وبطوابقها الخمسة وطبيعة ترتيب صفوف كتبها تشبه الحقل المزروع بأشجار مثمرة تعطي قطافها حيثما أمتدت اليد وحيثما أمتد العقل.. كأن المكتبة مدينة صغيرة معلّقة تدور بين ناسها رفوف الكتب والمجلات.. وفي طابقها الأول ألتقى الشاعر  بالناقد.. ناقد كبير وكذا الشاعر..وأنا بينهما نبحث في الكتب العربية ونضع لها وزنا وتقديرا.. والناقد يبحث عن كتاب بعينه فلا يجده .. والشاعر يبحث كذلك.. وفجأة يصيح لقد وجدته هذا هو الكتاب فعليكم به.. وأذا به يعانق كتاب "رحلة أبن فضلان..الى بلاد الترك والروس والصقالبة" وأركض فأستعير الكتاب.. مستعّدا لقراءته وكيف لا فقد أوصى به الشاعر.. وفي المكتبة كان هناك معرض عن الجسر المعلّق القديم الذي يربط بين بريستول وويلز.. والمعرض يذكّر الشاعر بأول قصيدة كتبها بعنوان الجسر، وكيف أن مجرد وضع هذا العنوان لقصيدته، قد كان سببا لمشكلة حينذاك.. وأذكّر الشاعر والناقد بالفيلم الوثائقي القصير الذي دأب تلفزيون بغداد في السبعينيات والثمانينات على بثه بين حين وآخر .. ذلك الفيلم كان عن مظاهرة طلّابية تعبر جسر الشهداء في بغداد في عام 1948 كما صورهّا،  ويهدر الرصاص القاتل، وتبدأ المأساة في العراق.. ويقول الجواهري: أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فم..

ونتوجه مع الشاعر حيث ساحل كارديف الجميل فنمشي جنب النهر والماء يثور دون أن يعتقله أحد، كما سمعت الشاعر يقول.. والناس تمر بنا ونسأل أحدهم أن يأخذ منا الكاميرا لأقف مع الشاعر والناقد في لقطة واحدة تذكّرني باللقاء. وهكذا كان.. وتحت الجسر الصغير وقف الشاعر، قرب لوحة لرودال الروائي الويلزي الشهير والحائز على الجوائز والألقاب في ويلز..فله صورة في هذا المكان للذكرى.. ولم أنس ان أشرح للشاعر بعضا مما أعرفه عن مركز الفنون والثقافة العالمي في كارديف، ففي أحدى قاعات هذا المركز ستكون أمسية القصيد مع الشاعر.. فأشرت أن البناء قام من حجر خاص لا يوجد الآّ في جبال ويلز وقد وضع الفنان المصّمم كلمات اللغز على واجهة المبنى الفاخرة تيّمنا بالزائرين من محبي الفن والثقافة... حيث تقول الكلمات.. تغني الآفاق على هذه الحجارة..وتنظر فترى الأفق السرمدي يغني معك وفي قلبك المفتوح للأمل وعنفوان الحياة..ومع الشاعر ..ومع الناقد أتوجّه حيث القاعة والناس ينتظرون أطلالة الشعر بوجوه مبتسمة فرحة فهو اللقاء الأول في المدينة..والناقد الصبور يقدم شهادته والشاعر يقلّب أوراقه في حين رحت أنا في عالم آخر أبحث في قرارة النفس عن وصف يليق باللحظة الراهنة..

 

(الشاعر: عدنان الصائغ والناقد: الدكتور عبد الرضا عليّ والأمسية الشعرية كانت في كارديف بتاريخ العاشر من أيلول 2011). 

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=54461:2011-09-12-02-09-10&catid=39:2009-05-21-01-47-02&Itemid=60

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1884 الأثنين  19/ 09 /2011)

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1840 المصادف: 2011-09-19 01:34:18


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5779 المصادف: السبت 02 - 07 - 2022م