المثقف - نصوص أدبية

لعنة السّكّر

يحكى انه في بلدة كنعانية تدعى "كوجانات"، بين حقول القصب المحتقن حلاوة، كان هناك كوخ غائر، كلذة لم تكتشف نفسها، تعتمل في جنبات الكوخ فتاة برونزية تدعى

"سكرات" بشعر أسود غائم، وثغر عشتاري خصب، وجسد أرجواني يفور لبناً وعسلاً، تهب عليك كريح من نبيذٌ ثَمِلٌ، يطيح بالرؤوس، تقلب وجهتك رأسا على عقب، قصبها متوحش في ملكوته، حين يتأود

 كان ثمة عطش هائل يتراكم في محيط السماء، حملت الفتاة الجرة الى النهر القريب، كان الوقت قد بدأ يتململ نحو المساء، والعتمة قد أرخت سدولها، وهي تخب على الدرب كفرس جميلة، العشب الموغل في الغابة الكثيفة يترنح تحت الخطو المغناج، الحيوانات الأليفة، من أرانب، وسناجب، وعصافير، تتقافز، وتصطدم بغزالتي القدمين، وتحلق فوق الغيم الاسود، كل شيء كان يصدح للنجم الأرضي التائه شوقاً، صفحة الماء مسرح لانعكاس الأضواء، والفتاة تترنم بأغنيتها الأثيرة عن فارس وعد حبيبته بعقد من الضوء، ولما لم يعد، ذابت الحبيبة في عتمة انتظارها، كل ليلة تشعل فانوسها، حتى ابيضت عيناها.

للماء غواية لا تقاوم، تلقي ثيابها، تفترع النهر، الكون يصيخ السمع لارتعاشات الماء، وهي تنضح جلدها الناضج كإجاصة، وتعوم على وجه الماء، سمكة عريقة في البلل، تشج سكون الليل، وتشاغل وقته، ملأت جرتها، وتهيأت للعودة، اصطدمت بظل طويل، لشاب موفور الصحة، رغم الإعياء البادي على ملامحه، من طول السفر، بلغ العطش من الشاب مبلغاً عظيماً، ولما لم يكن معها كوباً أو شيئاً من هذا القبيل، فقد قررت أن تسقيه بيديها، كان الشاب كلما ارتشف رشفة، يمتص إصبعاً، ويزرع فيه حياة، أصابع الفتاة طيور محلقة، واحداً واحداً حتى ذابت، من خلال الغيبوبة التي تسحّ، تلمظت الفتاة ببضع كلمات

- "سُكّر"

 ولما لم يكن السكّر مكتشفاً بعد في معجم الشاب، لم ترن الكلمة رنينها المفترض

 قررت الفتاة الأرجوانية، أن تطلق في جسده آلهة السكر، وتذكي نارا في التشققات الناشفة، وأخيراً اهتدت إلى حيلة ذكية، قربت الفتاة شفتيها من شفتي الشاب، ركزت سهام نظرتها العميقة، وبدأا يتمازجان، بنسب متفاوتة، وتناغم، تفتحت حقول القصب، وبدأت تعي وجودها، شرعت تتماوج في الدم لعنة السكر، والمرارة تنحسر كزبد، حتى لغط الشاب بالكلمة، فاستطردت الفتاة ضاحكة

- سُكّر = سُكر

استحال الشاب خلسة إلى طائر عظيم، والفتاة ريشة زاهية في جناحه، وحلّق بعيداً بالتي أدخلت السكّر إلى قاموسه الجسدي، لتذيقه آهة السكّر كل حين

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1910 السبت 15 / 10 / 2011)

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1866 المصادف: 2011-10-15 04:50:56


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5745 المصادف: الاحد 29 - 05 - 2022م