المثقف - نصوص أدبية

قَامَات وخَفافِيش / عبد الأحد بودريقة

abdualahad bodoreqaتراءت لي أطياف أرجوانية، خليط أنفاس، أصوات مسيل عابر، انعكاسات أنوار خافتة تشيع من بعيد

وظلال لخمائل بيضاء...بيضاء، بياضها أنصع من الثلج تتمايل وتراقص الأنوار في إيقاعات تجاذب متبادل وتزحف نحوي بهدوء حيث كنت في اللامكان، ربما في نقطة ما، في سحابة فكرة، منسابا في ما يشبه غيبوبة مجنحة تحلق في سكون، بدأت تخترقه أصوات تتعالى ببطء وتتقدم نحوي، كانت مرعبة فأطلقت ساقي للريح.

كنت أجري..وأجري ولا أعرف منفذا ولامخرجا. أجري وسط مغارة بعمق سحيق، يعمها ظلام دامس، لا أتبين فيها شيئا غير العيون النارية لخفافيش مسلحة بأسنان ناتئة وغريبة تطاردني، ولا أسمع إلا صوتها المربك ووقع أقدامي وهي تتصاعد في إيقاع الجري..وتلك الرائحة..آخ..آخ.. منها كانت تخنقني..وتخنقني أكثر كلما اقتربت الخفافيش اللعينة مني..فأجري..فجأة أسقط ! فتنقض علي بسرعة جنونية وتغطي جسدي من الرأس حتى أخمص القدمين، وتشرع في نهشه.

لا أستطيع حراكا، أحاول تحريك أحد أعضائي لكني أفشل، صدري يرتفع وينخفض ببطء شديد، بالكاد أتنفس، أتصبب عرقا، و...أصرخ صراخا..وصراخا مدويا، وأستفيق مرعوبا، أجلس القرفصاء آخذ رأسي بين يدي ثم أتمدد على الفراش ثانية. أنهض، أفتح النافذة:كان الغروب يرسم ظلاله في أفق مساء عادي متكسر في لحظات متكررة لليومي المتشابه. أرتدي ملابسي وأتوجه صوب الشوارع الخلفية للمدينة. هناك أبصر قامات في سراويل واسعة، يسكن عينيها رعب نظرات ثاقبة، فارغة من أية ملامح عادية لدى أي إنسان عادي، تستند إلى الجدران الممتدة على طول الأرصفة. اقتربت منها..كانت أصابعي ترتعش واشتد ارتعاشها، وأحسست بتلك الرغبة الجامحة في القيء تنتابني، حين لاحظت أنها تبيع للمارة وصفات قاتلة وكلاما في ما يشبه الأوراق والكتب لخراب الأزمنة والأدمغة والأسر والعلاقات، وللتطوح في العزلة القاتمة والمقرفة. تمالكت ولم أتقيأ واستعدت هدوئي وأنا أتأمل وجوه المارة الكالحة والمتعبة ذات العيون المثقلة بأسئلة الجوع والغموض في معاني وجودهم الفارغ من أنوار الحياة.

أليست القامات هي الخفافيش التي طاردتني في الكوابيس؟ هكذا تساءلت، وأنا أكتب وأنا أؤوب إلى فراشي..وتلك القامات وتلك الخفافيش لا تفارق مخيلتي. أطفأت النور وبدون مقدمات متخيلة احتلت ذاكرتي بقعة كبيرة من الدم وشرعت تتمدد وتستطيل وتحجب عني رؤية أي شيء وبدأ شريط الفيديو اللعين يتراقص أمامي: رجل متوسط القامة، نحيف الجسم، يداه مقيدتان بسلك وراء ظهره، يجثو على ركبتيه ويرتعش في هلع، تتقدم منه قامة فارعة الطول قوية البنية وبيدها اليسرى تجره من شعر مقدمة رأسه ثم تخرج سكينا وتذبحه من الوريد إلى الوريد وتستمر في الذبح إلى أن تفصل الرأس عن الجثة وترفعه عاليا وهي تبتسم..، وحين تهمد الجثة تخطو نحوها تلك القامة،وأثر الخطو ترسم في بقع الدم، وتضع الرأس المقطوع على ظهرها،بين اليدين المقيدتين.

أغمضت عيني وأنا أمسح وجهي بيديَّ ثم وضعت يدي اليمنى على فمي وضغطت بشدة وتوجهت بسرعة جنونية إلى الحمام. لقد غالبني القيء.وأنا أغسل وجهي وفمي وأتمضمض لأتخلص من بقايا القيء وشريط الفيديو ربما، تساءلت: "كيف أصوغ كل هذا الذي وقع ويقع؟"

 

(سالم رزقي)

 

تابعنا على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2304   الجمعة   14/ 12 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2292 المصادف: 2012-12-14 15:25:07


Share on Myspace