المثقف - نصوص أدبية

النبش في الذاكرة / عبد الدائم مصطفى

abduldayem mostafaفي الآونة الاخيرة وجدتني أناقض المفهوم السائد ان الاحساس هو شعور خاص يتحمل همه صاحبه وحده دون غيره،

ومن ثمة أدركت أنني ملزم بمشاطرة الآخرين ما يحسونه خصوصا عندما يتعلق الأمر بالظلم والأذى ... ولعل أول ما جعلني أنساق وراء هذا الشعور الجماعي بمذاقته المرة والموجعة، هذه الرغبة السانحة لولوج أنفاق بدلالات رمزية تقود الى الذاكرة .. الذاكرة التي يجتهد البعض في أيامنا الموحشة لجعلها هباء منثورا .. فمن كنا نعتقد فيه بطلا .. جردوه من صفة مقاتل وجريح حرب، ومن نقرأ لها بشغف وشوق  شاعرة  وأديبة تفوح انسانية وطيبة نحتوها امرأة  متعجرفة معجونة بالحقد والحديد، ومن منحوا دماءهم بكرم وسخاء في الشوارع وفي غياهب السجون .. ترنحوا تحت ضربات الشفق القاني والظلام الآثم وتحولوا صورا لموشي ديان وأدولف هتلر، ولم يعد حملة الفكر .. روادا وقادة، ولكنهم ثعالب ماكرة وذئاب جوعى، ومن يركب صهوة الحرف ويمتشق سيف الكلمات .. لم يعد لسان الحال ولا ديوان الجماعة، بل تحمل نعته بأرذل النعوت والأوصاف ...

تلكم بعض من أوجه تورطي في هذا الاحساس الجماعي بالظلم والأذى، وتكبدي لمساحات الغبن تضيق كل يوم من حولنا دافعة بنا الى الايمان أكثر فأكثر ان قدر الانسان ان يعيش بالذاكرة، وأن شعبا بلا ذاكرة هو شعب يحكم على نفسه بالفناء. في الذاكرة وجدت ملاذي  لتجاوز هذا الاحساس الجماعي بالظلم والقهر والأذى المجاني .. وبالذاكرة أيضا أمتلك سلطة محاكمة الصمت المتعمد .. صمت من يعرفون الحقيقة ولكنهم يقلبونها على الوجه الذي يتيح لهم امكانية البقاء بعيدا ولو مؤقتا عن كل حساب، لكنهم مخطئون طبعا لأن الصمت كالنار تأتي على كل شيء دون أن ينتبه الجميع أنها في البداية التهمت  مجرد قشة صغيرة وصغيرة جدا ... أنا الآن أعود عبر النفق المظلم الى يوم 04 يونيو 2011 .. قبله بأكثر من أسبوعين أخبرني أحدهم أنني على اللائحة السوداء بالمندوبية العامة لإدارة السجون بالمغرب، وهو ما أخبرت به الأمين العام لاتحاد الصحفيين والكتاب الصحراويين الأخ ما لعينين لكحل عندما عاتبني بحدة على تأخري في بعث رسالتي جوابا على تلك التي نشرت الأخت الشاعرة نانة  لبات الرشيد .. وللتاريخ فقد ألزمت نفسي بالكتابة من داخل السجن ومهما كانت الصعوبات ايمانا مني أنها وسيلتي لمواجهة الموت المحدق بي، ولتخطي الأسوار المحيطة بي، ولأثبت لجلادي أني حي وأنه خارج السلطة التي يحاول ممارستها علي، فمن خلال الكتابة  يتحول في أحيان كثيرة الى سجين واتحول الى حر طليق ...

تعود بي الذاكرة الى يوم 04 يونيو 2011  كتاريخ قررت فيه السلطات المغربية ليس فقط تنقيلي من سجن تزنيت الى سجن سلا 2 كإجراء عقابي، ولكن لمنعي من الكتابة أو بمعنى أصح منعي من الحياة .. الحياة التي رغم تشبتي بها كسلاح في حربنا كصحراويين من أجل الحرية والكرامة الا أننا في مرات عديدة كنا على استعداد تام للتضحية بها لو تأكدنا أنها الثمن الواجب دفعه لهذه الحرية ولهذه الكرامة ...

أذكر أنني تعرفت على الموت رفقة المعتقلين السياسيين الصحراويين 24 بسجن تزنيت يوم خضنا اضرابا مفتوحا عن الطعام جاوز الأربعين يوما خصوصا بالنسبة لنا نحن الأربعة ابراهيم الخليل امغيميمة ومحمود البركاوي والحسن محمد لحسن والحساب  .. عندما تضرب عن الطعام وتمتنع عن الأكل تشعر أول ما تشعر بأمعائك تعتصر وتتلوى وكأنها تلتصق ببعضها البعض .. تشعر أن معدتك تتقلص .. يصيبك صداع الرأس ..وتبدأ أطرافك في التخدر.. كلما توالت أيام الأضراب عن الطعام تهاوت قدرتك على التحكم في تحرك .. يداك تحس كأنهما لم تعودا منك، بصعوبة كبيرة قد ترفع يدك الى فمك .. عيناك  يغشاهما عمى طفيف فبالكاد تتبين الأشياء من حولك والأنكى أنك قد تتوهم رؤية أشخاص وأقسم برب الكعبة أني مرة رأيت والدتي وتحدثت اليها وانا في زنزانتي رقم 2 بسجن تزنيت .. طبعا كنت واهما .. الأشياء قد رأيتها أكبر أو أصغر مما هي عليه في الواقع .. السجن بصفة عامة هو تعطيل للحواس وهذا ما قد يدفع الى زعزعة الادراك .. في الاضراب عن الطعام تستنفر هذه الحواس بشكل غريب .. كنت أمش الأكل من مسافة بعيدة جدا .. وأصبحت أسمع الخطوات القادمة من بعيد .. شفتاي يبست وتشققت .. وحنجرتي أصبح يؤلمني ان يلمسها الماء .. الماء آه من الماء الوجبة الوحيدة التي تبقينا على قيد الحياة .. الماء الذي قرأت أنه بلا طعم ولا لون، في الأضراب عن الطعام أصبح له طعم يتغير مع توالى الأيام .. ففي الأيام الأولى كان له طعم لذيذ وبعدها أصبح له طعم مر وبعد ذلك أصبح غير مستساغ بل أبحت له ويا للعجب رائحة كريهة ..الرأس يصبح مع الاستمرار في الاضراب عن الطعام ثقيلا كبرميل لا أقوى على تحريكه لأني ان فعلت سمعت له ضجيجا  يصيبني بالجنون .. قدماي بعد مدة تصبحا باردتين بل وشديدتا البرودة ومع توالي أيام الاضراب تنقل تلك البرودة منهما صعودا الى الساقين ثم الفخذين وهكذا .. وبعد ان تغادرهما البرودة لم أعد أحس بهما نهائيا .. لم تعد قدماي جزء مني وكأني أصبت بالشلل ... الغريب أنه رغم  أمعائي الفارغة الا من قطرات الماء الممزوج بالسكر فإنني كنت أضطر وبعد أسابيع من الاضراب عن الطعام أن أقذف من جوفي سوائل غريبة ومقرفة وأحيانا دم .. نعم دم قذفته من جوفي وتبولته واعتصرته من مخرجي ...

ورغم أننا خرجنا من الاضراب عن الطعام أحياء ومرفوعي الرؤوس في مواجهة جلادينا .. الا أننا خرجنا بأجساد منخورة آلام في المعدة ومتاعب الكلى وأوجاع في المفاصل وتصلب في العمود الفقري وووو. ولكن كل هذا لم يكن شيئا يذكر ما دمت أمتلك فرصة تسريب كتاباتي الى الخارج .. ما دمت قادرا على التملص من سطوة الظلام والبزوغ ولو ضوءا خافتا  ...

أخذنا على حين غرة من سجن تزنيت الى سجن سلا 2 .. حملوني مرتديا تيشورت وسروالا قصيرا .. كبلوا يدي وراء ظهري وعصبوا عيني ورموني في سيارة .. كنت منبطحا على بطني وكانوا طيلة الطريق بين تزنيت وسلا 2 ( والتي تتجاوز 600 كلم ) يتناوبونا على رفسي بأقدامهم  ومن خلال ضحكاتهم كانوا يستمتعون بذلك .. عند بلوغنا سجن سلا 2 جروني من قدمي وأوقعوني أرضا ..خلت من هول الصدمة مع الاسفلت ان وجه تهشم .. قام أحدهم بشدي من شعر مؤخرة رأسي وما ان استويت على ركبتي حتى وجه لي صفعة قوية أسالت الدم من أنفي وفمي .. ثم أدخلوا أيديهم من تحت ابطي من اليمين والشمال وأجبروني على الوقوف على قدمي وتناوبوا مرة أخرى على صفعي وركلي وبعد أن جردوني من ثيابي تماما كما ولدتني أمي ربطوني الى بابا ذي قضبان حديدية ... ولأكثر من ثلاث ساعات كنت كلما اعتقدت اني سأتلقى صفعة أقفز مرتعبا .. ومع مرور الوقت شعرت ببرد شديد وبدأت ارتجف وبدأت أسناني تصدك .. كان أنفي وفمي ينزفان وفجأة شهقت لما صبوا علي ماء أحسسته يمزق جلدي ويزيدني ارتجافا لتهوى علي بعد ذلك هراواتهم مستهدفة على الخصوص مؤخرتي وفخذي حتى أغمي علي .. ولم أستيقظ الا وأنا في زنزانة انفرادية وليس علي من الثياب الا التيشورت والسروال القصير ويدي مكبلتين خلف ظهري ..  وطيلة 5 أيام لم أستطع أن أفك فيه أزرار سروالي ما أجبرني على قضاء  حاجتي على نفسي وهو ما دفعهم نكاية بي الى صب الكثير من الماء والجافيل الحارق علي مدعين أن رائحتي لا تطاق .. في هذه الزنزانة الانفرادية والتي كنت أظن أنها في دهليز تحت الأرض لم أكن أميز فيها بين الليل والنهار لأنهم كانوا يتركون المصابيح الكهربائية مشتعلة منذ دخلتها أول مرة .. ولم اغادر تلك الزنزانة ولم أشعر بأشعة الشمس تلفح جلدي الا بعد 36 يوما كنت مكبل اليدين معصوب العينين وكنت احس انني تحت الشمس ولم يكن يضايقني سوى ما وضع على صدري وعلى ظهري وهو لعز أخبرني بتفاصيله معتقل اسلامي مرحل من طنجة واسمه سعيد والذي قال لي انهم اخرجوني الى ساحة بالسجن عاريا ووضعوا على صدري وظهري لوحة كتب عليها ( هذا ما يستحقه مسخوط الملك ).

في تلك اللحظات المظلمة والمقيتة والتي نزفت فيها دما كثيرا من فمي وأنفي ومن جهازي التناسلي ومن السرج ومن مخرجي، وهي أشياء نضغط على أعصابنا ونخفي دموعنا حين نجبر على أنفسنا على تذكرها .. على معانقة آلامها .. على سردها بنفحة من الكرامة والاعتداد بالنفس ... حين نفعل كل هذا نفعله خدمة لهذه الأهداف النبيلة التي اعتقدنا فيها وربطنا حياتنا بتحقيقها ... صحيح أننا في  المنعطف الخطير والذي تهاجمك فيه بغثة خفافيش الظلام مذكرة اياك بكل أفلام الرعب ومصاصي الدماء ينتابك سؤال الحال والمآل وتستدعي كل ادواتك للنبش أكثر في الذاكرة السبيل الوحيد لبلوغ المستقبل كما رسمه الشهداء وليس ...

تابعنا على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2307   الاثنين   17/ 12 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2295 المصادف: 2012-12-17 17:46:19


Share on Myspace