المثقف - قضايا وأراء

اللاوعي الجمعي العراقي مخدّر وخالق أوهام ومثير فتنة (3-3)

qassim salihyتوطئة: تهدف هذه الدراسة الى تبيان دور اللاوعي الجمعي في الشخصية العراقية في أربع قضايا اساسية :صناعة الدكتاتور، صناعة الأزمات، الاحتراب الطائفي، وصراع الهويات .. وتلقي الضوء على رهاب العلمانية والحداثة ومقاومة التغيير، وأنه لم ينل من الدراسة ما يستحق مع انه احد الأسباب الخفية في الازمات والكوارث التي شهدها العراق في الزمن الديمقراطي.

كنّا اشرنا في الحلقة السابقة الى خمس عقد نفسية في الشخصية العراقية، ونواصل تكملتها في الآتي:

 

1. الزهو بالذات.

 يشعر الفرد العراقي بأنه سليل حضارات، وأنه ابن بلد " الاوائل " :أول من اخترع الكتابة، أول من اخترع العجلة، أول من بنى المدن، أول من سن القوانين، أول من ابتكر آلة موسيقية، أول من لعب كرة القدم، أول من زرع الأرض وابتكر نظام الري، أول البلدان في عدد الانبياء .. .الأمر الذي نجم عنه نزوع سلوكي الى عدّ الخلاف مع الآخر من صفات الذي يريد أن يكون " الأول " أو من صفات التي تليق بأبن " الأوائل " .

 ويتداول العراقيون مقولة ( ارفع راسك انت عراقي ).ومع أنها حالة ايجابية حين تشكل موقفا" ضد الاذلال والنيل من الكرامة وعزّة النفس، الا انها تتضمن معنى " التباهي " بالماضي، وتشير ضمنا" الى بؤس الحاضر، وحالة من عدم التوازن النفسي لدى الفرد تفضي بالنتيجة الى ميله نحو الخلاف مع الآخر.

 

7. التصلّب الثقافي .

 يوصف العراق بأنه بلد التنوع الثقافي والعقائد العجيبة، وفيه نشأت مدارس فلسفية وفكرية وفقهية وايديولوجيات من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، اعتمدت في أطوار من مسيرتها أسلوب الاختلاف مع الآخر في الرأي، نجم عنه ازدهار ثقافي ونزوع نفسي نحو الابداع المعرفي الذي من خصائصه الاتيان بما هو جديد ومخالف لما هو موجود .

 غير أن السلطة تدخلت، خلال مسيرة هذا التنوع الثقافي، فحولت الاختلاف مع الآخر على مستوى الرأي الى خلاف معه على مستوى الفعل، اعتمد أساليب العداء والاضطهاد، وانتهى بالعنف الذي يستهدف القضاء على " ثقافة " الآخر سواء بالسجن او بدس السم او الاعدام او الحرق علنا بتهم الكفر والالحاد والزندقة.ولقد افرز ذلك الواقع حالة سيكولوجية بأن شطر المفكرين والمثقفين الى قسمين متضادين يتحكم في كل منهما أسلوب النظر الى الامور بثنائية " اما اسود واما ابيض " وهو اسلوب معرفي متصلّب يفضي الى عدم الاتفاق مع الآخر في مواقف الصح والخطأ على السواء.

 ومن مفارقات التنوع الثقافي الذي انفرد به العراق، انه انتج نوعين متضادين من التفكير: علمي، انتشر بشكل محدود بين النخب الثقافية، وخرافي انتشر بين العامة من الناس وبين من يعدّون انفسهم مثقفين . فحين دخل القطار الى العراق بدايات القرن الماضي، اعلن أحد رجال الدين المؤثرين تحريم استخدام القطار قائلا : " أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر ".

 ان هذه العقدة وعقدة العناد العصابي علّتان نفسيتان مصابة بهما الشخصية العراقية، وقد لا استثني أحدا منهما لاسيما الذين صارت أمور البلاد والعباد بأيديهم، وأنهما فعلتا بنا ما فعلته ثارات الجاهلية باجدادنا، فيما تتوزع العقد النفسية الأخرى بين العراقيين بنسب مختلفة تبعا لنوع القيم والمعتقدات التي يحتويها لاوعيهم الجمعي .

والمفارقة ان الثقافة العراقية في الزمن الديمقراطي تراجعت بعد التغيير (2003) مقارنة بما كانت عليه في الحكم الملكي والجمهوري الأول، لاسيما في ان الناس ما عادت تنشغل بالثقافة والمثقفين، وتراجع دور المثقف العراقي الذي يؤمن بالتحديث وترصين دور العقل، برغم وجود عدد كبير من الفضائيات والصحف والمجلات والاحزاب السياسية والدينية، فضلا عن حقيقة سيكولوجية هي أن الثقافة التي تنمو في اجواء صراع سياسي وعنف اجتماعي تنحرف عن مهمتها في اذكاء الوعي والابداع والقيم الحضارية واشاعة السلوك المهذب بين الناس.

 

8.تقديس الشخصيات.

 يميل اللاوعي الجمعي الى اشاعة ثقافة تقديس الشخصيات وصناعة البطل الاستثنائي والقائد الأوحد.وتفضي هذه الثقافة بالضرورة الى صنع الدكتاتور .. اي أن الدكتاتور هو من صناعة اللاوعي الجمعي وليس من صناعة الوعي الفردي.وأنه يعمل من خلال (طقوس التظاهرات)على بث شعارات تثير انفعالات التوحد بالبطل وتأليه القائد.ونرى ان العراقيين هم أكثر شعوب العالم استخداما للشعارات التي تمجد رئيس الدولة. ففي العصر الجمهوري فقط (1958وما بعده) رفعت الجماهير مئات الشعارات لقادة كانوا متناقضين في صفاتهم وادارتهم لشؤون الناس والوطن، بدءا من عبد الكريم قاسم وانتهاءا بصدام حسين (القائد الضرورة) الذي منحوه مئة صفة فاضلة لم يحظ في حقيقته بواحدة منها.ومن المفارقات انهم استقبلوا احمد الجلبي حين دخل العراق مع القوات الامريكية بالتصفيق مرددين شعار:(بالروح مو باللبلبي نفديك أحمد جلبي).

 

9. التباهي بالماضي.

هذه العقدة لا تخص الشخصية العراقية فقط، بل تخص الشخصية العربية عموما.اذ اننا نظن انه لا توجد أمة كبيرة في العصر الحديث معبّأ لاشعورها الجمعي بـ(الماضي) كالأمة العربية .فمن يوم افول الدولة العباسية والعرب "واقفون"، وان تقدموا كانوا في تقدمهم كالسلاحف فيما الأمم المتقدمة الأخرى تسابق الزمن كالغزلان.وما يحيرك أنهم حتى في ثوراتهم التي ينبغي ان تنشد التقدم باتجاه المستقبل، ينكصون الى الماضي .. ولك ان تقارن ما حدث في ثورة مصر في القرن الواحد والعشرين بثورتها منتصف القرن العشرين، وما حدث بالعراق في القرنين نفسيهما.

ولك ان تتسائل:لماذا يتحكم الماضي بسلوكنا .. بانفعالاتنا .. بخصوماتنا .. بل حتى في دفعنا لذبح ابن من كان جده قد اساء الى جدنا قبل ألف عام؟!

ولماذا لا نتذكر من الماضي سوى آلامنا؟ ولماذا نرتاح للبكاء ونستغرب الفرح؟ولماذا ندمن على القهر ونتلذذ بالأحزان ولا نصنع المسّرات؟

ولماذا نفرط بالثرثرة واللغو والاتكال على السلطة ونقتّر بالفعل الجاد والنزيه والاعتماد على النفس؟

والأخطر والأغرب من ذلك كله: لماذا يتحكم الماضي بحاضرنا ويسحبنا اليه في مسار يعاكس المنطق والتاريخ حيث الحاضر يوظّف في صنع المستقبل، بمعنى ان نعمل لتكون احوال الناس غدا افضل، وان نضاعف الجهد لتقليص الهوة بين الشعوب العربية وشعوب الامم المتقدمة؟.

اننا في تاريخنا المعاصر "أمة نكوصية" .. تستجر الماضي وتحتمي به، وتضفي على ما تستدعيه منه صفات الزهو والعظمة .وكما تفعل فتاة العشرين التي تلجأ الى امها وتتكور في حضنها حين تواجه موقفا فيه خطر، كذلك العرب في مواجهتهم حاضر تتسارع فيه منجزات التقدم .. ينكصون ليستروا عريهم بجلابيب الأجداد متباهين بنجاحاتهم لتغطية خيباتهم وشعورهم بالنقص وهشاشة الأنا.ويشيعون بين الناس رهاب العلمانية والخوف من الحداثة، مع ان العلمانية بمفهومها الصحيح تعني استخدام العلم في معالجة قضايا الناس وان لا توظف الحكومات الدين لمصالحها، فيما تعني الحداثة الانفتاح على الثقافات الأخرى وتوظيف التثاقف ( acculturation) بما يخدم حاضر ومستقبل الناس والوطن.

اننا امة تحب "التوقف"، لا لنوظفه في صناعة المستقبل بل لنجتر فيه فواجعنا على طريقة امريء القيس يوم وقف يبكي "ذكرى حبيب ومنزل"، ولا ندرك أن التوقف عند الماضي يفضي بحتمية سيكولوجية الى اثارة " الانفعالات" فيما التوقف عند المستقبل يثير "فكرا" .. ولهذا كان المحرّك الاساسي لثورات ربيع العرب "انفعالات" .. فكانت النتيجة أن قطفت القوى "الماضوية" ثمار ثورات المتطلعين الى مستقبل افضل فأزاحتهم من ساحات حنّوها بدماء شهدائهم .. ومن مستقبلهم ايضا.

 انك لو وضعت ما يقوله عرب القرن الواحد والعشرين عن الماضي في كفّة، وعن المستقبل في كفّة، لهبطت كفّة الماضي على الأرض محمّلة بالأحزان والكراهية وجلد الذات ولوم الآخر والعناد العصابي،

ولنطت كفّة المستقبل بالهواء حاملة ما خف من الأفراح وحب الناس والحياة .. في حال تنفرد فيه عن الأمم في هذه العلاقة الشاقولية المعكوسة.

 ان أمتنا لو كانت فردا من الناس لأوصت وزارات الصحة بوضعه في مستشفى "الشماعية" أو " العباسية" او "العصفورية" لما به من عقد وعلل نفسية وعقلية، يكفي منها ثلاثة:المازوشية والنكوص والاسقاط، اي ترحيل اخطائنا على الآخر والسلطة والقدر.

 وما ينفرد به العرب انهم حين يمرون بأزمة، فان غالبيتهم يتوجهون الى الدين، لأسباب نصوغ خلاصتها بما يشبه النظرية، هي:

(حين لا يقدم الواقع:النظام، السلطة، الحكومة، حلولا لما تعانيه الناس

من مشكلات تؤمّن احتياجاتها الحياتية، فانها تعيش حالة قلق

وتوتر لا تستطيع اجهزتها العصبية تحمّلها الى ما لا نهاية. ولأنهم

يشعرون بالعجز من أن يقوموا هم باصلاح الحال، ولأن "القدرية"

تشفّرت في عقلهم الجمعي حين تضيق بهم الأمور، فأنهم يلجأون الى

الدين لخفض هذا التوتر، لأنهم يجدون فيه الأمل وتمنّي الفرج

الذي يعيد اليهم توازنهم النفسي).

ان تغيير الواقع العراقي يبدأ بتغيير الناس لأنفسهم .. وتحديدا .. بتغيير اللاوعي الجمعي في العقلية العراقية.

وتغيير الواقع العربي يبدأ بتغيير العرب لأنفسهم .. وتحديدا بتغيير اللاوعي الجمعي في العقلية العربية،

لأنه في رأينا مخدّر فعال وخالق اوهام يجعل العامة من الناس يحلّقون في عالم لا صلة له بالواقع الذي يعيشونه.

 وهذه اشكالية تستدعي عقد ندوة يشارك فيها مفكرو العرب المسقبليون لمناقشة اخطر ازمة تمر بها اعرق امة صارت في آخر الركب .. وستبقى كذلك ان ظلّت في جلباب الماضي. 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2433 المصادف: 2013-05-04 03:15:47


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5775 المصادف: الثلاثاء 28 - 06 - 2022م