المثقف - قضايا وأراء

الاستغلال السياسي للفتوى الدنية

adil amirالفتوى في العقيدة الإسلامية هي تعبير عما وهب الله شخصا معينا من العلم وتعتبر إصدار الفتوى في الإسلام أمرا عظيما من ناحية المسؤولية ويعتبر البعض من يصدر الفتوى إنه شخص نصب نفسه للتوقيع عن الله في أمور جدلية مثل الأمر أو النهي أو إطلاق مسميات مثل الحلال والحرام ومستحب و مكروه وغيرها. يتم إصدار الفتوى عادة نتيجة غياب جواب واضح و صريح يتفق عليه الغالبية في أمر من أمور الفقه الإسلامي ويتعلق بموضوع شائك ذات أبعاد سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو دينية ويطلق تسمية المفتي على الشخص الذي يقوم بإصدار الفتوى . يجب أن يكون مجتهدا بالمفهوم الإسلامي للإسلام الاجتهادي. والمجتهد هو عالم دين قادر على التحليل المنطقي العميق لنصوص القرآن و دروس السنة النبوية بشكل يؤهله لاستنباط أحكام في أمور معقدة.  -دراية عالية بعلم الحديث.  -دراية عالية باللغة العربية.  -دراية عالية بالناسخ و المنسوخ من القرآن.  -خبرة في القانون الإسلامي.  -معرفة كاملة عن جميع الفتاوى السابقة بغض النظر عن الجهة المصدرة للفتوى.  - ومعرفته بعلوم الفقه التاريخ الإسلامي الماضي والحاضر فالكلام بغير وعي أو علم بصورة عامة سواء في الشرع أو السياسة غالبا ما يؤول إلى فتنة دهيماء، تزرع الشقاق والفرقة بين المسلمين، ويستثمرها أعداء الصحوة والدين . وأعني بالوعي والعلم هنا هو الوعي والعلم الشامل، الجامع لعلم الشرع والسياسة والاقتصاد وفقه الواقع . فلا يصح الخوض في مسائل سياسية كبيرة دون الإلمام بالعلم الشرعي المبني على الكتاب والسنة الصحيحة، والعلم الراسخ بحقائق وخفايا الأمور، ومعرفة كيف يفكر المتربصون بالأمة، واستشراف المستقبل .

لذلك نحن ننتقد بشدة الفتوى والحسبة في المسائل المتعلقة بالسياسة عندما تصدر من عالم أو طالب علم غير ملم بحقيقة ما يدور وراء الكواليس، فمن شروط الفتوى والحسبة : العلم والمعرفة، والمقصود بالعلم والمعرفة هنا الإحاطة الكاملة بالموضوع المستفتى فيه من جميع جوانبه . ومما يؤكد حاجتنا الملحة لفقه السكوت أحيانا ما سمعته منذ فترة من الأخ الأردني المعتقل السابق في جوانتانامو "وسام عبد الرحمن" في مقابلة خاصة مع "قناة الجزيرة"، فقد صرح بأن سجانيه عباد الصليب الأمريكان عرضوا عليه طائفة من فتاوى بعض أهل العلم المشهورين، وقالوا له : هذه فتاوى مشايخكم التي يجب عليكم الالتزام بها !!! فقد هالني هذا الأمر، وذكرني بما قاله عبد الله بن حسن لابنه وهو ينصحه : "يا بني احذر الجاهل، وإن كان لك ناصحا، كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا ؛ فيوشك الجاهل أن يورّطك بمشورته في بعض اغترارك، فيسبق إليك مكر العاقل" .

لا تخلو الأحداث السياسية فيه من توظيف للدين واستغلال له بصورة أو بأخرى.. وينقسم الناس - كما هي العادة في مثل هذه القضايا - إلى قسمين, من يرى ذلك حشرًا للدين وإضعافًا لمكانته لدى الناس، ومن يرى ذلك هو جوهر العمل بالدين. الفتاوى السياسية في الغالب تخرج بصورة فردية، بل إن الفردية هي السمة البارزة فيها, والبديل - حسب ما يرى البعض - من خلال إحلال المجامع الفقهية التي توكل إليها دراسة أحوال الناس وإخراج فتاوى تعكس المصالح العامة للناس وليس مصالح أشخاص محددين. خطورة الفتاوى السياسية أنها في الغالب متعلقة بأرواح الناس ورقابهم, والتاريخ الإسلامي على مدى القرون الماضية وحتى اليوم مليء بتلك الفتاوى، والتي لم تخلو من رائحة الدم في أكثر من موقف ومكان خرجت فيه, ليس على مستوى شخص، بل على مستوى أفراد وجماعات, وقد قتل الكثير تحت فتاوى سياسية أكثر من كونها شرعية. الفتاوى السياسية.. سلاح الإسلاميين ضد منافسيهم في انتخابات مصر انتعشت بورصة الفتاوى السياسية في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، ووجّهت بالأساس ضد منافسي التيار الإسلامي من فلول النظام السابق أو الليبراليين، بل اعتبرت أن الأقباط في منافسة سياسية مع المسلمين، وصدرت فتاوى ضدهم.

 

مبارك والفتاوى السياسية

عرفت مصر الفتاوى السياسية طوال الثلاثين عاماً الماضية، فلا ينسى المصريون تلك الفتوى التي أطلقها الإمام الأكبر الراحل الدكتور سيد طنطاوي ضد الصحافيين المنتقدين للرئيس السابق حسني مبارك، وأجاز فيها جلدهم. ثم فتوى أطلقها شيخ سلفي، تجيز توريث الحكم لجمال مبارك نجل الرئيس السابق، وأطلق الشيخ نفسه فتوى أهدر فيها دم الدكتور محمد البرادعي، في أعقاب دعوته إلى العصيان المدني في أنحاء البلاد. ولم تغب الكنيسة عن تلك النوعية من الفتاوى، حيث بارك البابا شنودة ترشح الرئيس لولاية رئاسية خامسة، وأجاز أو بارك توريث جمال مبارك للحكم.

 

التصويت للفلول حرام

رغم أن تلك الفتاوى لم تؤت ثمارها، ولم تمنع المصريين من الثورة على نظام حكم الرئيس السابق، وإسقاطه في 11 فبراير الماضي، وإجهاض حلم نجله الأصغر في خلافته بالحكم، إلا أن بعض المشايخ ما زالوا يصرّون على انتهاج الطريقة نفسها في التعامل مع منافسيهم السياسيين في معركة نحو السيطرة على أول برلمان بعد الثورة.

فكانت البداية بإطلاق الشيخ عمر سطوحي أمين عام لجنة الدعوة الإسلامية في الأزهر فتوى تحرّم التصويت في الانتخابات لمصلحة فلول الحزب الوطني المرشحين في الانتخابات البرلمانية. وقال سطوحي في فتواه «لا يجوز لأي مصري غيور على دينه ووطنه ويحب مصر أن يصوّت لأمثال هؤلاء، (فلول النظام السابق)، وخاصة لمن أثبتت التحقيقات والقضاء أنهم أفسدوا الحياة السياسية، وأظهروا مصر أمام العالم بصورة سيئة، وخاصة إذا سمح لهم بالدخول والترشيح؛ لأنهم لن ينسوا ما حدث لهم، ويكنّون في نفوسهم حب الانتقام والانتصار للنفس مما بدر من الشعب ضدهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصف من يصوّت لهم بـ»الخائن لوطنه».وقال «كل من يصوّت لمصلحتهم يعدّ خائنًا لوطنه، حتى وإن أظهروا الحب لمصر، فهذا خداع وغش ومكر، بهدف الوصول إلى أهدافهم التي يخططون لها، وعلى الشعب أن ينتبه لكل ذلك، وأن يلتزم بقول الرسول صلي الله عليه وسلم «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين».

 

مصاهرة الفلول حرام

لم تقف حرب سطوحي ضد الفلول عند هذا الحدّ، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أفتى بعدم مصاهرتهم، أي تزويجهم، أو الزواج منهم، لأنهم لم يكونوا أمناء على الوطن. وقال في فتاواه «إذا كانوا قد ضيعوا أمانة الشعب كله، وأفسدوا الحياة في مصر، التي أكلوا من ترابها، وعاشوا على أرضها، وشربوا من مائها، واستظلوا بسمائها، فمن السهل عليهم أن يضيعوا أمانة الأسرة والزوجة»، وقدم سطوحي على فتواه دليلين من السنّة. وقال «عندما سئل سيدنا عثمان عن مواصفات الزوج الذي يريد الزواج بفتاة، فقال لأبيها: زوجها لتقي، فإن أحبها أكرمها، وإن كرهها فلن يظلمها»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه»، وبالقياس لا يجوز الزواج بمن لا نرضى عن خلقه ودينه». ووصف بنات فلول النظام السابق بأنهن مثل «خضراء الدمن، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء». التي حذر منها النبي الكريم في قوله «إياكم وخضراء الدمن».

 

التصويت لليبراليين والأقباط حرام

غير أن أكثر الفتاوى إثارة للجدل صدرت من شيخ لطالما أثار الجدل بفتاويه في عهد النظام السابق، إنه الشيخ محمود عامر القيادي في التيار السلفي، حيث أصدر فتوى حرّم فيها التصويت في الانتخابات البرلمانية المقبلة لمن وصفهم بـ»العلمانيين والليبراليين والأقباط»، معتبراً أن من يصوّت لمصلحتهم آثم، وخائن للأمانة. وسبق لعامر إطلاق فتوى تجيز توريث الحكم لنجل الرئيس الأصغر جمال مبارك قبل نحو عام من الآن، وأطلق هو نفسه فتوى إهدار دم الدكتور محمد البردعي، بدعوى «الخروج على الحاكم الشرعي الرئيس حسني مبارك، وشق عصا الجماعة».

 

التقرب لله بالانضمام إلى الإخوان

فيما ذهب قيادي في جماعة الإخوان المسلمين، وأحد المرشحين للانتخابات المقبلة، إلى القول إن الانضمام إلى حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي للجماعة «صورة من صور التقرب لله»/ وقال أحمدي قاسم، القيادي في الجماعة في محافظة الفيوم خلال لقاء انتخابي إن «الحزب ما هو إلا صورة من صور العبادة والتقرب إلى الله في خدمة الشعب المصري».

 

لا يجوز استغلال الدين في السياسة

ووفقاً للدكتور على أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى في الأزهر سابقاً، فإن استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية لا يجوز، مشيراً إلى أن من يستغل الشريعة من أجل مصالح سياسية دنيوية آثم. وقال أبو الحسن لـ»إيلاف» إن الانتخابات عملية سياسية، لا يجب إقحام الدين فيها، فلا يجوز إطلاق الفتاوى التي تحضّ الناس على التصويت لمصلحة شخص دون الآخر. مشدداً على ضرورة حضّ الناخبين على التصويت للأصلح، بغضّ النظر عن ديانته أو لونه أو جنسه، وحذر أبو الحسن من الفتاوى التي تصدر ضد فئة معينة من المصريين، لاسيما الأقباط، معتبراً أنها قد تؤدي إلى الفتنة، وحرق النسل والزرع. غير أنه انضم إلى جانب الفتوى القائلة بحرمة التصويت لمصلحة فلول الحزب الوطني المنحل، وقال إنهم أفسدوا الحياة، وساندوا الحاكم السابق، وساعدوه على ظلم الناس، ولا يجوز التصويت لمصلحتهم وتمكينهم من السلطة مرة أخرى. ورفض فتوى عدم مصاهرتهم، وقال إنه «لاتزر وازرة وزر أخرى».

 

خلط الدين بالسياسة يدمّر الدول

فيما رفض الدكتور أحمد على عثمان أستاذ سيكولوجيا الأديان في الجامعة الأميركية والداعية في وزارة الأوقاف استغلال الدين في الأعمال السياسية، معتبراً أن تلك الفتاوى تساهم في تشويه صورة الإسلام في الخارج. وقال عثمان لـ»إيلاف» إن التاريخ يحذر من خلط الدين بالسياسة، مشيراً إلى أن الكنيسة عندما خلطت الدين بالسياسية في أوروبا إبان العصور الوسطى أصاب البلدان الأوروبية الخراب، وعندما خلطت الدولة العباسية الدين بالسياسة، فسدت وسقطت الدولة الإسلامية. وقال إن الدين الإسلامي يحرّم استغلاله في السياسة، وأوضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن طلب الإمارة، وكان لا يمنحها لمن يطلبها، وقال النبي «من طلب الإمارة فلا تولوه»، مشيراً إلى أن استخدام الإخوان شعار الإسلام هو الحل لا يجوز، لأنه يعتبر توظيفًا للدين لخدمة الدنيا وطلب السلطة، مؤكداً أن الفتوى بتحريم التصويت في الانتخابات لأشخاص أو فئات بعينها، مثل القبطي أو العلماني أو الليبرالي، لا تجوز شرعاً، لأن الإسلام يحضّ على اختيار الأصلح لولاية الدولة وتسيير أمور الدنيا، وأشار إلى أن الرسول تعامل مع اليهود والمشركين والمنافقين، ولم يحرّم التعامل معهم تجارياً أو سياسياً.

 

رجل الدين لا يصلح للسياسة

وقال عثمان إن رجل الدين لا يصلح للعمل السياسي، ودلل على صحة ما ذهب إليه بالقول إن تاريخ الإسلام شهد أربعة خلفاء راشدين، هم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، لكن الخلافة الراشدة لم تكن سوى خلاقتين فقط. وأوضح أن الخلافة الراشدة كانت في عهد أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب فقط، لأنهما كان رجلان على دراية سياسية، في حين كان عثمان وعلي رجلي دين وفقه، ولم يتمرّسا في العمل السياسي.

 

فتاوى سياسية تواكب الربيع العربي

تخلل العام 2011م العديد من الفتاوى السياسية، منها ما كان بين تحريم الخروج على الحاكم والتحذير من عاقبة الفوضى التي يخلفها هذا الخروج, ومحرض على دفع الظلم وإسقاط الأنظمة القمعية بأية وسيلة والخروج والمظاهرات من صميم العمل المشروع، وكان هناك العديد من الفتاوى التي لا علاقة لها بالسياسة وتداولها الناس لشدة غرابتها وطرافتها أحيانًا. مشعل الثورات العربية محمد البوعزيزي نفسه جرى عليه خلاف بين شيوخ الدين، وجدل واسع بين من يرى أنه شهيد أحيا بموته شعوبًا ودولًا، ومن يراه منتحرًا قتل نفسه، وهو في النار.. خرجت عدد من الفتاوى لتثبيط المطالب بإسقاط بعض الأنظمة، وذلك بتحريم بعض المشايخ الخروج على الحاكم وتحريم المظاهرات والتجمع تحت ذريعة درء الفتن ودفعاً للفُرقة بين المسلمين وحقنًا للدماء.

 

فتاوى تُحرّم الاحتجاجات والمظاهرات

مفتي عام السعودية عبد العزيز آل الشيخ في بداية الاحتجاجات بمصر قال: لو نظرنا للنتائج التي تحصل من هذه الاحتجاجات لوجدنا أن ما يُطالَب به بالنسبة لما يُحدثه من بلاء لاشيء، فالمطالبة شيء والبلاء والدمار أشياء كثيرة، وأيّد هذه الفتوى هناك عشرات العلماء والذين يرون أن الخروج على ولي الأمر لا يجوز شرعًا، والمظاهرات هي أداة من أدوات الخروج على ولي الأمر.

 

شيوخ مصر على خطى مشايخ السعودية..

وفي مصر - خلال ثورة 25 يناير - أنكر العديد من مشايخ السلفية الخروج على النظام الحاكم، ومنهم حسن بن عبد الوهاب البنا، وأبو عبد الأعلى خالد بن عثمان، وعادل السيد، شيوخ مصريون (سلفيون) كانوا منكرين للخروج على الحاكم بأية طريقة للتعبير عن ذلك الخروج.

 

فتوى الشيخ القرضاوي الشهيرة بجواز قتل القذافي..

 صدرت فتوى عن رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي من على منبره في إحدى صلوات الجمعة في قطر، والتي أجاز فيها قتل الزعيم الليبي معمر القذافي، وقال: (من أراد أن يتقرب إلى الله بقتله فليفعل ودمه في رقبتي).

 

النظام الليبي يستعين بمشايخ سعوديين للرد..!

كان رد النظام الليبي سريعًا لفتوى الشيخ القرضاوي، لذلك استعانت قناة ليبيا الشبابية أثناء الاحتجاجات على نظام القذافي بعرض فتاوى مسجلة لمشايخ من السعودية، وهم: صالح الفوزان، وربيع المدخلي، وعبد المحسن العباد، جاء فيها تحريم الخروج في المظاهرات، وتحريم مشاهدة قناة الجزيرة، وكل قناة تُحرّض على الفتنة، ووجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه.

 

القرضاوي يردّ على علماء جمعية صالح

وقد استنكر القرضاوي هذا البيان قائلًا: إن الفقه الرجعي الذي يسير في رِكاب الحكام، وإن ظَلموا وجاروا، ينبغي أن يختفي أمام الفقه الثوري الذي يعمل على تقوية الشعوب، ويُنقّي الحكم من مطامعه ومساوئه.

 

شيخ في مدينة تعز يتوقف عن وصف "قتلى الثورة شهداء"..

خرجت فتاوى في اليمن تُجيز وتُحرّض الخروج على النظام اليمني، وتصفه بأنه نظام غير شرعي، وصدرت عدد من البيانات في هذا الاتجاه، وتؤكد أن الذين قُتلوا في هذه الثروات شهداء, غير أن الشيخ عبد الرحمن قحطان - أحد مشايخ محافظة تعز - قُدّم له سؤال حول اعتبار من قُتِلوا في الثورة الشبابية شهداء، وقد رفض التعليق على هذا السؤال.

 

فتاوى سياسية في مصر تُثير جدلًا واسعًا..

من الفتاوى التي أثارت الجدل في مصر مع مرحلة الانتخابات التشريعية فتوى محمود عامر، القيادي بالتيار السلفي، حين أصدر فتوى حرّم فيها التصويت في الانتخابات البرلمانية بشكل عام، معتبرًا أن من يُصوّت لصالح أحد المرشحين هو آثم، وخائن للأمانة. وهو الشخص نفسه الذي أطلق فتوى تُجيز توريث الحكم لنجل الرئيس الأصغر جمال مبارك، وأطلق هو نفسه فتوى إهدار دم الدكتور محمد البرادعي بدعوى شق عصا الطاعة والخروج على الحاكم الشرعي الرئيس حسني مبارك. القيادي بجماعة الإخوان المسلمين أحمدي قاسم - أحد المرشحين في منطقة الفيوم، خلال لقاء انتخابي - يفتي بأن الانضمام لحزب الحرية والعدالة ما هو إلا صورة من صور العبادة والتقرب إلى الله في خدمة الشعب المصري. فتوى تصف من يصوت لحزب محدد بـ”الخائن لوطنه”!، أخرى حرمت التصويت في الانتخابات لمن وصفتهم بـ”العلمانيين والليبراليين والأقباط”، معتبرة أن من يصوت لصالحهم آثم، وخائن للأمانة، يقابلها فتوى تدعو إلى الانضمام لحزب الحرية والعدالة - الإخوان - لأنه صورة من صور العبادة والتقرب إلى الله!. فيما من أصدر فتاوى تحريم الديمقراطية، يطالب المفتي ذاته بضرورة ووجوب إعطاء الصوت الانتخابي لشخص بعينه..! بل إن هناك من اعتبر أن التصويت لحزب “صدقة جارية” لمئات السنين، وعدم التصويت سيئة جارية.. لنفس مئات السنين أيضا! قيادي بجماعة الإخوان قال للأنصار إن من لا يذهب للتصويت في الانتخابات كمن تولى يوم الزحف. ومن الطرائف فتوى إخوانية بعدم جواز زواج الأخ الإخواني من غير الإخوانيات، معتبراً أن ذلك خطأ في مسار التربية ويؤخر النصر، وأن زواج الإخواني بالإخوانية يؤدي إلى إنجاب إخواني بالميراث!. إلا أن التنافس الانتخابي في مصر ضاق اليوم، وأصبح محدداً في مرشحين، محمد مرسي عن حزب الإخوان، والفريق محمد شفيق، لذا نراقب مساراً جديداً للفتوى السياسية بشكل أكثر شراسة، بدأت تخرج من أطراف داخل مصر وخارجها، هناك فتاوى سعودية - خليجية تدعم مرشح الإخوان وتحرم التصويت لشفيق!.

 وآخر الفتاوى قول أحدهم أول أمس: (إن اختيار من ينتمي إلى الإخوان المسلمين، أو العلمانيين انحراف عن الدين وخيانة لعباد الله..)! هكذا فجأة وبعد أن كانت الديمقراطية خروجاً عن الشرع وتقليداً للغرب، وفعلاً محرماً، أصبحت فتاوى رجالات الدين تتنافس بشكل طريف وعنيف أيضاً، لدعم هذا المرشح أو ذاك الحزب بحسب قرب الفكر والمظهر، بل ودخلنا في مرحلة فتاوى سياسية عابرة للحدود الجغرافية، لا تكتفي بالتزكية لمرشحها الإسلامي المفضل، بل تجاوز إلى الهجوم على المنافس الخصم، وباسم الدين جهارا نهارا. استغلال سياسي وفاضح للدين والعاطفة في أبعد أشكال الاستغفال والمنفعة السياسية، فالمعركة وصلت إلى الفرصة التاريخية المنتظرة لتحقيق النصر المزعوم بعد سنوات من القطيعة مع الدولة المدنية، حيث لم يكن في عرفها أبداً المؤسسات الرسمية والحكومية، وهي ترفض حتى مظاهرها البرتوكولية. لكن كل القناعات، انقلبت رأساً على عقب في مكيافيلية دينية مغلفة، للوصول للغاية - الرئاسة والسلطة - مهما كانت الوسيلة. سلوك يكشف ببساطة أن الفتاوى اللاحقة قادرة على نسف كل الوعود والعهود بالمساواة والعدل، وطبعا بغطاء ومبرر شرعي!. إلا أن هذه الفتاوى تفقد مفعولها المدمر الآن، في مقابل شعوب منهكة تنتظر دوران عجلة الاقتصاد وتثبيت الأمن وتطوير الخدمات والعمل، وهو ما لا يمكن لصندوق تبرعات حزبي أو فتوى مضللة أن تحققه، حيث التجربة الإنسانية تفضح الفتاوى السياسية. الغفلة صفة دميمة تتنافى مع العلم والبصيرة، وهي مستلزمة للجهل والحمق، وصحابها مغفل ومستغفل، مغيّب عن فهم الحقيقة والواقع، فحرمه الله من البصيرة والوعي . والتغافل صفة محمودة تتنافى مع الجهل والحمق، وهي مستلزمة للعلم والتيقظ، وصاحبها كيس فطن، يضع الغفلة في موضعها المناسب، فأكرمه الله بالحكمة والنظرة الثاقبة . وفقه السكوت هو استعمال التغافل متى كان ذلك أنفع وأنجع، فيضع الغفلة في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل، فهما للحقيقة، ووعيا بالواقع . وأخيرا، نصيحة محب، متى وجد المرء في قوله بعض الحق، ولكنه يفضي إلى نصرة أهل الباطل، ففقه السكوت لازم .

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2491 المصادف: 2013-07-01 02:57:04


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م