المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة العراقية المغتربة د. هناء القاضي نصف هذا العام ..

ahmad fadelشعر: تكللت حروفه بالدمع والجراح .. قراءة لقصيدة "مربعانية قيظ" .. الشعر حينما تدمعه الذكريات

"مربعانية قيظ" من أعمال الشاعرة القاضي وهي الأحدث بين قصائدها جاءت في الشهر الأخير من النصف الأول من هذا العام، تبخترت كلماتها كأنها نجمة ما قبل الفجر، حاولت التشبث بآخر خيوطه استحياءا لأن النور قد يفشي سرها، وهذا ما لايريده الكبرياء وعزة النفوس .

نقرأ فيها:

يصدف أن الربيع هنا

لايأتي في آوانه

والصيف يغفو منتظرا

لحين قدوم ريح شمال

مشوبة بالسموم

لحين تختال الشمس في مدارها

فيعلن الغياب مربعانية القيظ

هذه القصيدة وضعتها الشاعرة بصيغة اخراجية سينمائية رائعة، حيث رحت أتخيل كلماتها وهن يتراقصن فوق الشاشة الكبيرة يتجسدن ربيعا وصيف، وريح مشوبة بالسموم، وشمس وقيظ، لكن "مربعانيتها " لفتت نظري كلغة ليس من السهل استعمالها، فهي تندرج تحت مسمى اللهجة الدارجة مع قابلية استعمالها كلغة عربية تتداولها النصوص في أكثر من بلد عربي، وهي في عرف اللغويين الحر اللاهب كبداية لدخول موسم الصيف وفي نهايته تسمى جمرة القيظ، وخلال ذلك الموسم يزداد تعامد أشعة الشمس وميلانها عن خط الإستواء فتطيل فترة وجودها في السماء لتزداد حرارتها، والتسمية التي أطلقتها الشاعرة زادت من حرارة أبياتها كلما زاد توغلنا في القصيدة:

كيف لهذا الجرح ان يستريح؟

وشجيرات البلوط في خاطري

لاتكف عن الحفيف

وصدى

كركرات الطفولة يشعل

وحشة الحجرة

وغرّة

زينت وجهك النحيف

الصورة الشعرية حضرت وبقوة لتشكل المعنى البانورامي لهذه الأبيات، جرح نازف لايريد أن يندمل، وشجر البلوط يمتد في الذاكرة لاتكف أوراقه عن الصراخ، وصدى ضحكات الطفولة أزاحت وحشة المكان، كلها تجمعت لتضيئ ذلك الوجه النحيف بذكرياتها .

القاضي استنفرت في هذه الصورة الشعرية حالات من الجمال التعبيري وتشبيهات أخذتنا إلى عوالم عاشتها هي جزء من مكوناتها النفسية والإجتماعية والزمكانية، وحول أهمية الصورة الشعرية في القصيدة الحديثة يقول الدكتور الناقد السوري غسان غنيم عنها :

- إن الصورة مفردة قد تحمل أكثر من دلالة بحسب الحقل الذي تتناوله، فهي في حقل علم النفس تدل على إعادة إنتاج عقلية أو استعادة لذكريات مدركة أو تتعلق بالوجدان، أو هي مجموعة مشاهد بصرية يمكن للمرء استعادتها بدرجات متفاوتة وهي استعادة ترتبط بنوع من الأحاسيس، أما الدلالة الأكثر شيوعا فهي تلك التي تتعلق بالحقل الأدبي من زاوية التعبير المجازي لتنقسم إلى عدة أشكال منها  البلاغية المتمثلة بالبيان أو البديع، أو أشكال المجاز اللغوي أو العقلي.

هي رأت الجرح لايستريح من النزف طالما بقيت شجيرات البلوط وكركرات الأطفال تدق أبواب الذاكرة في كل مرة، والرؤية هنا شكل من أشكال الإدراك الحسي، وهي واحدة من طرق التفكير لدينا ومن الصعب جدا أن نتخيل تجربة كهذه دون رؤية حقيقية لها، وعودة لقراءة ما تبقى من القصيدة نتلمس في ثناياها رؤى حاضرة بقوة في الذاكرة حيث تقول :

هل نال منك اليأس

أم كنت تملك الخيار

فرحلت من دون ظلي؟

دون ان تطلق سربا من القطا

يعيدني لغابات سرجنار

حيث كنا نملك النهار

أذكرك

كلما سألت عن معنى الشجن

كلما تغنوا بإسم الوطن

هنا تصبح الرؤية وقوفا حقيقيا أمام من نعاتب، من نبثه الوله، اللوعة، ومع أنه كان يملك الخيار في وداعها فلم يكلف نفسه حتى بإطلاق سربا من طائر القطا ليدلها على غابات سرجنار، أشجار الذكريات التي حفرت عليها ذكرياتهما، تقول له أنها تذكره، لاتريد أن تنساه كلما سأل عن معنى الشجن، كلما تغنّى الناس، الماء، الهواء، الطير والحجر بإسم الوطن، الوطن الذي امتزج بكل تلك الذكريات ولايزال ...

لاتزال هناك قراءات أخرى .

 

أحمد فاضل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

القدير أحمد فاضل
صباحك خير وبركة وأسأل الله أن ينعم عليك من فضله.
ها أنت تعود لتبحر في مربعانية غربتي . الانسان أكثر مايحمل معه هو ذكريات الطفولة ونحن خلاصة تجارب طفولتنا بالدرجة الأولى أضافة لما نكتسب بعد ذلك في مراحل النشأة ،لكن يبقى للطفولة التأثير الأكبر. غابات سرجنار في شمال الوطن كانت ذات عهد تسعد بسماع صدى ضحكات أطفال عرب وأكراد يركضون بين أشجارها ويلحقون بينابيع الماء ،لم يكونوا يعرفوا معنى الطائفية ولا الحقد ، ماجمعنا النقاء وحب الأرض . الموت أخذ البعض منهم والغوص في التفاصيل يطول . ما أفكر به كيف أن رصاصة تسرق حياة من تحب دون أن تمتلك الفرصة لوداعه أو حتى السؤال ..لم ..وكيف ؟؟
شجرة البلوط تلك لا تزال تراودني ولكن في أحلام يقظتي لأني أريد ذلك هي جزء من الوطن الذي يقتل كل مرة برصاص طائش ولايعرف لماذا ..وكيف ؟؟.
تقبل شكري وامتناني أخي القدير لأعطائي من وقتك . تحياتي

د هناء القاضي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2495 المصادف: 2013-07-05 11:21:33


Share on Myspace