 حوارات عامة

اثريات (فهم الدين) .. نقض احتكار الراسمال المقدس او الهيمنة على تأويل الخطاب في جهود المفكر الديني يحيى محمد الفلسفية والمنهاجية (1)

yousif mohsenتاريخية الاصلاحية الدينية في المجتمعات الاسلامية

ارتبط ظهور الإصلاح والتنوير الديني في المجتمعات الإسلامية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، مترافقاً مع التغيرات الجذرية التي شهدها العالم. وحسب تعبيرات جلال العظم، فإن هذه العملية الضخمة من إعادة الترميم في الأنظمة المعرفية الإسلامية، تشاكلت مع حركة إصلاح التنظيمات في الدولة العثمانية نتيجة عاملين رئيسين أولهما: احتكاك النخب العثمانية وتجمّع المعلومات عمّا كان يجري في أوروبا على امتداد نصف قرن من تقدّم عسكري وعلمي وثقافي، في حين كانت الإمبراطورية العثمانية تخسر مقاطعاتها أمام التوسّع الأوروبي، ثانيهما: الضغط الحاصل على الدولة من الأسفل نتيجة نموّ ونشوء طبقة [وسطى حديثة بعد الاختراقات الرأسمالية لبنية الإمبراطورية، هذه الطبقة الاجتماعية لها امتيازاتها وأهدافها الإصلاحية، ولها امتدادات في المستعمرات المحيطية للإمبراطورية، كان العالم العربي جزءا مهمّا من هذه المستعمرات مما يتطلب إزالة العوائق امام طريق الاندماج بالاقتصاديات الرأسمالية العالمية، والذي يتمثل في علاقات الإنتاج القروسطية.

وقد تبلورت الأطر الاجتماعية لحركة تجديد النظام المعرفي الديني الإسلامي ونقد المنظومة التقليدية، عبر مجموعة من المفكرين أبرزهم محمد إقبال، ومحمد عبده، .. حيث انتظمت هذه المشاريع التجديدية النقدية بالكشف عن تناقضات المعرفة الدينية الإسلامية ومعطياتها الميتافيزيقية، وطرح محاولات الاندماج بالحداثة ضمن مجال ديني / فكري يتسم بالتنوع والاختلاف وتعدد الأنساق الثقافية، وكانت هذه المشاريع الإصلاحية تتجه نحو تفكيك نظام الأنظمة للمعرفة الدينية المتمركز في ذاته، والذي أنتجته المؤسسة الدينية الإسلامية او موسسات حماية الايمان .

إلا أن هذه المشاريع الإصلاحية في تاريخية المعرفة الدينية الإسلامية لم ترتق إلى مستوى الحركة المقوّضة لسلطة رجل الدين في المجتمع، فضلا عن عدم وضوح الرؤية في التجديد، وهو شأن كل التنقيحات الأساسية في الفكر الشيعي الإمامي، أو الفكر السني الحديث.

حيث يحدد عبد الله العروي ثلاث كيفيات أيديولوجية في محاولة لفهم التاريخية العربية ضمن التاريخ العالمي، نجد تعبيرات هذه الأنساق أو الكيفيات التي تشكلت منذ القرن التاسع عشر، تلعب أدوارا متباينة حتى الآن، وذلك بسبب خروج العالم الإسلامي من الدورة التاريخية العالمية.

1- الشيخ الديني: يحدّد التعارض الجذري بين الغرب / الشرق في إطار أيديولوجية دينية، وداخل ثنائية صارمة مسيحية / إسلام، وهو يشتغل على ميراث تاريخي ضخم يعيد إنتاجه على الرغم من الاختلافات والتحولات في المجال التاريخي.

2- رجل السياسة الليبرالي: حاول أن يحتل المسرح السياسي، وبحكم تلاشي الطبقة الاجتماعية أو الشريحة التي كان يمثلها، فقد تم إقصاؤه عن الدولة والمجتمع، بعد ولادة الدولة القومية التي أسستها تكويناتها البرجوازية الصغيرة ذات النزعات الفاشية.

3- القومي التقني: تشكل مع الانقلابات العسكرية، حاول بناء دولة انحدرت من مشروع دولة وطنية أو دولة قومية إلى دولة فاشية، عشائرية، دفعت المجتمعات العربية والإسلامية من الحقل السياسي إلى الحقل الرعوي.

ومع تقلص البدائل الأيديولوجية والسياسية الشاغلة في هذه المجتمعات، أو فقدان قوتها الستراتيجية بسبب الأزمات العالمية، وظهور تأثيرات الحداثة المعرفية والسياسية، برزت ظاهرة الأصولية الدينية داخل المجال التداولي الإسلامي، وتمثل أحد احتقانات المسار الكوني للحداثة، ونتيجة للتغيرات الجذرية في شبكات البنى والقواعد المعرفية والأنظمة القيمية وأنساق الهوية والذهنيات التقليدية، وهنا تكمن الأزمة الدورية للأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية وآليات اشتغالها، وهي حصيلة مرتبطة بعجز كامل في الأدوات والمفاهيم والمقولات عن استيعاب الوقائع والمعطيات التاريخية، ويمكن إرجاعها إلى ثلاثة مآزق:

- مأزق تكويني؛ يتصل بالعناصر المكونة للمعرفة الدينية وبطبيعة هذه المعرفة، يظهر عادة عبر تنافر الموضوعات أو الآليات (مدى إجرائية الإجماع والقياس في المعرفة الدينية والاختلاف بشأن ذلك لاسيما في تنافر المواضيع المعقولة مع تلك التي ينبغي التسليم بها.

- مأزق بنيوي علائقيّ؛ وهو مأزق منطقيّ، يبدو من عدم قدرتها على الاستجابة لمجالها الذاتي تأسيساً أو إصلاحاً أو تغيراً من تبادلها مع مجال آخر وفي علاقتها بغير مجالها بما يحدث تركيباً مصطنعاً أو عجزا عن الإدماج، إذا حصل اقتراض.

- مأزق فاعلية؛ وهو مأزق عملي اجتماعي، يتصل بفعل المعرفة في المجتمع، أي اختلال قاعدة العرض والطلب، يطرح الواقع (قضايا ومشاكل) ما يتجاوز الأحكام والتشريع وتصبح الأزمة متعلقة بممكنات الاحتواء والاستجابة للمطلب الاجتماعي المتغير.

الأنظمة المعرفية الدينية وجدل البنيات المؤسساتية المعرفة الدينية كما يحدّدها "أركون"، قدّمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات، وإنما الأجوبة العملية القابلة للتطبيق والاستخدام بما يتعلق بالوجود والآخرين والمحيط الفيزيائي، بل حتى الكون.

أولاً: المعرفة الدينية بذاتها شكل أيديولوجي.

ثانياً: المعرفة الدينية لها أهمية في مجتمع خاصّ وعند نقطة تاريخية خاصة.

وهنا تشتق الأنظمة المعرفية الدينية (المعارف الحافّة بالدين) زخمها من الأجوبة التي تعطيها عن الأسئلة الوجودية وتعليلها للأصول التاريخية والنظام الطبيعي، فضلا عن السلطة التي تمتلكها نتيجة نقص التعليلات، سواء كانت تاريخية أو طبيعية أو تكنولوجية.

 تقوم الأنظمة المعرفية الدينية على تقنيات غير معقدة، وتؤسّس دلالاتها على زخرفة تنكرية بسبب تداخلها في متون متعددة من اللاهوت حتى السياسة والعلوم الطبيعية وأنظمة الخطابات (الخطابات السياسية، الخطابات الأيديولوجية التبشيرية، الخطابات الفلكلورية) يقوم بإنتاجها منظّرون علماء، صنّاع، فهي أنساق وعناصر اجتماعية تعمل في مجال التأكيدات الأيديولوجية، وداخل نظام المفاهيم الأسطورية الما قبل علمية، بانتمائها المرجعي إلى الحادث الديني، تمرّ عمليات إنتاج المعرفة الدينية عبر شبكات وآليات الأبنية المعرفية الدنيوية سواء تعلق الأمر بمفهوم الفقه السياسي أو الاندماج بالحداثة.

- إنّها نسق من مركبات الثقافة والتأطيرات الاجتماعية- الاقتصادية تقوم بعملية امتصاص الشاغل الثقافي، وتعيد إنتاجه عبر شبكة من التمثيلات فهي نتاج تاريخية أثريات النظام المعرفي.

- إنتاج أرحام مادية- تاريخية تختزل تقنيات الوعي الاجتماعي إلى وعي ديني، عبر تفكيك البنيات الأساسية للوعي.

- تتميّز الأنظمة المعرفية الدينية بخطاب لغويّ< منظومة لغوية خاصة يمكن تحويلها واستبدالها وقراءتها كـخطابات أيديولوجية للكشف عن وظيفتها>

- الأنظمة المعرفية الدينية (تصوّرات أو تمثيلات) تخفي وقائع اقتصادية – اجتماعية يحاول صانعوها إضفاء تأطيرات مطلقة عليها بوصفها خارج التاريخ.

ومن غير العلمي أن يجري البحث بشأن المعرفة الدينية بوصفها معرفة قائمة بذاتها وتتحرك على وفق قوانين فوق تاريخية أو وثائق ميتافيزيقية مفصولة عن تاريخيتها ومرجعياتها، لكونها ترتبط بنظام دلالي خارج عن الوعي الفردي (لهذا فهي تمثيلات لتلك العلاقات التي تربط الأفراد بظروفهم في الحياة (التوسير) إنها أنظمة تنازعية، تناظر الصراعات الاجتماعية ولا تنشأ بصورة تلقائية، أو من دون ممهدات سياسية في جوهرها، مندمجة بالأنساق الاجتماعية والفلسفية والاقتصادية لمجتمع خاص، فهذه المعرفة الدينية سواء كانت نتاج المجال الشيعي الإمامي (الخوئي) (الغروي)، أو المعرفة الدينية السنية (سيد قطب) (الكبيسي) (الترابي)، هي شبكة من التعبيرات متموضعة في حقل التاريخ ومرتبطة بـ حقل التفكير، وهي نتاجات بشرية تلعب دوراً وظائفياً في تغيب التراتب الهرمي للمجتمعات، وتقوم بتوصيف الكائنات الاجتماعية من أجل العمل الاجتماعي وأفعال التغير، وآليات البقاء والدفاع والإخصاب الجنسي، والسياسات الغذائية، والعلاقات مع الآخر الغرب، والمنتوجات الأدبية والأيديولوجية والثقافية، وتعليب اللحوم والأجبان، والأسلحة، وفق ثنائية (المقدس / المدنس) وتخضع للتمايزات في الهوية الدينية داخل الرحم المادي بسبب وظائفها المتعددة، للمحافظة على التوازنات وسلوك الأفراد وقداسة العناصر الثقافية، عبر شبكة معقدة.

المتن المقدس .. المؤسسة الدينية ، عمليات التبادل والاستهلاك (أفراد، جماعات)، الممارسات المعرفية، << أفراد ، جماعات >> لذا فإنّ فعاليات الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية تخضع للاشتراطات السوسيولوجية، عبر عمليات معقدة من الترابط والتفاعل مع البنيات المؤسساتية للمجتعمات، أسوة بالأنظمة العلمية والفلسفية والأخلاقية، عبر ثلاث قواعد منهاجية.

- السياقات اللغوية والإمكانيات التصورية والنظام المفاهيمي والمقولاتي.

- حقل تفكير الأنظمة المعرفية الدينية تشغل داخل النظام المعرفي القروسطي.

- الفضاء المجتمعي وعلاقات الإنتاج الاجتماعي والسياقات التاريخية.

 

نقد الثنائيات (الحداثة / الإسلام)

على الرغم من كثرة الدراسات والتحديدات والتفريعات فمن الصعب تقديم مقاربة أولية حول مفهوم (الإسلام / الحداثة) فهما بعيدان كل البعد عن الوضوح الفكري، خاصة أنّ هذين المفهومين غير محدّدين ابستمولوجيا داخل النظام الفكري العربي الإسلامي، وينتميان إلى سلسلة المفاهيم الالتباسية، لكونهما مشحونين بكمّ هائل من الهذيان الأيديولوجي والآنثروبولوجي والتاريخي. فالإسلام منظومة عقائدية تيولوجية، تمتلك نسقاً أيديولوجيا ثابتا، نسبياً، على الرغم من تنوع الهويات الأنثروبولوجية ( أديان ،طوائف، ملل )، هذا الثبات يؤكّد التمايز والاختلاف الدائم عن الآخر، فهو يحتوي على مخزون تاريخي ضخم من الاستيهامات والشعور بالتفوق المستديم.

في حين أنّ مفهوم الحداثة يشتغل في فضاءات اجتماعية، واقتصادية، وفكرية متغيرة. وتختلف اختلافات بينة عن المجتمعات التي تتنقل فيها الأنظمة المعرفية الدينية، ويحمل مفهوم الحداثة مجموعة من التصورات الأنساق ما بعد العصر الديني، أنه مفهوم واسع يتضمن المجال السياسي والاقتصادي والحقل الثقافي. وهي مشروع كبير ساهمت فيه المجتمعات الأوروبية جميعها، عبر سلسلة من الثورات حدثت منذ نهاية القرن السابع عشر في المانيا أولا، وانكلترا مع الثورة الصناعية، وفي النصف الأخير من القرن الثامن عشر في فرنسا، وقد رافق هذه الثورات تحوّلات لاهوتية، وتغيّرات في النظام القيمي والتقني والإداري حدّدت اتجاه تطور النظم السياسية والاجتماعية الأوروبية في التاريخ الحديث. فكانت الحداثة المادية والتقنية والحداثة الفلسفية المرتبطة بنموّ وتطوّر العلم الفيزيائي واكتشاف قوانين الطبيعة، ثم الحداثة الاقتصادية، والتي أدّت إلى نموّ الطبقات الاجتماعية الوسطى داخل المجال الأوروبي، ودخول هذه المجتمعات عصر الديمقراطية، ثم الحداثة الدينية التي حافظت على الجوهر الروحاني والأخلاقي وعقلنة النزعات الأصولية داخل الدين. لذا فإنّ الحداثة كـ جوهر ومسارات، تتضمن حاكمية القانون والمشاركة السياسية للجماعات البشرية، وحماية الملكية الفردية، وتحديد مكانة الفرد في التاريخ، بعيداً عن الهويات الفرعية، يصاحبها تحرير العلم البشري من قيود الأيديولوجيات واللاهوت، وعرض جميع المفاهيم والمقولات والسرديات الكبرى على حقل التداول النقدي، وبهذا المعنى، فإنّ عالم الحداثة هو انتقاله من عالم يسيطر فيه المقدس إلى عالم لا مجال فيه للمقدس عالم غير نمطي فيه اختلاف وممكنات لامتناهية، عالم يكفّ فيه الآلهة، دون أن يلغي حضورها وتصبح فيه الحداثة مولدة للمعنى، ويصل (التهامي) إلى نتيجة أن كل مشروع يرغب في التقريب بين الدين والحداثة آيل إلى الفشل .

 الهوية الأنثروبولوجية (للجماعات الإسلامية) تشكل الإسلام كـجماعات دينية لها نظمها ومعتقداتها الخاصة، شيّد كل منها حدودها الأيديولوجية التي تفصلها عن الجماعات الأخرى داخل الحقل المجتمعي، وتبني تمايزها في الرموز التاريخية والأسطورية وحقل الهوية، اعتمدت هذه الجماعات آليات التأويل والاستنباط، (عمليات بشرية، يقوم بها العلماء والمثقفون الدينيون) وهم أعضاء في المجتمع ومشاركون في تاريخيته، للإجابة عن الأسئلة التي كانت تطرح باستمرار. ويتم تعديل العلاقات بين العناصر الآيديولوجية المكونة للدين في الحقل الآنثروبولوجي للمجتمع، فقد ظهر الإسلام التاريخي كمنظومة عقائدية تحتوي على كتلة من التمايزات الدينية والسياسية والقانونية ولا تنحصر فعالياتها في المجال اللاهوتي، وإنما تعيد تشكيل مقولات الهوية عبر شبكة الانغلاق / الانفتاح / الاستيعاب، وآليات / التصنيف والتكفير، والتي من خلالها يتمّ بناء النظام المعرفي الديني للجماعات الإسلامية، ويمثل أنساقا فكرية ذات مصدر مفارق، حيث تتعدد وتتوالد أنماط من الأديان داخل الدين الواحد، وارتباطها بتعقد الاشتراطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحمولات الأيديولوجية للتاريخ، فالإسلام الرسمي تبلور مع تحديد الدولة وتقنين اللغة وترسيم المؤسسات الدينية التي تعيد إنتاج العلماء والفقهاء وبناء أيديولوجية السلطة، والمؤسسة ذات مكانة قدسية قائمة اعتماداً على النص مع اختلاف تأويله وتوظيفه. هذا الإسلام الأورثوذكسي يرتبط بالجماعات السياسية، ويتميز بالانتشار الواسع بين الطبقات الاجتماعية الوسطى، كما أنه يتماهى مع الدولة عبر مراقبة التعليم الديني، ودور العبادة، والرقابة على المطبوعات الثقافية، في حين يبدو الإسلام الشعبوي متشظياً ومرنا وغير مقنن أو خاضع لأنساق محددة، ويقوم على إعادة بناء توليدي بين الديني والاعتقادي والبراغماتي، في حركة دائمية فيما بينهما. إن هذا النمط من الإسلام، غير خاضع لقائمة لاهوتية إلزامية ولا مقنّنا على شروط وجود الجماعة الاجتماعية، تخترقه الأسئلة المتناقضة للمعرفة، يقدم إجاباته عبر استنفار المخزونات الأسطورية والسحرية، والمبالغة في النزعات الماضوية، ونبذ العلم وتحريفه، وتكريس النسق البيطرياركي، في حين يتسم الإسلام الميتافيزيقي الراديكالي بالفصل التام بين النص التأسيسي والتجارب التاريخية المتعددة بوصفها خارجة عن النص، يقع هذا النمط من الإسلام في مفارقة تحطيم النص التأسيسي والدخول في عملية جديدة من الأدلجة والهيمنة، تؤدّي إلى اختراق النسق الصلب من الدين أي (الجسم السياسي) الكامن في كليانية المفهوم الشمولي الإسلامي، والدمج بين المنظومة اللاهوتية والمنظومة السياسية، ويعيد إنتاج النظام المعرفي الديني ضمن أيديولوجية إقصائية مغلقة، وتعارضات مزدوجة بين المقدس / المدنس، وميل واضح إلى حقل يمكن عدّه (النظام المتكامل والمطلق) وتقوم منظومته على خمس أساسيات معرفية حسب توصيف علي حرب:

- معتقد اصطفائي أحادي يؤدي إلى أسطورة الفرقة الناجية.

- منظومة منهاجية أصولية تقوم على عبادة وتقديس التاريخ التأسيسي

الاسطوري الأول ومحاولة استعادته.

- احتكار المشروعية وطرح شعار (الحاكمة الإلهية).

- ستراتيجية الإقصاء للمختلف دينياً وسياسياً وفكرياً.

- اللجوء إلى العنف لتحقيق المشاريع والأفكار الطوباوية.

 الأنظمة المعرفية الدينية وإشكالية (الحداثة / الإسلام) أنتج النظام المعرفي الإسلامي، بجميع تنوعاته اللاهوتية (النسق الديني الشيعي) (النسق الديني السني)، شبكة من المعرفة تكمن وظيفتها في التبرير وطمس الفروقات والاختلافات، واللجوء إلى التلفيق الذي يفتقر إلى العقلانية، واختزال الأبعاد والصفات، لغرض تثبيت صور نمطية (للفرد) والجماعات المختلفة. وقد أخذت هذه المعرفة تمارس عمليات الاستبعاد التيولوجي ضد الآخر أو ضد منظومته المعرفية والمفاهيمية، أو الهيمنة على الممتلكات الرمزية اللاهوتية، أن النظام المعرفي الإسلامي يضع نفسه دائماً ضمن سيرورات الإجابة، ويشكل حضوراً مستمرّا ضمن مشاغل المجتمع، وداخل بنية الاشتراطات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية عبر طرق (الاستبدال، الاقصاء، البتر، التقنع، إعادة الإنتاج وإضفاء صفات دينية)، وهي آليات قائمة على تقنيات أيديولوجية، ويرى عبد المجيد الشرفي، أن النظام المعرفي الديني الإسلامي فقد القسم الأكبر من قيمته، وهو يعيش المشاكل ذاتها التي تعيشها الديانات الكبرى في التاريخ، يفتقد إلى منظومة مفاهيمية ومقولاتية إخصابية أو توليدية قادرة على بناء مشروع مستديم يندمج بالحداثة، وظهور نسقين حالا دون إعلان التنوير الديني.داخل المنظومة المعرفية الدينية الإسلامية.

الأول: النسق التكفيري، ويمثل إحدى صدمات الحداثة يستمد قوته الأيديولوجية من ضغوطات مسألة الهويات والمنظومة الرمزية للجماعات الإسلامية والصراعات السياسية بشأن الثروة / السلطة، ويقوم على تقديس النماذج العليا وتوظيف الرصيد الأسطوري ضمن البنيات المعرفية.

الثاني: أسلمة المعرفة بوصفها خطابا ميتافيزيقيا يحاول إيجاد صلة بين النص المقدس كمعرفة ما فوق علمية، والمعرفة الاجتماعية والمعرفة الاقتصادية، هذه العملية محاولة لإيجاد تأصيل محكوم برهانات سياسية أكثر ما هي مرهونة إلى تأسيسات معرفية حيث يتم داخل هذه العملية التنكر لتاريخ الحداثة واختراق الثوابت النصية للدين.

 

إشكالية الأزمة

هذان المظهران، مظهر حركات سياسية أصولية ومظهر تراث ثقافي مغلق، لا يقدّمان نمطا جديدا من الفهم القادر على تقديم حلّ لمشكلات (الحداثة) داخل العقل الإسلامي، فهما يعيدان إنتاج التضخيم الإحيائي في الأنظمة المعرفية الإسلامية عبر غياب الشروط والتأسيسات الأولية، ويقدمان على تسويات اختزالية واستنفار العناصر الآيديولوجية التعبوية داخل الدين.

لذا فإنّ أزمة الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية تطرح هنا بالاتساق مع أزمات التمدن والتطور والنهضة داخل المجال المجتمعي للعالمين العربي والإسلامي، على الرغم من هلامية هذا المفهوم فهذه المجتمعات تمثل كتلة هامدة خارج التاريخ الحداثي للعالم، ويعود ذلك لاشتراطات البنيات المؤسساتية كما يطرح ذلك العفيف الأخضر.

- غياب فاعل الحداثة التاريخي (البرجوازية الحديثة).

- عدم توفر أرضية الحداثة (الملكية الخاصة) والتي لم تدخل إلى الإسلام إلا بعد دخول العالم العربي الإسلامي مرحلة الكولونيالية.

- التثبيت العصابي بشأن الماضي والتعلق بالحضارات العتيقة ولاسيما عندما يكون المقدس هو العمود الفقري، حين يردع الورثة عن إنجاز عمليات التلاقح مع الحضارات الأخرى التي تنظر بمنظار (المركزية الاثنية) وقد تم اختيارها وفق العناية الإلهية، لذا فإن أي اقتباس (معرفي) من المجتمعات الأخرى (الكافرة) يوصف بأنه خيانة وانتهاك للمحرمات المقدسة.

- هيمنة التدين الشعبوي والذي يصنع دين الكراهية، وهو يمثل الكتلة الاسمنتية للأديان اللاعقلانية.

الأصولية التي تقيم مناحات يومية على الهوية الدينية والسياسية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2517 المصادف: 2013-07-27 15:19:08