 حوارات عامة

اثريات فهم الدين .. نقض احتكار الراسمال المقدس او الهيمنة على تأويل الخطاب

yousif mohsen(الفهم) فعل بشري للخطاب الديني يؤسس من قبل (الانتلجستيا الدينيين، التقنين، العلماء) 

تتّسم الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية بمنظومة من البديهيات، لكونها تخاطب / تكلّم المجموعات البشرية، بلغة غير هجينة فضلا عن أنّ الأنظمة المعرفية الدينية، تفتقد إلى جهاز مفاهيميّ ومقولاتي معقّد، يكون بحاجة إلى مستويات ثقافية أو إدراكات فكرية متقدمة. لذا فإنّ أول عمل إجرائي يتوجّب القيام به، عند تناول أزمة الأنظمة المعرفية الدينية، هو العودة إلى السير السوسيولوجية والسياسية للبنيات المؤسسية، والتي تمثّل أهمّ بكثير من محاولة فكّ طلاسم النصوص الدينية المعرفية، لاكتشاف المأزق البنيويّ لهذه الأزمة في الحقل الديني.

 أنّ التشكيلات الدينية تنطوي على نواة شاملة تنالها الأزمات كجوهر مقدس، أسوة بالمجال الآنثروبولوجي للدين (المتعدد والمتنوع)، ولكون النص الديني جزءاً من أثريات تاريخ الثقافة، نجد أنّ منتجي المعرفة الدينية (الأنتلجستيا، التقنيون، العلماء) يقومون ببناء شبكة من التمركزات والتحيزات الذاتية والتوازنات المعرفية والأنتظامات الثابتة والمطلقة، يعسر الإخلال بها، شأن الموقف المستديم من المفاهيم المفتاحية للتنوير والحداثة والإصلاح، كالتقدم والعقل والعلم والتكنولوجيا والحرية الفردية والآخر المختلف دينياً وسياسياً، ويتمّ تغليفها بطبقة مثيولوجية غير قابلة للخرق على المستوى الثقافي، وظيفتها حفظ الذات إزاء متغيرات الحداثة بالنسبة للأفراد والجماعات، هذه العملية تجري عبر التراكم البطيء والمستمر للنصوص، وتؤدي إلى (فهرسة نماذج ثقافية سريعة الانتشار، استبطانات دينية، فتاوي آليات تكفير، مزج مفاهيمي)، وهي محاولات لامتصاص صدامات الحداثة والضغوطات التاريخية، وقد أسهمت عوامل بنيوية معقّدة داخل المجتمعات الإسلامية، في ظهور عارم للخطاب الديني، المؤسّس سياسياً. صاحب هذه العودة تضخيم الذات الدينية في تاريخ المجتمعات الكولونيالية، إزاء فجوة التقنية والحداثة السياسية والفلسفية والأدبية والاقتصادية، وبروز السلطة الرمزية التصورية، المرتبطة بالوظائف المقدسة للأنظمة المعرفية الدينية، والتي تتمحور حول مفاهيم وعلاقات اقتصادية تشكل رؤية للعالم الواقعي (التاريخ، الهوية)، والعلاقة بين هذه المستويات والنظام الفوق- طبيعاني الذي يمثل حدّا فاصلا بين المجموعات الدينية داخل النظام الكلي للهيمنة على حقل المعنى المقدس.

لذا فإنّ قراءة حقل الأنظمة المعرفية الدينية، والذي يمثل أحد المنتجات الأيديولوجية (للدين) واكتشاف أدواته المنهاجية والمقولاتية وتأطيراته المجتمعية والأرضية السياسية، يتطلّب طرح شبكة من التقاطعات الفكرية والتاريخية، وإخضاعها إلى مجال التداول النقدي، حيث يقع (الإسلام)، غير المحدّد كنظام معرفي وديني، بالارتباط مع الحداثة في نقطة تمركز قصوى بشأن النرجسية القومية والتعصبات الهوياتية والتضخم والاستيهام الذاتي.

وهنا يتمّ طرح أزمة الأنظمة المعرفية الدينية، في ضوء أزمة البنيات المؤسساتية الصلبة (المؤسسات الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية وتحولات النسق السياسي وانهيار الخطاب العلمي التاريخي)، وتأتي هذه المحاولة على الرغم من كثافتها الفكرية، وفق متطلبات النشر، لتقديم تصورات نظرية عن هذه المسألة وتمظهراتها الأيديولوجية بوصفها أنتاج رحم مادي – اجتماعي، وعلاقتها بالسيرورات عبر الفاعلين (أفراد- جماعات- مؤسسات) لترسيم الهوية/المعرفة/ القوة، وتشريح النظام المعرفي الديني الإسلامي كأنموذج، وإعادة اكتشاف ممكنات الحداثة، لتجاوز الوحدانية والعقل الاصطفائي والنصية المقدسة، التي يتميز بها الحقل الفكري الديني بشأن أسلمة المعرفة والثقافة والسلطة السياسية.

 

نحو ممكنات نظرية للحداثة

يطرح ماركس موضوعة ذات أهمية قصوى بقوله: إن البشرية لا تضع لنفسها إلا مهام تستطيع حلّها، ولئن نظرنا إلى القضية عن كثب لوجدنا دائماً أن المهمة نفسها لا تظهر إلا حين تكون الشروط المادية كلها موجودة أصلاً، أو تكون على الأقل في سيرورات التشكيل.

لذا فإنّ الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية سواء كان (النظام المعرفي الشيعي أو النظام المعرفي السني) لم تشتغل بسؤال الحداثة منذ منتصف القرن الماضي، أي منذ بروز الدولة القومية الفاشية العربية ودخول المجتمعات الإسلامية في مرحلة الاستقلالات الوطنية واستخدام الدين (الإسلام) كأداة للتضخم الذاتي والإقصاء والتصنيف وتكفير الآخر، كما هو واضح في أعمال سيد قطب والمودودي وأبي الحسن الندوي ووحيد الدين خان، ولو نظرنا بدقة إلى الحقل الإسلامي والأنظمة المعرفية الدينية كفضاء مشخص لمحاولة اكتشاف أي طبقة اجتماعية أو جماعات معرفية قادرة على حمل مشروع حداثوي، نجد أن هذه الجماعات تؤسس نفسها على مجموعة الفقه السياسي الكلاسيكي، وهو مبنى وفق تصورات تراثية بشأن طبيعة الدولة الحديثة، ويمثل أهمّ مكامن العطب حيث يتم النظر إلى الحداثة والتنوير على أنها مجال قهري وهيمنة مصاغ بمعطيات تركيبية من الثقافات اليهودية والمسيحية.

هذا العجز التاريخي الذي تعانيه المجتمعات الإسلامية المتعلق بإعادة إنتاج الانفصاليات الدائمية بين المعرفة الدينية الإسلامية والعصر التاريخي الحديث، يؤكد هيمنة منظومة لاعقلانية أسطورية داخل (حقل التفكير) ولا يمكن القفز والاندماج بالحداثة إلا عبر قطيعة معرفية بها، وتفكيك النسق السياسي لهذه المنظومة.

لا يمكننا الحديث عن إصلاح المنظومة المعرفية الدينية الإسلامية بدون إصلاح المجال السياسي كـ اقتصاد متمركز داخل الفضاءات الاجتماعية بهذه المجتمعات، بوصفه أصل كل فساد حسب توصيفات الطهطاوي، ولو تساءلنا ما الشروط الموضوعية التي تستطيع فيها الأنظمة المعرفية الدينية على الرغم من عدم استطاعة التنوع الآنثروبولوجي تشكيل قطيعة أصلاحية؟ أو خلق ممكنات نظرية لإنتاج معرفة دينية تندمج بالحداثة؟ يتطلب كـ شرط أولي تطوير مواقع مختلفة وحقول متناقضة في تفكيك التمركزات والتحيزات الدينية، واستنطاق الأبعاد السياسية والاقتصادية والفكرية، وبالذات التجليات المؤسساتية للأنظمة الأيديولوجية الكليانية الدينية، والمباشرة بحركة ضخمة من النقد الفلسفي والعلمي للتراث الديني، ونقد الممارسات السياسية لمتن المقدس بوصفه أول حقول الاشتغال النقدي. ثم قراءة شبكة التصورات التي كونها الإسلام الآنثروبولوجي عن (الله) (الإنسان) (العالم) وإيجاد علاقة بين الدين/ المعرفة وموقعهما من نظام الواقع المجتمعي، وتحرير العقلانية الإسلامية من اللاهوت القروسطي، وعدم الاعتراف بأي مصدر مفارق بوصفه العامل الأساسي للتاريخ، وعد الأنظمة الأيديولوجية الأخرى (الفكر، الثقافة، المتخيل) تلعب أدوارا أولية متباينة في العملية التاريخية، للكشف عن بنية المعرفة الدينية بكونها انتاجا أيديولوجيا من بين انتاجات أخرى، والفصل بين المجالين (الدولة) (الدين) وادماج المنظومة الفقهية في الحقل التاريخي البشري، فضلاً عنما يحدده الآنثروبولوجي مالك شبل جملة من العناصر الإجرائية لإصلاح المنظومة الأساسية للإسلام، التى تتكون مرجعيتها الفلسفية والسياسية من قيم القرن الثامن عشر وعهد التنوير الأوروبي، والدمج بين إصلاح المجال السياسي وإصلاح المجال الديني.

- إعادة تفسير النص المقدس داخل حقل المتغيرات التاريخية.

- أولوية العقل على النقل واستقلاليته إزاء المنظومة الدينية.

- إدارة المجتمعات عن طريق المنظومة السياسية وفصل السياسة عن الدين.  

- وضع الإنسان كـ حجر زاوية في التاريخ ومركز الحياة الاجتماعية.

- تنمية الفردانية والتعبير الذاتي للتميز بين المستوى الجماعي والمستوى الفردي.

- إشاعة الاختلاف والتنوع وحرية التفكير وإصلاح النظام التعليمي واحترام الآخر المختلف دينياً وسياسياً.

- عدّ الجهاد ظاهرة غير شرعية كونه يتضمن القتل.

- مراجعة القوانين المدنية وتدعيم وضع النساء في المجتمعات الإسلامية، ونزع الصفة اللاهوتية عن منظومة القوانين الاجتماعية.

- فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية والسلطة القضائية.

- تحرير النص الديني من مركزيات التراث وهيمنة رجل الدين على

- مفاتيح النص والتركيز على بنية تاريخية للمعرفة الدينية.

- نفي الرؤية المثالية للعالم والتأكيد على العناصر السوسيولوجية للمجتمع.

 

الحقل السياسي العراقي والاصلاح الديني والحداثة

يعد مشروع التنوير لاسيما في المجتمعات التي تعيش حالة عدم الاستقرار ضرورة موضوعية للدخول إلى حقل التاريخ والمجتمع العراقي، حالة أنموذجية لمجتمعات ما قبل التاريخ الانقسامات السياسية والطائفية والقومية والاثنية وعمليات التلاعب بالهويات والنظام الرمزي، جارية منذ العام 1963 وحتى الآن، فقد تم نقل الصراعات السياسية والتوازنات الهشة للطوائف والاثنيات إلى الحقل المقدس، هذا الحقل الشائك والمعقد والمشبع بالتفاصيل هو إحدى المولدات الأساسية للعنف وتمزق الهوية الوطنية العراقية وتخريب نسيج الاجتماع البشري.

في هذا الحقل تتداخل تمثيلات الطائفية الدينية وتتقاطع مع عناصر المعرفة السياسية وسلطة الدولة والطوطم والكارزمات والأساطير والخرافات وهي استعارات أكثر اتساقا في التكوينات المجتمعية العراقية لأقنعة الصراع السياسي نتيجة للتركيبات الديموغرافية للعراق حيث أخذت بعد التغيير2003 وانهيار الدولة الكليانية الفاشية البدوية تتشكل كانماط من التمركز حول الذات للطوائف والقوميات.

هذه الوضعية التاريخية أدت إلى أزمات سياسية مستديمة ظهرت بقوة مهولة في صدام الهويات الأصولية الطائفية وجدت اشباعاتها في الأرضية التقليدية وتخلف البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية وضعف الحراك الفكري للتيارات الليبرالية أو العلمانية وأزمة تكون الدولة العراقية الحديثة وتخطيطات الهوية الغامضة، ان هذا التصميم الجديد للدولة له علاقة واضحة بالجماعات البشرية السياسية و من خلالها يتم تعريف الهوية بالمعنى التاريخي وتحول الطائفية السياسية في العراق إلى نواة مطلقة تمنح الشرعية الكاملة للوجود الموضوعي للمجتمع وتحقق استيهامات تخيلية للأفراد . فأية مراجعة دقيقة لتاريخية العراق الحديث، نكتشف عبرها سلسلة مروعة من الحروب والعنف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والانغلاقات الثقافية والتهميش والاقصاء للجماعات والمكونات والابادات المتبادلة والعنف الأيديولوجي وعمليات إعادة إنتاج الإخضاع والهيمنة داخل النسق السياسي للسلطة أسهمت وعبر مسار تاريخي طويل بإيجاد حقل من التوتر المستديم داخل العالم الواقعي للمكونات العراقية، وأدت بالحراك السياسي في البنية المجتمعية إلى اعتماد جملة من القوالب الجاهزة والمقطوعة الصلة عن الواقع، وهي جزء من التفكير النمطي القائم على الخلط العشوائي بين مجموعة من التحليلات الفكرية البدائية متعددة الاصول (أساطير، خرافات، تقاليد) فضلا عن ان هذا الحراك يعتمد الولاءات التقليدية ما قبل الحداثة (الطائفية، القبيلة، العشيرة، الدين الشعبوي) .

هذا التكوين البنيوي جعل المجتمع والدولة العراقية تعانيان من استقرارات مؤقتة وذلك لعدم توافق نظام البنى الاجتماعية المتخلفة تقنيا والجماعات السياسية الفاعلة والأنساق الأيديولوجية الحداثية المطروحة كمشاريع في حقل السلطة والاقتصاد والفكر سواء كان المشروع القومي أو المشروع الاشتراكي أو المشروع الإسلامي الذي اثبت ضعفه البنيوي وعاد إلى استثمار البنى العشائرية والقبلية واستنفار محزون ضخم من الأساطير والخرافات السياسية.

هذا العرض المختزل للمسألة العراقية، حول طبيعة مشروع التنوير في العراق والمسألة السياسية وارتباطات الدين بالدولة ومأزق الديمقراطية وإشكالية البنية الثقافية وارتباطاتها بالمجال السياسي. ما الأسس الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية لإقامة مشروع تنويري في العراق؟

ما الاشتراطات الموضوعية والوسائل والحاجات؟

وهل هناك بوادر لهذا المشروع وسط الفوضى العراقية؟

بعد انهيار الدولة الفاشية لم يخضع الحقل الثقافي العراقي إلى متغيرات كبيرة وذلك لارتباطات هذا الحقل بطبيعة السلطة السياسية وتركيبات البنى التقليدية والقوى الاجتماعية السائدة، قامت النخب الثقافية والسياسية بإعادة إنتاج الثقافات ما قبل الدولة الحديثة (الطائفية، الاثنية، القومية) وذلك لعدم تبلور (جماعات المثقفين العراقيين) وتشكلهم كقوة فاعلة في التاريخ فضلا عن دوغماتية الأحزاب السياسية العراقية فقد أخذ الحقل الثقافي يتماهى مع المشهدية السياسية متشظيا إلى ثقافات فرعية، تعاني النخب الثقافية العراقية من اختلالات هيكلية أو انفصام تاريخي فهي مندمجة في خطابات ثقافوية شعبوية تقع في حقل الصراع بين الثقافة الشعبية والثقافة العالية وبوادر تكرار النزوع إلى الهيمنة السياسية على الحياة الثقافية وتورط الثقافة والفنون بمهمات تعبوية، لذا فان تأسيس مشروع ثقافي تنويري هو من مهمات المثقف العراقي للمساهمة في صنع نظام إنتاج ثقافي متعدد المصادر ومتنوع الاتجاهات يروج لرؤية إنسانية عقلانية منفتحة على العالم، تسهم في ترسيخ قيم المساواة وحرية الإنسان وكرامته وخلق استجابات عامة للفن والجمال بعيدا عن آليات الحذف والصهر للثقافات الفرعية سواء كانت هذه الثقافات،كردية وايزيدية أو تركمانية أو آشورية والانتقال إلى النظام الثقافي التعددي، وقراءة تاريخ المجتمع العراقي كجزء من التاريخ العالمي الكوني وليس بوصفه وحدات منفصلة وإنما كصيرورات تاريخية وتنمية الأبحاث والدراسات التاريخية والاقتصادية والفلسفية واستخدام المنهجيات المعرفية الحديثة والمفاهيم ونقد الجذور النظرية والفكرية والممارسات السياسية للكتابات ذات المنحى الفاشي التي تم إنتاجها داخل تمثيلات النظام الثقافي العراقي وهو الدرس الموضوعي لنهاية شكل من أشكال الرؤية الأحادية في النسق البنيوي للثقافة العراقية.

ان الفعل الإجرائي الأول الذي يتطلب القيام بمشروع التنوير في المجتمع العراقي، هو أحداث قطيعة معرفية مع الثقافات التداولية التي تحمل إحكاما أيديولوجية مسبقة وتفتقر للعلمية السياسية والرهان على إنتاج معرفة موضوعية تتكرس أساسا في الإنتاج الفلسفي العقلاني والنظم الاجتماعية والأنساق القيمية بوصفها توليفية شمولية متكاملة وإنتاج مفاهيم محايدة عن البنى السوسيولوجية وتسمية الدوائر والهويات العراقية المتعددة بعيدا عن النبذ والانغلاق والتعصب والخروج من التأطيرات الاصولية التي هي رد فعل سلفي هجائي قوامه الرفض المستديم للآخر والاندماج بالحداثة العالمية وتأسيس البديل السياسي في العراق الذي يقوم على الشراكة لإعادة بناء الدولة الوطنية المتعددة ثقافيا واثنيا وتقيد التسيس المنفلت للهويات الفرعية وتعزيز عملية الدولنة، أي تمكين الدولة من احتواء المجتمع الأهلي وتحديث الولاءات عبر إرساء ثقافة سياسية مصدرها الإنسان كوجود وقيمة وحقوق قائمة على التعايش والتعاقد تتسع للتنوع والخصوصيات المحلية وبناء مؤسسات دستورية سياسية وانسحاب الدولة من المجال الطائفي والقومي والاثني.

 

الدين شكل من أشكال الثقافة

تطرح المؤرخة العراقية فاطمة المحسن مسألة في غاية الأهمية لفهم حركة الإصلاح الديني في العراق، تقول: لا يمكن معالجة موضوع الاصلاح الديني دون دراسة تكوين النظام العائلي المهيمن على الدين الرسمي والشعبي في العراق، حيث لم تقدم حركة الإصلاح الديني الإسلامي في العراق اسماء بارزة تضارع شخصيات الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبدة وخير الدين التونسي ورشيد رضا، وهذا يدل على ان حركة الإصلاح الديني في العراق لم تتبلور كحركة أو تيار يتجاوب مع المحيط العربي والإسلامي وهذه المسألة تطال البنية الفكرية للطائفتين في العراق (الطائفة الشيعية والطائفة السنية) وتضيف المؤرخة ان سيادة الطابع الأبوي للثقافة الإسلامية في العراق قد أسهم في اكتساب نزعة محافظة، بسبب مراتبية التوارث، حيث يصبح السير على نهج الأسلاف من العائلة التي ينتمي إليها المشتغل بأمر الفقه والفتوى والتاريخ والأدب، واجباً يتعين عليه الأخذ به كي يحفظ لعائلته تلك المكانة الكارزمية، كما ان مهنة التدريس والاعتماد على الهبات والمساعدات من العامة جعل الثقافة الدينية مرتهنة إلى واقع يأبى خروجها من السائدة، حيث ان الكاتب والمفكر ورجل الدين والفقية المتضلع بأمور الدين يحرص على الاحتفاظ بمقبوليته عند الناس ويخشى غضبهم ويتحاشى الاجتهاد في أمور تنفر الناس منه أو تجعله عرضة للتكفير. هذه الهيمنة لرجل الدين في المجتمع العراقي تتطلب الحفاظ على المكتسبات والنفوذ عبر السيطرة على المريدين والأتباع وإنها كانت وراء كبح محاولات الإصلاح الديني، ويذكر ان هناك محاولتين للإصلاح الديني في الفكر الشيعي باءتا بالفشل الأولى محاولة محسن الأمين العاملي الذين كان أول من حاول رفض طقوس دينية، أما المحاولة الثانية فهي الثورة التي سميت بالمشروطة ويغلب عليها الأثر الإيراني، فعبر كتاب محمد حسين النائيني (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) والذي يعد من أهم المشاريع الإصلاحية، حيث يبين النائيني ان الديمقراطية الغربية استقت أصولها من الإسلام ثم جاءت أفكار هبة الدين الشهرستاني والذي نشرها في مشروع (مجلة العلوم) و اتخذ موقفاً دفاعياً من الدين وتحويل العلم إلى فرع من فروع الإيمان الديني في حين اتخذ محمد رضا الشبيبي موقفاً توفيقياً بين العلم والدين.

بعد هذه المقدمة دعونا نتساءل ما هي الأسباب البنيوية لفشل الإصلاح الديني في العراق؟ لما انتصر الفكر الراديكالي منذ عشرينيات القرن الماضي في المجتمع العراقي؟ لماذا تجاوزنا الطريق السلمي لتسلم السلطة، بوساطة النظام البرلماني، ودخلنا في متاهة الانقلابات العسكرية والتي فتكت بالدولة وبالمشروع النهضوي العراقي والذي ظهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وامتد حتى ستينيات القرن الماضي وأنتج فتوحات على الوردي السيوسيولوجية، وانجازات جواد علي في التاريخ وأفكار الرصافي والزهاوي التنويرية فضلاً عن ذلك الانجازات القصصية والشعرية والفكرية، لجماعات الاشتراكية الفابية والاشتراكية العلمية.لما لم تلعب الطبقة الاجتماعية الوسطى دوراً سياسياً في مشروع وطني سياسي وواقعي في الإصلاح الديني؟

هنا تعود إلى درس ماركس في البنى الاجتماعية الصلبة، ان طبيعة التكوين الريفي للمجتمع العراقي يجعله بعيداً عن التكيف مع الأفكار الإصلاحية أو الليبرالية وإنما يستسلم إلى الأفكار الراديكالية والعنف الثوري والمرتكز على مقولات ما قبل الدولة فضلا عن هشاشة البنى المدنية والمؤسسات يجعل المجتمع العراقي في دوامة أو متاهة سرمدية.

فضلاً عن ذلك ان مشروع الإصلاح الثقافي الديني يقوم على ثلاثة رهانات كبرى تتمثل في رد الاعتبار إلى الآخر أولاً ورد الاعتبار إلى المرأة / المواطنة الحديثة وكذلك رد الاعتبار إلى العقل البشري، وهذا معناه تحرير الوعي الإسلامي من العوائق اللاهوتية في استقبال الحداثة، وطرح أسئلة التعرية وتفكيك الخطاب الديني من داخل التراث الارثوذوكسي بوصفها نصوصاً آنثروبولوجية خاضعة للدراسة والتحليل، هذا الدرس الديني الجديد لا ينظر إلى الإسلام بوصفه كتلة واحدة وإنما هناك اسلامات تاريخية غير متجانسة، ممكن ان تقبل بمفاهيم التنوير والحرية والديمقراطية أو المفاهيم الحديثة. مسألة الخلل في الفكر الديني الإسلامي، والذي يضفي بعداً مقدساً على انتاجات الفتاوي والأحكام الفقهية عبر التاريخ فضلاً عن ذلك عدم التميز الحاصل بين الدين كجوهر والشريعة والتي هي إنتاج الثقافات البشرية، إن هذه النصوص جاءت في سياقات حوارية مع جمهور متنوع وظيفتها رد الاعتبار إلى الايمان الإنساني واستعادة جدل التنوير. وتتميّز الأنظمة المعرفية الدينية بخطاب لغوي< منظومة لغوية خاصة يمكن تحويلها واستبدالها وقراءتها كـ خطابات أيديولوجية للكشف عن وظيفتها> الأنظمة المعرفية الدينية (تصوّرات أو تمثيلات) تخفي وقائع اقتصادية – اجتماعية يحاول صانعوها إضفاء تأطيرات مطلقة عليها بوصفها خارج التأريخ.

ومن غير العلمي أن يجري البحث بشأن المعرفة الدينية بوصفها معرفة قائمة بذاتها وتتحرك على وفق قوانين فوق تأريخية أو وثائق ميتافيزيقية مفصولة عن تأريخيتها ومرجعياتها، لكونها ترتبط بنظام دلالي خارج عن الوعي الفردي (لهذا فهي تمثيلات لتلك العلاقات التي تربط الأفراد بظروفهم في الحياة (التوسير) أنها أنظمة تنازعية، تناظر الصراعات الاجتماعية ولا تنشأ بصورة تلقائية، أو من دون ممهدات سياسية في جوهرها، مندمجة بالأنساق الاجتماعية والفلسفية والاقتصادية لمجتمع خاص، فهذه المعرفة الدينية سواءً كانت نتاج المجال الشيعي الامامي (الخوئي) (الغروي)، أو المعرفة الدينية السنية (سيد قطب) (الكبيسي) (الترابي)، هي شبكة من التعبيرات متموضعة في حقل التاريخ ومرتبطة بـ حقل التفكير، وهي نتاجات بشرية تلعب دوراً وظائفياً في تغيب التراتب الهرمي للمجتمعات، وتقوم بتوصيف الكائنات الاجتماعية من أجل العمل الاجتماعي وأفعال التغيير، وآليات البقاء والدفاع والإخصاب الجنسي، والسياسات الغذائية، والعلاقات مع الآخر الغرب، والمنتوجات الأدبية والأيديولوجية والثقافية، وتعليب اللحوم والأجبان، والأسلحة، وفق ثنائية (المقدس/ المدنس) وتخضع للتمايزات في الهوية الدينية داخل الرحم المادي بسبب وظائفها المتعددة، للمحافظة على التوازنات وسلوك الأفراد وقداسة العناصر الثقافية، عبر شبكة معقدة تمر عبر المتن المقدس إلى عمليات التبادل والاستهلاك (افراد أو جماعات).

 

يوسف محسن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2521 المصادف: 2013-07-31 11:00:35