 دراسات وبحوث

تفسير سورة البقرة (1)

abdullah al maliki10018المقدمة: السورة هي مجموعة من الآيات، هذا ما يفهم من العرف القرآني، أما لغة فقد تعني "المنزلة الرفيعة" ولهذا أطلق العرب على البناء المرتفع "لفظ السور" والحقيقة أن أهمية السور تكمن في الأشياء التي تقع بداخله وإن كان ارتفاعه متواضعاً، فالعلة ليست في نوعية السور وإنما في الحصن المانع أو المادة التي صنع منها، وهذا ما يجعلنا نقف أمام السور القرآنية بهذا الوجه المثير والمعبر عن علاقة جميع السور بعضها ببعض دون النظر إلى قصرها وطولها، أو اختصارها واطنابها، فكلها تعتبر بمثابة البناء الواحد المؤلف من نفس المادة التي تتحد في نفس الأهداف والغايات، ومن هنا يمكن توجيه قول النابغة:

ألم تر أن الله أعطاك سورة .. ترى كل ملك دونها يتذبذب

وقد ورد ذكر السورة في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) النور 1. وكذا قوله: (وإذا ما أنزلت سورة) التوبة 127. وقوله: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) التوبة 64.

أما معنى الآية لغة فهي العلامة الدالة على وجود الأشياء المحسوسة والظاهرة، كما في قوله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) الشعراء 128. وكذا في قول الشاعر:

توسمت آيات لها فعرفتها .. لستة أعوام وذا العام سابع

وفي العرف القرآني هي وحدة بناء السورة، كما في قوله تعالى: (وأنزلنا فيها آيات بينات) النور 1. وكذا قوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية) النحل 101. ولأجل دراسة القرآن الكريم وفهمه على الوجه المطلوب فقد قسم إلى سور وآيات، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق هذا التقسيم الذي يجعل الآية الواحدة تحمل أكثر من نقلة وأكثر من معنى وإن كانت هناك أسباب أخرى قد يخرجنا تفصيلها عن موضوع البحث الذي نحن بصدده، أما التحزيب الموجود في المصحف فقد كان بأمر الحجاج بن يوسف كما قيل، حيث أن هذا الرجل كان يهتم في هذا الجانب، ولهذا توصل إلى الكلمة التي تنصف القرآن الكريم وهي "وليتلطف" من قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) الكهف 19. ثم استخرج من نفس الكلمة حرف التاء الذي ينصف القرآن الكريم من حيث الحروف، وهذا خلاف التحزيب الموجود في زمن الصحابة "رضي الله عنهم" والذي يعتمد على تقسيم السور دون النظر إلى الآيات، أما جمع القرآن وتقسيمه إلى سور وآيات فهو وإن كان بيد الصحابة إلا أنه

أمر توقيفي، لأن الاعجاز يصاحب التفريق وكذلك يصاحب الجمع الذي وصل إلينا وهذا لا يمكن أن يكون إلا بأمر من الله تعالى.

وبناءً على ما تقدم يظهر السبب في الطول والقصر الذي ترتبت عليه السور، وكان من نصيب سورة البقرة أن تكون هي الأطول من بين جميع سور القرآن الكريم، وهي مدنية وعدد آياتها مائتان وست وثمانون، وسبب تسميتها بـ "سورة البقرة" لاشتمالها على القصة الشهيرة التي حدثت في زمن موسى "عليه السلام" والتي تظهر فيها آية عظيمة من آيات الله تعالى ألا وهي احياء القتيل الذي أشارت له في قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة .. إلى قوله .. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) البقرة 67-73. فأسماء السور تؤخذ إما من الحدث البارز في السورة أو من مطلع السورة، وهناك بعض الآيات قد اشتهرت بأسماء أيضاً، كآية الكرسي، الدين، النور، السيف .. الخ. وتعد سورة البقرة من أهم السور التي كان لها الدور الكبير في التشريع وهذا ما دأبت عليه السور المدنية التي تعنى بهذا الجانب، وذلك لأن المدينة كانت من أهم مراكز تجمع أصحاب الشرائع الأخرى إضافة إلى المشركين والمنافقين، ومن هنا كان اهتمام السور المدنية بهذا الجانب بخلاف السور المكية التي التزمت جانب العقيدة.

وتشتمل سورة البقرة على معظم الأحكام التشريعية سواء في العبادات أو في المعاملات، وقد بدأت السورة بذكر صفات المتقين وما يقابل ذلك من صفات الكافرين ثم بينت صفات المنافقين باطناب وضربت لهم الأمثال لأجل أن تبين الخطر الذي يأتي عن طريقهم، ثم انتقلت للحديث عن بدء الخليقة، وذلك في قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة 21. وتفرع هذا البيان على خلق آدم وجعله خليفةفي الأرض وتعليمه الأسماء، كما في قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة .. إلى قوله .. قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 30-38. بعد ذلك انتقلت إلى أهل الكتاب وخاصة اليهود، باعتبارهم الثقل الأكبر في المدينة، وقد بدأت الحديث عنهم من قوله تعالى: ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) البقرة 40. إلى قوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) البقرة 124. وفي متفرقات السورة تظهر هناك مجموعة من الاحياءات التي تثبت القدرة الإلهية على البعث بعد الاماتة، كما في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) البقرة 243. وكذا قوله: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه) البقرة 259. وقوله: (ثم ادعهن يأتينك سعياً) البقرة 260. وقيل إن في هذه الآيات دليل على الرجعة وهذا غير سديد لأنها تتفرع على قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) البقرة 28.

أما التشريع فكان له النصيب الأكبر في سياق السورة كأحكام الصوم والحج والجهاد وشؤون الأسرة ثم انتقلت للحديث عن الربا ومدى الأضرار الناتجة عن التعامل به، كما في قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع

وحرم الربا .. إلى قوله .. فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) البقرة 279. ثم انتقلت إلى أطول آية في القرآن الكريم وهي آية الدين التي يقول فيها تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل .. الآية) البقرة 282. ثم ختمت السورة بالدعاء، وذلك في قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) البقرة 286.

 .. .

الآية الأولى

نزل القرآن الكريم على غرار ما هو مألوف عند العرب في ديوانهم المتضمن لجميع أنواع الشعر التي يتفنن بها الشعراء بين الرجز والهزج والمقبوض والمبسوط إضافة إلى تصوير حياتهم وما يحدث بينهم من حروب وغزوات وصولاً إلى علاقاتهم الخاصة وجلساتهم التي يتفاخرون بها بالنفس أو القبيلة وما إلى غير ذلك، وقد جُمعت أشعارهم وسيرهم في هذا الديوان الذي نزل القرآن على غراره وزيادة، وهذا ما يفهم من اشتمال الأول على القصائد والثاني على السور، وتتكون القصائد من الأبيات فيما تتألف السور من الآيات، وتسمى نهاية الأبيات بـ "القوافي" ويطلق على نهاية الآيات "الفواصل".

فإن قيل: إذن ما هي الزيادة التي أشرت لها؟ أقول:

أولاً: المبالغة في الخيال الشعري: وهذا يتعلق بشيء من عدم الصدق الذي لولاه لما كان للكلام أن يصل إلى ملامسة القلب على الوجه الذي يريده الشاعر، وقد وجد هذا الضرب من الخيال في القرآن الكريم، إلا أن قياساته تبنى على الأمثال التي يتلقاها الإنسان عن طريق المخيلة التي تجعله يقوم بتحليل الكلام على ما يحاكي عصره دون النظر إلى المستجدات الخافية التي يقررها العصر اللاحق بدرجات تفهم من خلال المقتضيات الآنية التي ترتبط في مقام الكلام والنسب المتفاوتة التي يحتملها، كما هو الحال في تعليم الأسماء لآدم "عليه السلام" أو الرحلة التي قام بها موسى مع العبد الصالح، وكذا في متفرقات القرآن التي يمكن أن تكون أقرب إلى المثل المقرر في سياقه الذي يشتمل على الأبعاد الحادثة أو التي تظهر في كل وقت، كما في قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين***فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) الأعراف 189-190.

من هنا يظهر الفرق بين الكلام الذي جاء به القرآن الكريم وبين المباني الشعرية الخاضعة إلى تحكم النفس البشرية، أو مقتضى الحال الذي يمر به الشاعر الذي يُحسّن القبيح أحياناً أو العكس، إضافة إلى المصالح الخاصة ورثاء الأهل والثناء على أصحاب الشأن وهكذا، ولهذا كان الاهتمام بفلسفة الشعر يأخذ الجوانب الايجابية في تبيان الحقائق التي يعجز عن فهمها من كان بعيداً عن الذائقة الشعرية، أو عن دراسة أحوال العرب قبل نزول القرآن الكريم، وأنت خبير من أن بعد المسافة الزمنية تجعل التنقيب عن المعنى الشعري لا يرقى إلى المستوى الحقيقي، ما لم يكن هناك شرحاً وافياً للكلام أو تحليله فلسفياً من قبل أصحاب الذوق الرفيع، أو ما يعبر عنهم بأصحاب الصنعة الشعرية، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده، هو ما قيل إن الفرزدق سمع إلى رجل ينشد معلقة لبيد بن ربيعة التي يقول في أولها:

عفت الديار محلها فمقامها .. بمنًى تأبد غولها فرجامها

حتى وصل إلى البيت الثامن الذي يقول فيه:

وجلا السيول عن الطلول كأنها .. زبر تجد متونها أقلامها

فما كان من الفرزدق إلا أن يسجد عند سماع هذا البيت، فقيل له ما هذا؟ فقال أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر. وبناءً على ما تقدم يظهر أن المدح والرثاء أو الهجاء مثلاً لا يستقيم إلا إذا تنازل الشاعر عن الصدق الذي لا سبيل له عند أرباب هذه الصنعة الذين يحق لهم الدخول في جميع الأودية مما يجعل كلامهم يحتمل التناقض في طياته، فالذي يُمدح اليوم ممكن أن يُذم غداً، والقبيح سيصبح حسناً وهكذا فالأمر لا يتعدى إلى أكثر من الحالات التي تبنى عليها مصالحهم أو ما يرضي القبائل التي ينتمون إليها، ولذا قال تعالى فيهم: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين***تنزل على كل أفاك أثيم***يلقون السمع وأكثرهم كاذبون***والشعراء يتبعهم الغاوون***ألم تر أنهم في كل واد يهيمون***وأنهم يقولون ما لا يفعلون) الشعراء 221-226. وكذا قوله: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) يس 69. وقوله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) الحاقة 41. من هنا يمكن الوصول إلى معرفة الفرق بين القرآن الكريم وبين الشعر، فالأول ملاكه الصدق والثاني يعتمد على الخيال والمفاخرة والانتقال من واد إلى آخر تبعاً للحياة التي تعيشها القبائل آنذاك. فإن قيل: ألا يعتبر هذا الطرح تقليلاً من شأن الأدب العربي؟ أقول: أنا أتكلم من جانب المتن الشعري دون التقليل من البلاغة التي لولا الاعتراف بها لما ظهرت درجات التحدي بينها وبين القرآن الكريم.

ثانياً: اختلاف القواعد الشعرية مع القرآن: ومن الأمثلة على ذلك ما نجده في معلقة امرئ القيس التي يقول فيها:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فقد قيل إن امرئ القيس كان يخاطب صاحبه بصيغة المثنى لأسباب تتعلق بالضرورة الشعرية أو النسق الذي يتحكم في فحوى الكلام ومقامه، وما قيل إنه خاطب الكلب والبعير فلا يعول عليه في مواقف تحتاج إلى البكاء على الأطلال، أما ما ذكره عنترة عن حصانه فذاك شأن آخر، ولهذا أراد جمع من المحققين أن يجعلوا من هذه القاعدة دليلاً على خطاب القرآن للاثنين وإرادة الواحد أو العكس، أو التكلم عن الجماعة وإرادة الواحد، وهذه القاعدة وإن كانت تتطابق مع صحة اللفظ إلا أن المعنى الخارجي لها لا يتناسب مع أجواء القرآن الكريم، ومن أمثلتهم على ذلك، قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) ص 21.

 فظاهر اللفظ هنا يبين أن المتخاصمين مجموعة من الناس، ثم بعد ذلك تغيرت الألفاظ إلى اثنين فقط، وللجمع بين الوجهين يحمل اللفظ على حقيقته لأن الخصم مصدر كالخصومة أو الخصام، ويمكن التعرف على هذا الوجه أكثر من قوله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم كذب) يوسف 18. أي دم كاذب، والمراد هنا مجموع القوم الذين تسوروا المحراب، وقولهم: (لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض) ص 22. أي فريقان بغى بعضنا على بعض، أما قوله تعالى: (هذا أخي) ص 23. فهو كلام من يمثل القوم المعتدى عليهم حسب السياق، ولا يوجد في اللفظ ما يدل على التكلم عن الواحد وارادة الاثنين أو الجمع، وهذا كقوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) الحج 19. فالمراد هنا إشارة إلى الفريقين لا إلى شخصين بعينهما، وما يبين ذلك أكثر تجده في قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) الحجرات 9. فقوله تعالى "طائفتان" إشارة إلى الفريقين أما عند انتقال الآية إلى قوله "اقتتلوا" فهذا بيان إلى دخول مجموع أفرادهما في القتال، وهذا باب واسع في القرآن الكريم يحتاج إلى تأمل.

ثالثاً: استعمال الحروف المقطعة: استعمل الشعراء الحروف للاختصار أو التعريض، كقول أحدهم:

نادوهم ألا ألجموا ألا تا .. قالوا جميعاً كلهم ألا فا

وأراد ألا تركبون، قالوا، ألا فاركبوا، وكذا في قول زهير:

بالخير خيرات وإن شراً فشر .. ولا أريد الشر إلا أن تا

وأراد إلا أن تشاء، وقد نسب إلى الوليد بن عقبة قوله:

قلت لها قفي فقالت قاف .. لا تحسبينا قد نسينا الايجاف

وقاف يعني وقفت، وكذا في قول امرئ القيس:

وكاف وكفكاف وكفي بكفها .. وكافي كفوف الماء من كفها انهمل

من هنا يظهر التحدي في استعمال القرآن الكريم لهذه الحروف، فكأنه يقول إن الصنعة التي بيننا مكونة من نفس المادة، فهلا جئتم بكلام من مثل القرآن الكريم، أو من مثل النبي الأمي "صلى الله عليه وسلم" وقد بين تعالى ذلك في قوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين) البقرة 23. وهذا التحدي الذي أشار له القرآن الكريم بواسطة الحروف المقطعة نجده قد تكرر في تسع وعشرين سورة، وكانت أول السور التي افتتحت بهذه الحروف من حيث الترتيب الذي بين أيدينا، هي سورة البقرة، وذلك في قوله تعالى: (الم) البقرة 1. وقد جمع العلماء هذه الحروف بعد حذف المكرر منها في جملة مفيدة وهي: نص حكيم قاطع له سر.

 .. ..

الآية الثانية

يقع الإنسان أحياناً في متشابهات لا يرقى إلى جمع وجوهها المتفرقة أو الوصول بها إلى النتائج السليمة التي يبتعد من خلالها عن التأويل الدخيل مما يجعله يحلل الأمور بطريقة غير واقعية قد تكون سبباً في جعل الفهم البديهي لديه ينحى باتجاه المنهج المعاكس للحقائق التي كتب لها الخفاء وهي إلى الظهور أقرب، وهذا السلوك بحد ذاته قد يعطي الطرف الآخر المخالف للعقيدة بعض الأدلة التي لا يمكن الرد عليها من قبل أصحاب الحق الذين أصبحوا في لبس من أمرهم، وهذا ما يجعلهم في وضع لا يحسدون عليه إذا ما أرادوا تبيان ما خفي على الغالبية العظمى من الناس بما في ذلك العلماء أنفسهم.

من بعد هذه المقدمة نستطيع القول إن معارف القرآن الكريم التي نزلت بلسان عربي مبين لا يمكن أن تكون هي نفسها التي أشار تعالى إلى وجودها في اللوح المحفوظ والتي لا يمكن كشف تفاصيلها أو الاحاطة بها إلا من قبل النبي "صلى الله عليه وسلم" والخاصة من المقربين، فإن قيل: إذن ما فائدة وجود تلك المعارف دون الاحاطة بها من قبل العامة؟ أقول: الضعف في القابل وليس في الفاعل، ولهذا فصلت هذه المعارف بواسطة التدريج الذي وصل للناس عن طريق التنزيل، وقد بين الله تعالى هذه الحقائق بقوله: (بل هو قرآن مجيد***في لوح محفوظ) البروج 21-22. وكذا قوله: (فلا أقسم بمواقع النجوم***وإنه لقسم لو تعلمون عظيم***إنه لقرآن كريم***في كتاب مكنون) الواقعة 75-78. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون***وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) الزخرف 3-4. أي أن الأصل هو الممتنع دون الإنزال الذي وصفه تعالى بقوله "قرآناً عربياً" وهذا ما بينته الآية في ترتيبها.

وبناءً على هذا يمكن التوصل إلى معرفة ما خفي على البعض من تفسير قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) الواقعة 79. أي في مرحلة وجوده في اللوح المحفوظ، أما عند التنزيل الذي كشف الله تعالى من خلاله ما خفي على الآخرين فقد بينه بقوله: (تنزيل من رب العالمين) الواقعة 80. وإلى هنا يمكن أن ترفع الأعذار في عدم فهم الكتاب أو الميل عنه، ولذا أنزل النتيجة بطريقة أقرب إلى التوبيخ المصحوب بالوعيد، وذلك في قوله: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون***وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) الواقعة 81-82. ومن خلال ما مر يمكن أن نتوصل إلى أن النبي "صلى الله عليه وسلم" كان يعلم الكثير من المعارف القرآنية قبل نزولها وذلك بتعليم من الله تعالى، مما أدى به إلى أن يعجل بايصال تلك المعارف إلى الأمة إرشاداً دفعياً لا تجزيئياً، وهذا ما أشار له تعالى بقوله: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) طه 114. وكذا قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) القيامة 16.

من هنا نعلم أن العلم الاجمالي لمعارف القرآن الكريم كان في متناول يد النبي "صلى الله عليه وسلم" إلا أنه امتنع عن الايصال الكلي لتلك العلوم والأحكام بأمر من الله تعالى، لئلا يحدث الريب والشك في إلقاء التعاليم على شكلها المجمل باعتبار أن الافهام لم تتوصل بعد إلى اكتشاف المسلمات اللاحقة قبيل التدريج

في تفاصيلها التي يتعذر الأخذ بها دفعة واحدة، وهذا بطبيعة الحال لا يمكن للإنسان أن يطلع عليه لأنه من علم الغيب الذي استأثر به الله تعالى. وبهذه النتيجة نكون قد توصلنا إلى أن الله تعالى قد وعد نبيه الكريم من أن هذه المعارف والأحكام التي تعلمها سوف نرسلها لك على شكل قرآن يقرأ وكتاب يكتب، وهذا ما بينه بقوله: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتقين) البقرة 2. فكأن الله سبحانه قد أنزل الوعد من القوة إلى الفعل. فإن قيل: كيف وُصف القرآن بالكتاب قبل إتمام تنزيله؟ أقول: لفظ الكتاب قد يطلق على الجزء وعلى الكل، وبعبارة أخرى كل ما يكتب يسمى كتاباً، وهذا ما بينه تعالى بقوله: (إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى) الأحقاف 30. والجن لم يسمعوا إلا بعضاً منه. وقد يسمى بعض القرآن قرآناً كما في قوله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) القيامة 18. وكذا قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) الأعراف 204. وبناءً على ما تقدم يمكن أن نقول: إن هذا هو الاحتمال الأول الذي يبين علة الإشارة إلى الكتاب بـ "ذلك" ويؤيَد هذا الاحتمال بقوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) المزمل 5.

أما الاحتمال الثاني: فإن قوله تعالى "ذلك الكتاب" لا يراد منه الكتاب الذي في اللوح وإنما الإشارة إلى الحروف المقطعة، أي لما فرغ تعالى من قوله: (الم) البقرة 1. قال "ذلك الكتاب" وهذا يعني أن ذلك هو الكتاب المؤلف من هذه الحروف، لأنها أصبحت في حكم المتباعد عند الفراغ من ذكرها، وهذا كثير في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) البقرة 68. أي عوان بين الفارض والبكر، وكذا في قوله: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) مريم 34. وذلك بعد الفراغ من بيان أمره. وقوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً .. ثم قال .. ذلك رب العالمين) فصلت 9.

 

تفصيل الكلمات:

ذلك: اسم إشارة والصواب أن الإشارة تكون في "ذا" فإذا قرب الشيء قيل "هذا" أما دخول الكاف فالإشارة فيه للبعيد عرفاً لا وضعاً، أما سبب هذا الاستعمال فهو لثقل الكاف عند المبالغة في الإشارة إلى الأشياء التي أصبحت في حكم البعيد، والدليل على ذلك استعمال "ذلكما" لمخاطبة المثنى، كما في قوله تعالى: (ذلكما مما علمني ربي) يوسف 37. وتدخل الميم على "ذلك" في خطاب الجماعة، كما في قوله: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .. إلى أن قال .. ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) الأنعام 151. وهذا كثير في القرآن الكريم، ويمكن بيان ذلك في إضافة الكسرة إلى الكاف عند مخاطبة المؤنث، كما في قوله تعالى: ( قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً) مريم 20. ثم قال: (قال كذلكِ قال ربك هو علي هين) مريم 21. أما في المفرد المذكر فقد جاء بالكاف مفتوحة، كما في قوله: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً) مريم 8. ثم قال: (قال كذلكَ قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) مريم 9.

الكتاب: الأصل فيه الجمع، فكأن الكاتب يجمع الحروف والكلمات، ولذا سميت الكتيبة بهذا الاسم وذلك لتجمع أفرادها، وهو فعال بمعنى المفعول، أي كتاب بمعنى المكتوب، كما في قول الشاعر:

بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة .. أتتك من الحجاج يتلى كتابها

الريب: يعني المبالغة في الشك المصحوب بسوء الظن.

الهدى: الدلالة الموصلة إلى البغية.

المتقون: الذين يجتنبون الوقوع في المهلكات أو الأمور التي لا يحمد عقباها، ومنه التقية، والوقاية، وقد جمع لبيد هذه المعاني بقوله:

إن تقوى ربنا خير نفل .. وبإذن الله ريثي وعجل

وقال آخر:

سقط النصيف ولم ترد اسقاطه .. فتناولته واتقتنا باليد

الكلمات مجتمعة:

مجمل الآية يعني أن الكتاب لا ريب في بيانه وحقيقته لمن يريد البحث عن الأصل المؤدي إلى الصواب الذي يمكن أن ينتفع به. فإن قيل: لماذا خص الله تعالى المتقين بالهدى دون غيرهم؟ أقول: خص الله تعالى المتقين بالهدي لانتفاعهم به أكثر من غيرهم، مما يدل على استجابتهم لتلقي المعارف القرآنية والعمل بها، وهذا كقوله تعالى: (إنما أنت منذر من يخشاها) النازعات 45. وكذا قوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر) يس 11. من هنا يظهر سبب تكرار الهدى في قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان) البقرة 185. أي أن الهدى الأول معروضاً لكل من يرغب فيه، أما الثاني فهو كالنتيجة التي حصل المتقون عليها، ويمكن الوصول إلى هذه الحقيقة من خلال قوله تعالى: (وآتيناه الإنجيل فيه هدًى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدًى وموعظة للمتقين) المائدة 46. فإن قيل: هل الوقف على قوله "لا ريب" هو الصواب أم على قوله "فيه"؟ أقول: الوقف على "فيه" هو الصواب باعتبار أن الوقف على "لا ريب" يجعل الهدى في بعض الكتاب. فإن قيل: كيف الجمع بين ما ذكرت وبين قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور) المائدة 44. وكذا الآية التي أشارت إلى الإنجيل بنفس

المعنى والتي ذكرتها قبل قليل؟ أقول: لم ينزل الله تعالى إلى بني إسرائيل جميع أنواع الهدى أو النور وذلك لضعفهم في الاستجابة لما ألقي إليهم، وهذا ظاهر في قوله تعالى: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله) المائدة 44. ومن خلال هذه المتفرقات يظهر السبب الذي جعل القرآن الكريم مهيمناً على الكتب السابقة، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة 48.

 .. ..

الآية الثالثة

الاعتماد على التفسير الحرفي للقرآن الكريم قد يكون هو السبب المباشر الذي جعل أنصار هذا الاتجاه يؤاخذون بعدم المصداقية في طرح الافكار التي تحتاج إلى ناظم يجمعها من وجه ويبين حقيقتها الاصطلاحية من وجه آخر، وهذا من أهم الاسباب التي جعلت بعض الناس يقع في متاهات ربما تكون وراء الأخذ بالممتنعات التي غلب عليها النص الشرعي من وجهة نظرهم مما أدى إلى التأويل الذي لا يتفق مع المعاني التي وضعت له قبيل الرجوع إلى التفصيل دون الإجمال فتأمل. ومثالاً على ذلك قوله تعالى: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) الإنسان 30. التكوير 29.

وظاهر السياق الذي اعتمده الحرفيون يجعل المشيئة الإلهية هي التي تتحكم في أفعال العباد دون اختيارهم، إلا أن التفصيل يبين أن الأمر ليس كذلك، ولأجل أن نخرج بالنتيجة الصحيحة نرد آية سورة التكوير إلى قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين***لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير 27-28. ثم قال: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) التكوير 29. وكذا في آية سورة الإنسان آنفة الذكر المسبوقة بقوله تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) الإنسان 29. ثم قال: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) الإنسان 30.

وهذه القاعدة تجري في جميع الآيات التي يظهر الجبر في سياقها، كقوله تعالى: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) المدثر 31. وهذه الآية يمكن مردها إلى قوله تعالى: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين) البقرة 26. وكذا قوله: (والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم) القتال 17. وبهذا نعلم أن الهدى قد يكون ابتداءً من الله تعالى دون الضلال، وهذا ما نجده في قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت 17. وهذا النهج السليم الذي ذكرته الآيات التي أشرنا لها يجري في جميع المناسبات التي أشكلت على أصحاب التفسير الحرفي، ومن هنا كان وقوعهم في عدم معرفة ما وراء الحجب التي فتح القرآن الكريم بعضاً من أسرارها، كالعلم بالغيب الذي تتفاوت مراحله ودرجاته حسب الزمان والمكان، أو ما تؤول إليه النتائج المتفرقة في المباحث التقليدية.

وبناءً على هذا فقد اختلفت المسميات بين المجمل والمفصل أو العام والخاص وكذا المطلق والمقيد وصولاً إلى الحقائق التي يمكن الركون إليها في معرفة الآثار التي تدل على علم الغيب، أما الغيب المطلق فلا يمكن أن يدرك بالحواس كذات الله تعالى والعندية الإلهية التي استأثر الله بها. فإن قيل: وماذا يطلق على الغيب الذي يستطيع الإنسان أن يصل إلى اكتشاف آثاره؟ أقول: يطلق على هذا النوع من الغيب مصطلح "الغيب النسبي" وهذا النوع تتفاوت في معرفته مدارك الإحساس، وربما يكون غيباً في زمن معين ثم يصبح شهادة في زمن آخر، أو قد يكون غيباً لبعض الناس دون بعض، كالعلوم التي تم اكتشافها، أو أعمال الإدراكات والحواس، فما غاب عن فاقد البصر يعتبر من الشهادة بالنسبة لغيره، وهذا يجري في السمع وفي جميع الحواس.

من هنا يظهر معنى قوله تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق 22. وهذه الآية تدل على أن الحقائق موجودة بنفسها إلا أن ما ران على قلب الإنسان هو الذي حال بينه وبين التوصل إليها إلا ما رحم، من هنا تظهر الأسباب التي تجعل الإنسان لا يمكن أن يطلّع على علم الغيب المشار له في متفرقات القرآن الكريم، كالملائكة والوحي والأسماء الحسنى وكذا النعيم والعذاب أو كل ما يتعلق بالمغيبات التي لا يقوى على إدراكها إلا من خلال آثارها التي تتفاوت طرق معرفتها من إنسان إلى آخر ولهذا كان لا بد من الإيمان بها كما أخبر عنها القرآن الكريم، ومن هنا نجد أن الله تعالى قد أثنى على الذين يؤمنون بالغيب، وذلك في قوله: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) البقرة 3.

وهذه هي المرتبة الأولى التي سجلت للمتقين، ويسمى هذا النوع من البيان "التصريح بعد الإبهام" ويمكن أن يكون الكلام مستأنفاً إذا ما أخذنا بقاعدة "التخلية قبل التحلية" أي أنهم متقون في ما ينبغي تركه، ثم انتقل السياق إلى فعل ما ينبغي لهم، وعلى هذا التقدير يكون الوقف على "المتقين" وقفاً تاماً، أما ما يلي ذلك فمتعلقه قوله تعالى: (أولئك على هدًى من ربهم وأولئك هم المفلحون) البقرة 5. والاحتمال الأول أقرب للصواب وذلك لعدم تفكيك النظم القرآني في ذكر صفات المتقين.

قوله تعالى: (ويقيمون الصلاة) إقامة الصلاة هي الصفة الثانية من صفات المتقين التي قرنت بإيمانهم بالغيب دون أن تخرج عن الفهم المعنوي التابع للصفة الأولى والذي يعلل مؤثراتها التي بينتها المدركات الحسية التي تجعل الإنسان يرتبط بواجب الوجود في التضرع والمناجاة أو كل ما يتفرع على الصلاة التي تكرر خمس مرات في اليوم، كالمحافظة عليها من حيث الوقت والهيئة وما إلى ذلك، فإن قيل: لماذا ذكر تعالى الصلاة بالمفرد دون الجمع؟ أقول: أتى سبحانه بالمصدر الذي يقوم مقام الجمع، كما في قوله: (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق) البقرة 213. فأطلق الكتاب وأراد به الكتب، وأصل الصلاة في اللغة يعني "الدعاء" وقد ذكرت في القرآن الكريم بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) التوبة 103. وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب 56. وعند انتقال المصطلح إلى الاسم الشرعي أصبح كالعلم على الصلاة المتعارف عليها، كانتقال الحج من القصد.

قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) هذه الصفة أقرب إلى تجسيد الإيمان بالغيب وتفرعه على العمل الجماعي المتقن، إذ أن النفقة من الرزق هي بمنزلة المصدق لجميع الأعمال التي بينها تعالى بقوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) آل عمران 92. والرزق المشار إليه في آية البحث أعم من الرزق المادي، لاشتماله على جميع الممكنات التي وهبها الله تعالى للإنسان، من مواهب وجاه ومكانة وما إلى ذلك، وعند التأمل في نظم الآية نجد أن الارتباط الملازم لسياقها أخذ بالانتقال من الصفات المعنوية إلى الصفات المادية، أي كل ما يمكن أن يقوم به المتقي من الترك والفعل، وبالتالي يكون مرد هذه المقدمات إلى النتائج التي تخدم الإنسان.

 

بحث في معنى الإيمان:

الإيمان: هو التصديق والتصديق من أفعال القلوب ولهذا نجد الكثير من الآيات قد قرنت الإيمان بالقلب، كقوله تعالى: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) المائدة 41. وكذا قوله: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل 106. وقوله تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) المجادلة 22. وقوله: (ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) الحجرات 14. أما الآيات التي قرنت العمل الصالح بالإيمان فظاهرها يدل على أن الإيمان لا يدخل فيه العمل إلا من الجهة العرفية، وذلك لتغاير المعطوف والمعطوف عليه، من هنا يظهر الفرق في قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) الحجرات 9. وكذا قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) الأنعام 82. وعلى هذا التقدير لا يمكن أن يكون اقرار اللسان بالإيمان داخلاً في معنى التصديق، وهذا ما أشار له تعالى بقوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) البقرة 8. فإن قيل: وماذا عن الآيات التي أثنت على المؤمنين دون الإشارة إلى عملهم؟ أقول: للإيمان مراحل ودرجات، فقد يزيد وينقص، حيث أن الزيادة في الإيمان يكون متعلقها الإخلاص في العمل وإلا كانت سالبة بانتفاء الموضوع، باعتبار أن الصلاح يقود إلى الأصلح، وهذا يدخل تحت المسمى الشرعي للإيمان دون الوضعي، وعند التأمل في مقدمة البحث يظهر أن سبب اللبس الذي يحصل في المصطلحات لا بد أن يرد إلى الأخذ بالتفسير الحرفي الذي حذرنا من الوقوع به، وقد بين القرآن الكريم درجات الإيمان التي تتفاوت بين الناس، كما في قوله تعالى: (ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً) النساء 46. وكذا قوله: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون) التوبة 124.

وبناءً على ما قدمنا يمكننا القول: إن الإيمان إذا تلبس بالعمل فلا ينفك عنه إلا بتأثير خارجي أو بسبب ضعف الإنسان نفسه، باعتبار أن مراحل الإيمان أقرب إلى مراحل التقوى التي بينها تعالى بقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن 16. وفي مرحلة أخرى قال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) آل عمران 102. وما يقابل هذا نجده ظاهراً في قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) البقرة 286. والفرق واضح في هذه الآية بين الكسب والاكتساب، ثم في آيات أخرى نجد أن معنى الاكتساب قد دخل في معنى الكسب، وذلك بعد أن أصبحت السيئات في متناول الأيدي دون تكلف، كما في قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) الروم 41. وكذا قوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) الشورى 30. وقوله: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين ابسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) الأنعام 70. فإن قيل: وماذا عن قوله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) الأحزاب 58. أقول: إن ما ينسب هؤلاء للمؤمنين قد أنزل منزلة الصدق في باب المصدق، حتى صارت الأفعال الصادرة من المؤمنين على فرض وقوعها كأنها أمر متلبس بهم من جهة الذين آذوهم دون الحقيقة المرادة من الفعل، وهذا كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) الحجرات 6. ولو كان هذا الكلام بغير القرآن يكون تقديره "إن جاءكم فاسق بخبر" لأن الثاني يحتمل الصدق وخلافه، إلا أن القرآن الكريم أتى بـ "النبأ" ليبين قوة الفعل الصادر من الفاسق، وإن شئت فقل قوة الفعل التي أجراها مجرى الصدق، من هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا

وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) المائدة 93. فالآية جمعت الإيمان والعمل الصالح ثم أخرجت العمل باعتبار تضمن الإيمان له، ثم أخرجت الإيمان باعتبار تضمن التقوى له فتأمل.

 

* من كتابنا: القادم على غير مثال

 

   عبدالله بدر اسكندر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2540 المصادف: 2013-08-19 00:36:58


Share on Myspace