 حوارات عامة

اثريات فهم الدين (6): نقض احتكار الراسمال المقدس او الهيمنة على تأويل الخطاب

yousif mohsenحوارات في جهود المفكر الديني الاصلاحي يحيى محمد الفلسفية والمنهاجية

 

مدخل إلى فهم الإسلام

الفكر الإسلامي: نظمه.. أدواته.. أصوله

كتاب (مدخل إلى فهم الإسلام الفكر الإسلامي: نظمه.. أدواته.. أصوله ) يتكون  من ثلاثة أقسام لكل منها عدد من الفصول، في القسم  الاول  منها يخص علم الطريقة، وهو ممهد للقسمين الآخرين، إذ يتضمن القسمان مجمل نُظم التراث  المعرفي، وبالتحديد فإنهما يدرسان  نظامين معرفيين متضاربين، أحدهما يتعلق بالفلسفة والعرفان كنظام مستقل قائم، والآخر يتعلق بعلم الكلام والفقه وسائر علوم المتشرعة، ولكل منهما دائرتان معرفيتان مختلفتان. يضاف إلى أن الباحث يحيى محمد وضع في آخر الكتاب خاتمة تخص المقارنة بين حضارات البشر الأساسية المنظّرة للعالم والمعرفة، وهي ثلاثة من بينها حضارتنا الإسلامية. يقول الباحث : في هذا العمل سنتخذ استراتيجية جديدة نبحث فيها عن (فهم الإسلام) وما يمكن أن يقدّم من جديد بهذا الصدد. وبذلك نكون قد حققنا هدفين معاً. فمن جهة أننا بهذه الطريقة سنتعرف على التراث من زاوية إبستيمية ومنهجية، وهي القضية التي وجدت لها إهتماماً بالغاً لدى الفكر المعاصر. كما يمكننا – من جهة ثانية - أن نطرق باب البحث حول (الفهم) عبر ما قُدّم ويُقدّم من طرائق معرفية لهذا الغرض. لكن يظل الشاغل من حيث الأساس ليس التراث كـ «موضوع في ذاته»، بل تلك الآلية من الفهم بالخصوص. فالتراث منظور إليه كـ «موضوع لأجل غيره» لا «في ذاته». ويمكن أن نصف مشروعنا بأنه فهم دائر حول الفهم، أو بتعبير موجز هو «فهم الفهم». فهو مرتبط بالفهم لا النص من حيث ذاته، ولا التراث كتراث فحسب. وبالتالي فغرض هذه الدراسة هو إبداء المقدمات التي يلزم معرفتها قبل الدخول في أي ممارسة معرفية للفهم المباشر. فهناك قواعد «منطقية» وشروط قبلية تتحكم بآلية الفهم، بدونها لا يمكن للفهم أن تقوم له قائمة. وما يهدف إليه هذا البحث هو فتح المجال لوضع البدائل المناسبة لطرائق الفهم كأساليب «منطقية» تخضع إلى إعتبارات ما سنطلق عليه «علم الطريقة». وهو العلم الذي يجعل التنافس بين اختياراتنا خاضعاً لقانون «الراجح والمرجوح». والغرض من هذا المسعى هو البحث عن حل للأزمة الحضارية كما يمرّ بها واقعنا المعاصر، لأن أيّ نهضة حضارية نأملها لا تتحقق إلا بحل إشكالية «الفهم».

 

خريطة الكتاب

في القسم الأول يدرس الباحث علم الطريقة وفهم الخطاب الديني ومبرارات علم الطريقة في فهم الخطاب وحاجة الفهم الديني لعلم الطريقة وفهم النص واشكالية التطابق ويبحث في الانساق المعرفية وظاهرة الاجتهاد  وفي القسم الثاني ، مدخل إلى النظام الوجودي يدرس الباحث التأسيس الوجودي للنظر القبلي (الأداة والأصل المولّد) وطبيعة النظام الوجودي في الحضارة الإسلامية عبر دراسة الأصل المولّد والتوظيف الباطني عند الإسماعيلية و الأصل المولّد والطروحات الجديدة عند الفارابي والأصل المولّد والتجلي الإلهي عند إبن سينا والأصل المولّد والمضاهاة بين العوالم عند الغزالي والأصل المولّد ووحدة العقل الفلسفي عند إبن باجة و الأصل المولّد عند إبن طفيل والأصل المولّد ووحدة الوجود النوعية عند إبن رشد والأصل المولّد ووحدة الوجود الشخصية عند إبن عربي وعود إلى فلاسفة المشرق والأصل المولّد والإشراق النوري عند السهروردي و الأصل المولّد والمحاولات التوفيقية عند صدر المتألهين ثم يدرس مجمل التطورات التي لحقت بدينامو التفكير الوجودي في القسم الثالث يدرس الباحث النظام المعياري  ، ودوائر النظام المعياري (الأدوات المعرفية والتأسيس القبلي للنظر) و نشأة الحركة المعيارية و بداية الحركة العقلية والبيانية  ثم يبحث تطور علاقة العقل بالنص و الحركة المزدوجة للبيان والعقل و أنماط التأسيس العقلي في الدائرة العقلية عبر دراسة العقل وتأسيس الخطاب الديني المعارض والعقل وقانون التأويل و تهافت العقل المعياري  بعد ذلك يبحث يحيى محمد في الدائرة البيانية عبر دراسة بداية التنظير البياني السني و نهاية التنظير البياني السني والتنظير البياني والبيان السلفي ثم يدرس نشأة التنظير في الحقل الشيعي عبر قراءة  التنظير العقلي في الحقل الشيعي و  العقل والعصمة ومسألة الإحباط وفكرة الإمامة و التنظير البياني في الحقل الشيعي وطبيعة وحدود البيان الإخباري و التنظير الإخباري والبيان السلفي. ثم يبحث التقسيم المنهجي للنظام المعياري بحسب الأُطر المذهبية، و التقسيم المنهجي بحسب العلوم وإختلاف الموضوع و التقسم المنهجي وصراع الأصول المولّدة. و خاتمة عن  موقع الفلسفة والتصوف وعلوم الطبيعة في الحضارة الإسلامية و الإتصال والإنفصال (المعرفي) بين حضارات العالم و سؤال النهضة على لسان الغربيين و النهضة والتساؤلات الاسلامية

 

السؤال عن فهم الخطاب؟

يطرح الباحث يحيى محمد السؤال المنهاجي الرئيسي في هذا العمل ، كيف نفهم الخطاب الديني نصاً وشريعة، وكيف يمكن إبداء النظر فيما نطق وما لم ينطق به، كسؤال يتطلب الإيضاح ويسلك مسلك الإجتهاد من غير قطع دوغمائي ولا إدعاء مسبق والواقع أن الأحداث السياسية والإجتماعية التي عصفت بالعالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة هي ما حفّزت على هذا الطرح المنهجي لفتح بابٍ ظل مغلقاً منذ قرون. فعلاوة على أن فترة ما قبل «الوعي النهضوي الحديث» لم تشهد تحركاً جاداً ومقصوداً بإتجاه السؤال المشار إليه بين العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء وغيرهم، لغياب المحفّز وبغياب التطور الحضاري قياساً بما شهدته فترة القرنين الأخيرين.. فكذلك أن الأحداث الكبيرة التي ألمّت بالعالم الإسلامي خلال هذين القرنين؛ لم تشهد هي الأخرى مثل ذلك التحرك، وإنْ عملت على الضغط والتمهيد للدفع نحو هذا السؤال ، وما زالت الحاجة تدعو إلى مزيد من الدفع والتنبيه نحو خلق متكامل لذلك الطرح. فلا الإحتكاك الحضاري أفضى للعمل بموجب السؤال الآنف الذكر، ولا إنتهاء نظام (الخلافة) أدى إلى ذلك النوع من التحرك، ونفس النزاع مستمر  بين القديم والحديث، بين التمسك بحرفية «النص» وسيرة «السلف الصالح» من جهة، وبين الخضوع لمتطلبات الحاضر من جهة أخرى، أو بين الوقوف في طرف التراث واستصحاب الحاضر عليه، وبين التطلّع إلى هذا الحاضر وجرّ التراث إليه بالتأويل والأدلجة طبقاً لجعل الحاضر مفتاحاً للماضي كالذي يقوم به علماء طبقات الأرض.. كل ذلك لم يعمل على إبراز مضمون السؤال المنهجي الآنف الذكر. فكل ما صنعته تلك الأحداث هو التحفيز على مشاريع فكرية تنتمي إلى المضامين والمفاصل الجزئية دون أن تبعث على إيجاد مشاريع عضوية من النوع الكلي، على نحو ما نطلق عليه فهم الروح والطريقة العامة التي يتحدد بموجبها النظام المفصلي للرؤية والفكر.

 

بداية سؤال النهضة

لقد ظهر الصراع حول المرأة بظهور كتابي (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة) لقاسم أمين، لكنه كان مقطعاً من مسرحية يعجز الذهن فهمها. كما ظهر الصراع حول نظرية الحكم الذي فجّرها علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، فجرّ إلى دراسات عديدة تدخل في مسلسل هذا الصراع؛ كما هو الحال مع كتاب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) للشيخ محمد الخضر حسين، وكتاب (النظريات السياسية الإسلامية) لمحمد ضياء الدين الريس، وغيرهما. ثم ظهر صراع على مستوى فقهاء الشيعة في هذا الدرب، والذي فجّره الإمام الخميني في كتابه (الحكومة الإسلامية) فساهم في بث الوعي أولاً، وبعد ذلك تمّ إنجاز صيغة للحكم أفضت إلى إيجاد دراسات فقهية تسير على هذه الطريق، مثل كتاب (دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية) للشيخ منتظري، وكتاب (أساس الحكومة الإسلامية) للسيد كاظم الحائري. وقد أدى هذا الحال إلى خلق صراع جديد بين ما يُعرف بنظرية «ولاية الفقيه المطلقة» وطرف آخر أفرزته الظروف الخاصة بالحكم وأخذ يعلن عن نفسه بحمله لنظرية «الشورى» المقيدة بالفقهاء، كما هو واضح مما جاء في كتاب (شورى الفقهاء) للسيد مرتضى الشيرازي وبعض الدوريات الشيعية الأخرى، فهو مشروع مضاد لمشروع «الحكومة الإسلامية» أو «ولاية الفقيه المطلقة».

وقد صنعت مثل هذه الظروف طرفاً ثالثاً سعى للمصالحة بين الديمقراطية ونظام الحكم الإسلامي، لكنه لم ينضج بعد. كما وظهر صراع نظري عام يتعلق بالموقف من التراث في قبال الحداثة، وهو موضوع غطى على غيره من الصراعات الأخرى في الساحة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

 

الصراعات المعرفية

يبين يحيى محمد  ان  تلك الصراعات المعرفية بفعل تطورات الظروف؛ فقد ظلت مفصلية لا تعبّر عن حقيقة الصراع الجوهري، فهي كأغصان الشجرة وأوراقها التي تخفي الجذور تحت سطح الأرض، مع أن هذه الجذور هي التي تمدّها بالحياة والنمو، أي أن ما خفي من الشجرة أهم وأعظم مما بدا منها. فما خفي هو أساس ما ظهر ويظهر، وإن أطمسه أصحاب الصراع أو غفلوا عنه، كجبل الثلج الراسخ في أعماق المحيط. مما يعني أن مظاهر الصراع الفكري المفصلي تعكس نزاعاً خفياً يمسّ النظام الكلي لفهم الخطاب الديني، وأن الصور البادية على ساحل بحر الفكر؛ ما هي إلا تجليات أعماق روحه الكلية. هكذا فالصراعات التي شهدتها الساحة العربية والإسلامية هي صراعات تمسّ البناء الفوقي للفهم دون بنائه التحتي، رغم تعذّر الحكم والبتّ في الأول ما لم يعالج الأخير. فالبناء الفوقي للفكر بكافة مظاهره وأشكاله، ومنها ما يتعلق بالفهم الديني، قائم على البناء التحتي، وأن هذا الفهم بتجلياته المختلفة، سواء تعلّق بالقضايا السياسية أو الإجتماعية أو الإقتصادية أو غيرها، كلها رهينة الفهم المتجذر تحتياً والمتصف بالكلية والشمول.. وإن بدا خفياً على مَن إنشدوا إليه في الفهم وتوليد المعرفة.

بالفعل هناك مشاريع هامة جريئة ظهرت مؤخراً، وعالج بعضها الفكر الإسلامي من زاوية علاقته بفهم الخطاب مباشرة، لكن عيبه أنه تناول الفكر بطريقة تجزيئية تفتقر إلى المنهجة الكلية والشمول، كما هو الحال مع أعمال (نصر حامد أبو زيد). وحاول بعض آخر أن يلمّ بمفاصل الفكر الإسلامي ابرازاً ونقداً، لكن آفته أنه لم يمارس نشاطه المعرفي بحسب ما يقتضيه النظام الكلي للفكر، مما جعله يظهر وكأنه يدور على ما دار عليه التراث؛ بلا ضوابط تمسك به وتسيطر عليه روحاً وطرقاً، كما يظهر من مشروع (حسن حنفي) ذي الجبهات الثلاث. وقد كان هذا المفكر يلوّح بإشاراته المتعددة إلى منهجه الخاص والجديد حول فهم الخطاب؛ كتتويج للمشروع الذي بدأه منذ مدة طويلة، لذا توقّعنا أن يظهر لديه الأهم مقارنة بما شاهدنا له من دراسات، بإعتباره يجد طريقه الخاص إلى فهم الخطاب كما هو واضح من الإشارات التي أثارها صاحب المشروع هنا وهناك. ولما ظهر هذا المنهج في كتابه (من النص إلى الواقع) وجدناه لم يخرج عن شكليات أصول الفقه ومضامينه التراثية دون أن يقدّم جديداً؛ سوى الدعوة إلى تغليب العقل والواقع – لا سيما المصلحة منه - على النص، ومن ذلك أنه إعتبر نفسه قد كتب كتابه (من النص إلى الواقع) لأجل الفقيه ودفعاً للشبهة حول تطبيق الشريعة الإسلامية. فقد وضع الكتاب للفقيه «من أجل أن يحسن الإستدلال ويغلّب المصلحة العامة، وهي أساس التشريع، على حرفية النص، وإعطاء الأولوية للواقع على النص». كما استهدف في الوقت ذاته العمل «ضد شبهة أن التشريعات الإسلامية حرفية فقهية تضحي بالمصالح العامة؛ قاسية لا تعرف إلا الرجم والقتل والجلد والتعذيب وقطع الأيدي، والصلب والتعليق على جذوع النخل وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وتكليف بما لا يطاق. كما أن من ضمن مآسينا خروج بعض الحركات الإسلامية المعاصرة من النص الحرفي وتطبيق شعاراته حول الحاكمية لله وتطبيق الشريعة الإسلامية والبديل الإسلامي دون رعاية لواقع متجدد او لتدرج في التغير». وبالتالي فقد أراد أن يعيد قراءة النص «طبقاً لروح العصر واكتشاف بنيته في تحليل الشعور».

لكن في جميع الأحوال فإن حسن حنفي لم يتناول إشكالية الواقع بالبحث والدراسة، وعلاقتها بالنص، بل ظل عالقاً ببحث موضوعات أصول الفقه، سيما شكليات كتب هذا العلم وعناوينه على مرّ العصور، ويمكن اعتبار طريقته إمتداداً للطريقة التراثية، إذ وضع مشروعه حول «التراث والتجديد» وضعة «تراثية» أراد منه أن يكون خليفة لكتاب (المغني في أبواب التوحيد والعدل) أو كتاب (المحيط بالتكليف) للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي، معتبراً مشروعه تطويراً «للتيار العقلي الطبيعي الإعتزالي مع إدخال عنصر الثورة والتحرر عليه، وهي مكتسبات في حياتنا المعاصرة». الأمر الذي يتفق مع وسمه للمشروع سمة «التراث والتجديد»، فهو بالأساس لم يوضع لغرض فهم الخطاب الديني كاستراتيجية مركزية.

مع ذلك ففي هذا المشروع بعض المؤشرات صادف أن وجدناها تتفق مع ما نميل إليه مبدئياً، رغم الاختلاف في التفصيل، سيما فيما دعا إليه حول «الواقع» كأساس منهجي للتفسير والنظر. فهناك وعي تام يظهر لأول مرة على الصعيد المنهجي مؤسس على «الواقع» في قبال كل من العقل والنص ، كما هناك بعض آخر بنى طريقته على المنهجة والإمساك بالنظام الكلي للفكر الإسلامي كشاغل أساس يمكن من خلاله السيطرة على مفاصل الفكر وتحديد جهاته، مستعيناً في ذلك بالنقد المعرفي الإبستيمي، وإن لم يشغله مشكل فهم الخطاب، ولم يفعل سوى إبداء النقد الجذري للأجهزة الفكرية التي تكونت ومارست نشاطها معرفياً وآيديولوجياً، كما هو الحال مع مشروع محمد عابد الجابري الذي نحسبه أنضج المشاريع العلمية لمعالجة التراث على الصعيد المنهجي، لإهتمامه بتلك المنهجة من الامساك بحبال الفكر العربي الإسلامي، أما ما قدّمه هذا المفكر مؤخراً حول فهم الخطاب، وبالذات حول القرآن بجزئيه المدخل والفهم، فلا يعدّ شيئاً مهماً يستحق الذكر والمعالجة مقارنة بمشروعه المنهجي السابق.

 

غياب ستراتيجية فهم الخطاب

وبالرغم من وجود مثل تلك المشاريع، إلا أن الساحة العربية والإسلامية ما زالت تشهد غياباً لتنظيم الفكر الإسلامي تنظيماً منهجياً وكلياً يأخذ بعين الإعتبار استراتيجية فهم الخطاب كشاغل أول وأساس، وبالتالي فإنها تشهد - كذلك - غياب النظر في وضع الخطط الممكنة إبستيمياً (أي المعرفة العلمية) لصياغة التصورات المنهجية الجديدة من النظام الكلي، على النحو الذي يكون شاغلها التخلص من أزمات الفكر والوقوف كأطراف كلّية تنافس الأطراف المتجذرة التي مارست دورها المعرفي طيلة قرون عديدة من الزمان.

وعلى العموم يلاحظ أن مسلك الفكر المعاصر يتبع في كثير من جوانبه روح التفكير العامة للأجهزة المعرفية في التراث، فهو في الغالب لا يقدم منهجاً كلياً لفهم الخطاب الديني مباشرة، بل يعمد لينتظم كتابع ومؤيد لجانب من جوانب هذا التراث، وإن كان ما يستهدفه من هذا الانتظام هو اتباع الروح العامة لا المفاصل، خلافاً للطريقة التي سادت في التراث ذاته، إذ كان الهم محدداً بالمفاصل لا الروح العامة للتفكير.

 

التراث المنقسم

يوضح يحيى محمد: ان الطرائق التقليدية الحالية ظلت مستصحبة الماضي كما هو، وهي منقسمة بإنقسام التراث ذاته. أو يمكن القول أن الإنقسام المنهجي للتراث ظل وما زال كما هو لم يتغير. فما زال الحاضر يشكل تجسيداً حياً لإنقسام الفكر التراثي من قبل. فهناك الفكر الفلسفي؛ كما تمسكت به بعض التيارات في ايران، كما هناك الفكر الصوفي؛ كما في ايران وتركيا وبعض الاقطار العربية؛ كمصر والسودان والمغرب. يضاف إلى الفكر السلفي البياني كما في السعودية واليمن وغيرها، فضلاً عن الفكر العقلي الأصولي كما يحضر في بلدان إسلامية عديدة، كمصر والعراق وغيرهما.

 

تأسيس وتوليد وانتاج المعرفة

يحيى محمد يعود الى السؤال الغرض المطروح «كيف نفهم الخطاب؟» وهو يرى ان هذا السؤال هو من اجل طلب الوضوح «المنهجي» وتأسيس المعرفة كمسعى للقضاء على اضطراب الفكر وتناقضاته في الماضي والحاضر. وربما يُظن من هذا السؤال ـ باستفهامه ومعناه ـ البساطة والسذاجة لما ألفناه من السلوك الاستصحابي والتكراري للعلماء إزاء موقفهم من الخطاب الديني. فالإجتهاد محددة مصادره وأصوله، والنص مبينة معايير فهمه والتعامل معه، وليس هناك ما يحتاج إلى استئناف نظر. وربما يضيف البعض إلى هذا، فيحسب أن ذلك العمل من سلوك العلماء هو عمل تعبدي سلفي يحرم تجاوزه، فأي بحث فيه علامة تجديد كلية هي بمثابة البدعة المحرمة. وينطلق هذا التصور من وجود برنامج صحيح وكامل يفي بجميع المتطلبات ويجيب على مختلف التساؤلات ويسدد كافة الاحتياجات.

ومن الناحية الإبستيمية (المعرفة العلمية) لا ينحصر التعامل مع الخطاب الديني بحدود الفهم، فهناك عمليتان أخريان، إحداهما تسبق الفهم وظيفتها تأسيس المعرفة القبلية، وتكاد تتداخل معه أحياناً إلى حدّ التماهي والتعبير عن نفس هذا الفهم، كالذي يجري مع طريقة النقليين أو البيانيين. أما الأخرى فمتفرعة عن إحدى العمليتين أو كليهما معاً، وظيفتها توليد وإنتاج الهيكل المفصلي للفكر في جميع ميادين العقل والكون والميتافيزيقا وسائر الأمور المعيارية الأخرى، بما فيها تلك التي تستند إلى فهم الخطاب، إذ تجعل منه مصدراً للإجتهاد والإستنباط.

من هنا كان لا بد من التمييز بين هذه المستويات الثلاثة للمعرفة. فهناك فهم النص أو الخطاب. كما هناك التأسيس القبلي للنظر والمتمثل بالقبليات الأساسية التي تسبق الفهم، وهي تشكل شرطاً لإمكان الفهم والتفكير. وأخيراً هناك التوليد والإنتاج المعرفي المستنتج من التأسيس أو الفهم أو منهما معاً.

وتعد هذه المستويات مترابطة فيما بينها، إذ بعضها يتأسس على البعض الآخر. فالفهم متأسس على التأسيس القبلي للنظر، كما أن التوليد والإنتاج المعرفي يتأسس بدوره على كل من المستويين الآخرين. لكن مع لحاظ أن التوليد والإنتاج المعرفي قد يُبنى على التأسيس القبلي للنظر فحسب، كما قد يُبنى على الجامع المشترك بين التأسيس القبلي والفهم. بيد أنه من المحال أن يُبنى على مجرد الفهم فحسب؛ باعتبار أن الأخير مبني على الأول بالحتم واللزوم.بعد هذه الإشارة نعود لنتساءل عن الوضوح السائد في القرون الخالية، فهل هناك برنامج متفق عليه يستوعب مستويات التأسيس والفهم والإنتاج المعرفي كما أشرنا إليها سابقاً؟ أم هناك برامج متنافسة ومتضاربة، بعضها يدعو لتكذيب البعض الآخر؟

 

نقض تمامية الخطاب

 يحيى محمد يرى ان هناك برامج متعددة بعضها يضاد وينافس البعض الآخر. فهناك إتجاه يعدّ الخطاب الديني واضحاً وكافياً بذاته، مبرراً هذا الأمر تارة بمقالة «بيان الخطاب» وأن فيه كل شيء، إذ يعدّه معبراً عن حقيقة واضحة ومتجلية لا تحتاج إلى تأويل ولا إلى توجيه.. وأخرى بمقالة «الظاهر»، إذ يعتبر الخطاب ظاهراً ليس فيه باطن ولا خفاء.. وثالثة بمقالة «الناطق عن الخطاب» وذلك من حيث إعتبار الخطاب القرآني والسنة النبوية ليسا محلاً للبيان، أي هما متشابهان لا تعرف حقيقتهما إلا بواسطة الناطق المفسّر لهما، وهو أمر يختص بالامام المعصوم، إذ وحده يمكنه الكشف عن حقيقة ما يتضمنه الخطاب، بل هو ملهم بجميع الطبقات الظاهرة والباطنة التي يشتمل عليها الأخير.

 

ما هو الفرق بين تصور ما قبل «الوعي النهضوي» وما بعده؟

لقد تميزت إشكالية عصر ما قبل «الوعي النهضوي» بأنها ذات طابع مزدوج للعقل والنص، وأحياناً يضاف إلى ذلك الطابع العرفاني. فتارة كان التعامل المعرفي جارياً ضمن دائرة «العقل»، وأخرى ضمن دائرة «النص»، وثالثة ضمن إعتباراتهما معاً. ولم يظهر ما يدعو لطرح السؤال الآنف الذكر لإعتبارات الوضوح والبيان التي أشرنا إليها، فالسؤال من هذه الناحية يقع أو يكاد يقع في قائمة ما يطلق عليه «اللامتفكر فيه»، إلا أن التنافس على التمثيل الحقيقي للخطاب بين الإتجاهات المعرفية كان يعبّر بشكل مبطّن وغير صريح عن مضمون ذلك السؤال، رغم أن هذا الأمر لم يُلحظ إلا بمنظار يقع خارج دائرة تلك الإتجاهات المتنافسة.

 

يوسف محسن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2540 المصادف: 2013-08-19 00:45:09