 دراسات وبحوث

تفسير سورة البقرة (2) الآيتان: الرابعة والخامسة

abdullah al maliki10018المفاهيم العامة التي تفرقت في القرآن الكريم تدعو جميعها إلى تكامل الإنسان ابتداءً من المنهج التربوي وانتهاءً بالبيان الملازم للآخرة وما يحدث فيها من الأهوال أو ما يقابل ذلك من النعيم، إلا أن المراحل المهمة التي تأخذ المساحة الأكبر تجعل الامتداد التأريخي يتكفل في مسيرة الإنسان بكل ما أتى به الأنبياء من خلال فتراتهم المتعاقبة التي سبقت عصر التنزيل، ولهذا فإن الله تعالى قد جعل التعاليم لا تنفك عن حقيقة الشرائع السابقة على الرغم من العقد والابتعاد المعنوي بين اتباع تلك الشرائع باعتبارها غاية واحدة وإن اختلفت الوسائل الموصلة إليها.

ومن هنا كان مبعث الأنبياء يسير ضمن التكامل الذي يكتب للإنسان أسباب تواجده على هذه الأرض، ثم بعد ذلك يأخذ بيديه إلى النعيم الأبدي، أما التفرق الذي حدث بين العلماء في تلك الشرائع فهذا لا يعد من الغرابة، إذا ما نظرنا إلى أقرانهم في هذه الأمة، وكيف أصبح بعضهم يجانب البعض الآخر بسبب الطائفية والمذهبية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا ما جعل الجهل والتخلف يتحكمان في أتباع من يتبنى مختلف الأفكار الناتجة من العلماء أو ما يسمى بذلك، حتى أصبح الدفاع عن المذهبية أقرب إلى أصحابه من الاهتمام بالمنهج الذي أنزله الله تعالى على لسان نبيه "صلى الله عليه وسلم" وهذا ما يجعل الأمر جلياً من أن المذاهب هي من صنع الناس أنفسهم.

وعند البحث عن الحقيقة نجد أن القوانين والنظم التي وضعها الله تعالى تشير جميعها إلى اتجاه واحد وهو خدمة الإنسان بما هو إنسان دون النظر إلى الجهة التي ينتمي إليها، اللهم إلا الانتماء الذي يُخرجه عن معرفة التوحيد الذي جاء على لسان الرسل "عليهم السلام"، وهذا ما نجده في دعوة القرآن الكريم إلى لغة الحوار بين جميع أتباع الشرائع، كما بين تعالى ذلك في قوله: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) آل عمران 64. من هنا نفهم أن التوحيد هو الجامع الرئيس بين المسلمين وأهل الكتاب، وقد بين تعالى هذا النهج في كثير من الآيات التي تدعو إلى الاتحاد المتأصل بين العلاقات التي يؤطرها هذا الجامع، كما في قوله تعالى: (غلبت الروم***في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون***في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون***بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) الروم 2-5.

وبناءً على ما مر يظهر أن الغرض الأسمى من إرسال الرسل يجب أن ترد نتائجه إلى الإنسان، لأجل أن تسير الحياة ضمن المنهج الذي قضى به الله تعالى في قوله: (والأرض وضعها للأنام) الرحمن 10. ولما كانت البشرية في نزاع لا تنفك لوازمه فمن الطبيعي أن يوجه هذا النزاع ليشتمل على الطاعة المجسدة له من جهة واخضاعه للقوانين التي تمهد صيرورته من جهة أخرى، وهذا ما جعل التفاضل بين الرسل يتفق

مع الجانب الذي يقتضيه العمل المتكامل في دعوتهم التي تختلف حيثياتها باختلاف الأماكن والنزعات المتطرفة بين الأقوام المرسل إليهم، ومن هنا كان التخصيص ببعض الصفات لبعضهم، وكذا في رفعها عن البعض الآخر، وهذا الأمر يجري في جميع الاتجاهات التي تنتهجها الأقوام الذين يحتاجون إلى الريادة أو القيادة التي تأخذ امتدادها من التعاليم التي وصلت إليهم عن طريق الأنبياء سواء في زمن تواجدهم أو ما بعد المرحلة التي يطلق عليها بـ "الفترة". وقد بين تعالى هذا التخصيص في قوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) البقرة 253. وكذا قوله: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) الإسراء 55. فالتفضيل المشار إليه في الآيتين يعد من المقررات التي حملتها الرسالات قياساً إلى ما يقتضيه الحال الذي يقوم على متطلبات الأقوام المبعوث لهم.

ومن هنا كان سبب إنزال الكتب أقرب إلى بعث روح اليقين لدى الناس مما يجعلهم يؤمنون بالله تعالى وبالأنبياء واليوم الآخر، وما يلحق ذلك من متطلبات العقيدة لأن الرسالات يكمل بعضها بعضاً، وصولاً إلى الرسالة الخاتمة التي بين تعالى فيها صراحة الدعوة إلى الإيمان بجميع الرسل والرسالات التي سبقت عصر التنزيل، علماً أن هذه الظاهرة كانت مستطردة في جميع الشرائع إلا أن تأكيد القرآن الكريم لها أضفى عليها الشرعية العامة التي ينبغي الامتثال لها سواء من أهل الكتاب أو الأميين، ولهذا قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) البقرة 285. وكذا قوله: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) آل عمران 84. فإن قيل: كيف يأمرنا الله تعالى بطاعة الأنبياء وعدم التفريق بينهم وهناك آيات ذكرت التفاضل كما أشرت؟ أقول: أسباب التفاضل ترد إلى الله تعالى دون الإنسان وقد بين سبحانه هذا الأمر بقوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) آل عمران 33. ولم يكن هذا التفاضل عبثاً بل كان برحمة من الله تعالى نتيجة ما سلف من أعمالهم، كما في قوله: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف 31. ثم قال: (أهم يقسمون رحمة ربك) الزخرف 32.

من هنا يظهر أن الغرض الرئيس للدعوة وإرسال الرسل لا يراد منه إلا هداية الناس إلى ما فيه صلاح أمورهم في الدنيا والآخرة، ولا يتحقق هذا إلا باعترافهم بوحدانية الله تعالى، كما في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) الأنبياء 25. وبناءً على هذه النتائج تظهر الصفة الرابعة من صفات المتقين التي أشار لها تعالى في قوله: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) البقرة 4. فإن قيل: ما ذكر في الآية الرابعة يعد من علم الغيب الذي ذكر في الآية الثالثة فلم التكرار؟ أقول هذا من باب عطف المفصل على المجمل وذلك لأهمية التفاصيل اللاحقة، وأنت خبير من أن الادراكات المتوسطة لا يمكنها أن تحيط بجميع الأشياء، ولهذا عدل القرآن الكريم إلى التفصيل.

قوله تعالى: (أولئك على هدًى من ربهم وأولئك هم المفلحون) البقرة 5. هذه الآية بمنزلة النتيجة للمتقين وفيها ما يدل على التعريض بالكافرين الذين سيأتي ذكرهم بعد هذه الآية، وهذا ظاهر في تكرار "أولئك" وفي الاستعلاء الذي يقرر تمكنهم من الهدى، إضافة إلى قوله "من ربهم" كل هذا يبين الاهتمام بأمرهم، وصولاً إلى ضمير الحصر الذي أضاف لهم صفة الفلاح دون غيرهم. فإن قيل: كيف يمكن أن نفهم أنك تشير إلى الآيتين الرابعة والخامسة من خلال العنوان؟ أقول: يمكن التوصل إلى ذلك بواسطة القرينة العقلية، كما في قوله تعالى: (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب) ص 32. حيث أن التواري بالحجاب يتضمن الشمس وإن لم يكن لها ذكر، باعتبار أن بعض الألفاظ تحمل ألفاظاً أخرى، كما في قوله: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) الأنبياء 78. والنفش هو التفرق في الليل وإن لم يكن له ذكر في الآية، وهذا كالإسراء الذي يراد منه السير ليلاً دون النهار، كما في قول المتنبي:

أتوك يجرون الحديد كأنهم .. سروا بجياد ما لهن قوائم

فإن قيل: ما ذكرت صحيح إلا أن القرآن الكريم أتى بقرينة الليل، في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) الإسراء 1. أقول: ذكر الليل هنا بصيغة النكرة يدل على التبعيض، أي أن الإسراء قد تم في جزء من الليل، فيكون التقدير "سبحان الذي أسرى بعبده من الليل" وبهذا يظهر سبب التكرار الذي ورد في قوله تعالى: (فأسر بأهلك بقطع من الليل) هود 81. الحجر 65.

 

الختم الحقيقي على القلوب

يختلف العلماء في موضوع افتراق الإنسان عن الكائنات الحيوانية الأخرى، فمنهم من يظن أن الأجهزة التي هي محل الاختلاف تبدأ من السمع والبصر والفؤاد، فيما يعتقد القسم الآخر إن مرحلة الاختلاف تكمن فقط في الفؤاد أو القلب بغض النظر عن التعبير الذي يلازم المادة التي تحاكي العلل الناظرة لكل من التسميتين، وعند البحث في الاتجاهين يظهر أن القسم الأول هم من أصاب الحقيقة وإن كثر المعارضون لذلك، باعتبار أن السمع والبصر وغيرهما من الادراكات وإن كانت موجودة بالفعل لدى الكائنات الحيوانية، إلا أن النسبة التي تدخل في الفهم والتحليل لدى الطرفين تميل لصالح الإنسان، فهو يفترق عنها في جميع الصفات على الرغم من التجانس المادي الذي يوجد في كل منهما، ولذلك ذم الله تعالى الإنسان الذي لا يستطيع توجيه ادراكاته إلى الكمال بقوله: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي فهم لا يعقلون) البقرة 171. وهذا يبين أن الأجهزة المذكورة وإن كانت تمتلكها الكائنات الحيوانية إلا أنها لا يمكن أن تساعدها على التمييز الفكري، وإنما تصح النسبة فيها للدلالات الفطرية فتأمل.

وبناءً على ما تقدم فقد يُنظر إلى عدم التكامل من خلال الحقيقة التي ذكرها تعالى في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الأعراف 179. وبهذا يظهر الفرق في التمييز على الرغم من وجود الأجهزة لدى الطرفين كما أشرنا. فإن قيل: من الملاحظ أن الكائنات الحيوانية تستطيع أن تختار الطعام الذي يتناسب معها، وكذا الطرق التي تريد أن تسلكها؟ أقول: هذا صحيح إلا أنه يرتبط ضمن فطرتها التي لا تتخلف، وما يثبت هذا أن جميع أفراد الفصائل لا يمكن أن تفترق في اختيارها التابع للأصل، أما في الإنسان فإن الفرق لا يحتاج إلى بيان. فإن قيل: ألا يعتبر الإنسان من الكائنات الحيوانية؟ أقول: نعم يعتبر كذلك إلا أننا نتبع العرف القرآني في التعبير. وعند البحث في هذا العرف نجد أن الله تعالى قد جعل للإنسان مجموعة من الادراكات منذ ولادته، إلا أن الادراك الفكري سيكون لاحقاً للأجهزة التي تولد معه، وإن كانت هي المصدر المغذي للفكر، وإن شئت فقل هي الواسطة التي تسير من قبل الأفكار، كما في قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) النحل 78. وكذا قوله: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون) المؤمنون 78. والأجهزة المشار إليها في الآيتين قادرة على التمييز الذي سيكون مصدراً للجزاء.

وبهذا تكون نسبة الختم على هذه الأجهزة أقرب إلى النسبة الجزائية نظراً إلى فعل الإنسان، كما هو الحال في الجزاء الحسن المشار إليه في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) الحديد 28. وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم) الأنفال 29. ومنه قوله تعالى في أهل الكتاب: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون) القصص 54. وبناءً على هذا فقد قابل الله تعالى هذا الجزاء بجزاء الختم على القلوب،

وذلك بسبب كفر أصحابها فلا يدخل إليها شيئاً من الحق، ولا يخرج منها شيئاً من الاعتقاد الباطل، وقد سبقت مرحلة الختم هذه مراحل مختلفة، منها ما يتمثل في جعل الله تعالى لأصحاب هذا الاتجاه قريناً من الشياطين، يحول بينهم وبين الرجوع إلى الحق، كما في قوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) الزخرف 36. وكذا قوله: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) الشعراء 221. ثم قال: (تنزل على كل أفاك أثيم) الشعراء 222.

ومنها ما يفهم من خلال مرحلة الطبع على القلوب، كما في قوله تعالى: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) المنافقون 3. وكذا قوله: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) الروم 59. ومنها ما يكون ضمن مرحلة الرين، كما في قوله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) سورة المطففين 14. وآخر هذه المراحل هي مرحلة الختم، كما في موضوع البحث، وكما في قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) الجاثية 23. وهذه هي المرحلة التي تجعل القابل يمتنع عن سماع الحق أو ابصارهوكذا التفكر فيه، ومن هنا فقد يجازى الإنسان بالضلال الحقيقي الذي لا رجعة معه إلى الفطرة التي فطر عليها، وقد بين تعالى هذه المرحلة بقوله: (ومن يضلل الله فما له من هاد) غافر 33.

وبناءً على هذا التقسيم يظهر أن قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون***ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم) البقرة 6-7. لا يراد منه جميع الكفار باعتبار أن هناك فئة منهم يمكنهم الانتفاع من الإنذار عندما يوجه إليهم، أما القسم الذي ذكر في الآية فهم من تساوى لديهم الإنذار وعدمه، وذلك لأن الأجهزة التي جعلها الله لهم أصبحت غير مستعدة للتمييز بين كلامه تعالى وبين كلام رؤساء الفتنة لديهم، ومن هنا كان توجيه النبي "صلى الله عليه وسلم" بأن لا يجهد نفسه في إنذارهم لأن الأمر قد تم بعد حصول الختم على قلوبهم، وجعل الغشاوة على سمعهم وعلى أبصارهم، جزاءً لما صدر منهم. ومن خلال هذا النهج يمكن أن يستفيد الإنسان الداعي إلى الله تعالى من اكتشاف الطرق المثلى في التوجيه، وكيف يواجه المجتمع بطبقاته المختلفة واتجاهاته المتعددة، حتى يستطيع أن يضع الأمور في نصابها، فهناك أناس كثر لا يمكنهم سماع الوعظ أو الإرشاد، فهؤلاء لا يستقيم معهم التوجيه أو الحوار، وبهذا يكون جدالهم بالتي هي أحسن أقرب إلى تحصيل الحاصل. فإن قيل: إذا كان الإنذار لا يجدي نفعاً مع هؤلاء فما فائدة الحديث عنهم وتبيان المراحل التي ينتهون إليها؟ أقول:

أولاً: توجيه النبي "صلى الله عليه وسلم" لأجل أن لا يجهد نفسه في إرشادهم كما أشرنا من خلال البحث.

ثانياً: الاشارة إلى مرحلة تأريخية لأن هؤلاء هم كفار قريش، باعتبار أن سورة البقرة هي أول السور التي نزلت في المدينة.

ثالثاً: إثبات صحة ما جاء في القرآن الكريم، حيث أن المشار إليهم لا يمكنهم العدول إلى الطريق الأسلم المتمثل في الإيمان بعد الكفر، كما في قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب) المسد 1. وكذا قوله: (سأصليه سقر) المدثر 26. وهذا ما يجعل الأمر ظاهراً من أن هذا النهج قد كتب له عدم التبديل أو التغيير على الرغم من وجود بعض المحاولات الصادرة من الكفار، كما قال تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً) الفتح 15. فإن قيل: ماذا تعني بالختم الحقيقي الذي ورد في عنوان المقال: أقول: الختم هو نهاية المراحل التي طبع عليها وتم احكامها، وقد تختلف درجاته، فمنها ما يكون بفعل المضلين، وهؤلاء لا يمكن أن يكون ختمهم حقيقياً وذلك لعدم استجابة جميع الأفراد الذين وجه إليهم الإضلال، كما في قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) القصص 72. ومنها ما يكون بفعل الشيطان، وهذا أيضاً لا يمكنه الاحاطة بجميع من يقع عليهم فعله، كما في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) الحج 52. وكذا في قوله: (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين***إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر 39-40. ثم بعد ذلك أجابه تعالى بقوله: (قال هذا صراط علي مستقيم***إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر 41-42.

وهذا السياق يدل على أن أفعال الله تعالى هي الأفعال الحقيقية، كالطبع والختم والمكر والخداع والكيد وغيرها من الأفعال التي ذكرت في متفرقات القرآن الكريم، أما أفعال غيره فهي دون ذلك، كما في قوله: (إنهم يكيدون كيداً***وأكيد كيداً) الطارق 15-16. وكذا قوله: (أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون) الطور 42. من هنا نعلم مدى ضعف كيد الشيطان أمام كيد الله تعالى، وقد أشار "جل شأنه" إلى هذه الحقيقة بقوله: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) النساء 76.

.....................

إظهار الإيمان وإبطان الكفر

 عنوان المقال هو المصطلح الذي يطلق على فئة من الناس يصعب الوصول إلى أهدافهم أو تشخيص غاياتهم، وإذا ما تأملنا الأحداث التأريخية التي مرت بها الأمة يظهر أن لهؤلاء الناس واقعاً مخالفاً للمؤمنين من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يمت إلى الكافرين بأية صلة، اللهم إلا الاشتراك الفعلي في مفهوم المعصية، وإن كانت المصاديق مختلفة في الجوانب التي تطابق أفعال كل منهما. وعند متابعة الواقع المتقابل بين الكفار والمؤمنين نجد أن مسلماته لا تدعو إلى الغموض، وإن شئت فقل إن خطر الكفار ربما يكون معلوماً ولا يحتاج إلى إطناب أو طرح يهدف إلى إزالة أسباب ما خفي من أمرهم.

أما أصحاب المصطلح الذي هو موضوع بحثنا فهؤلاء قد يحتاج المجتمع في كشف أغراضهم إلى أدوات تفوق الأدوات البشرية التي لا يمكن أن تدخل إلى نفوسهم، أو معرفة بواطن الاتجاهات التي يتفرقون فيها ومنها، وذلك بسبب المضمر المخالف لطبيعة ما يظهر على ألسنتهم، فهؤلاء قد يعلنون الإيمان من جهة ويبطنون الكفر من جهة أخرى. فإن قيل: ما هي الأهداف التي تجعلهم يأخذون هذا الاتجاه؟

أقول: يمكن تلخيص أهدافهم بعدة نقاط أهمها:

أولاً: الحصول على الأمن والاستقرار الذي يوفره المجتمع لأتباعه.

ثانياً: الحقوق التي يحصل عليها أبناء المجتمع.

ثالثاً: عدم الالتزام بالواجبات التي تفرض على أقرانهم.

رابعاً: التفريق بين أبناء المجتمع بطريقة أقرب إلى الخفاء مما يجعل الفرص مفتوحة أمامهم للسيادة التي فقدت من أقرانهم جراء أفعالهم.

خامساً: الوصول إلى مرتبة الحل والعقد بعد أن فقدت من الطرف الآخر.

وهذه الأفعال لا يمكن تعليلها أو كشف مصادرها، وذلك لأسباب تتعلق بالحالة المريبة التي تلازم غاياتهم التي يبحثون عنها.

وبناءً على طريقتهم الجائرة هذه نجد أن الإطناب المتفرق في القرآن الكريم قد أظهر الكثير من الملامح والصفات الخاصة بهم، لأجل أن يكون الناس على حذر من أفعالهم في كل زمان ومكان، ولهذا فقد أشار الحق تبارك وتعالى إلى نعوتهم وصفاتهم ابتداءً من قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام***وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) البقرة 204-205. والفرق بين قوله وفعله لا يحتاج إلى بيان، وكذا قوله: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون***وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا

تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) المنافقون 3-4. وقد بين الله تعالى طريقتهم التي يتعاملون من خلالها مع النبي "صلى الله عليه وسلم" وذلك في قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة 58.

ثم بين سبحانه عدم صدقهم مع أهل الكتاب، وذلك في قوله: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون) الحشر 11. بعد ذلك أشار سبحانه إلى سماتهم الخاصة والتي يمكن أن تشخص الحالات الملازمة لهم، كما في قوله: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) القتال 30. ولولا هذا التشخيص الذي بيّن صفاتهم، لا يمكن الوصول إلى غاياتهم أو معرفة أهدافهم، وهذه من الفوائد العظيمة التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان من كتاب الله تعالى باعتباره منهجاً للحياة بكل تفاصيلها، ومن خلال هذه الجزئية نستطيع القول إن الذين يظنون أنهم قادرون على الاستغناء عن القرآن الكريم، فهؤلاء لا يفقهون التفاصيل التي أنزلها الحق سبحانه وجعلها متممة للكتاب الكوني الذي يعيشه الإنسان واقعاً.

وبناءً على مجريات هذا الواقع فقد نرى مدى التناسب العكسي بين أتباع الكتاب المدون وبين الفئة التي هي موضوع بحثنا في هذا المقال. فإن قيل: ماذا عن أتباع القرآن الذين يعملون عمل الناس الذين تحدثت عنهم؟ أقول: إن الذين يتمسكون بالقرآن ظاهراً لا يمكن نسبتهم إلى المؤمنين، بل هم من أشرنا إليهم في بحثنا، ولا تخفى عليك أسماء الذين يعملون باسم الدين إلا أنهم لا يمتلكون المؤهلات اللازمة للمنهج الرباني، وذلك بسبب ابتعادهم عن التعاليم القرآنية، ولما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة فقد تنقلب الموازين التي يعتقد بها، ولهذا يستقر لديه الرياء والغدر دون الإخلاص والأمانة، وصولاً إلى العلماء الذين تكون الدنيا كل همهم، والعبادة لا تستقيم لديهم إلا بوسائط التشهير. وعند تأمل هذا الاتجاه نجد أن له جذوراً ضاربة في القدم من قبل أناس وصفهم الحق سبحانه بقوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) البقرة 8. حيث أن إيمانهم لا يتعدى إلى أكثر من أقوالهم، ثم أضاف تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) البقرة 9. والمخادعة "مفاعلة" بين أكثر من جهة لذا وردت بهذه الصيغة التي عادت عليهم بالضرر المتمثل في خداعهم لأنفسهم دون شعور منهم، وقد وصف الحق فعلهم هذا بأنه مرض في قلوبهم، وذلك في قوله: (في قلوبهم مرض) البقرة 10. أي مرض النفاق الذي لا يشفى منه الإنسان إلا بإصلاح نفسه، ولهذا قابلهم تعالى بقوله: (فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) البقرة 10. ثم انتقل سبحانه إلى حالة أخرى من حالاتهم وهي ادعاء الإصلاح، وذلك في قوله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) البقرة 11. ثم عقب تعالى بقوله: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) البقرة 12.

فإن قيل: ما وجه الجمع بين قوله تعالى "ولكن لا يشعرون" وبين ما يصدر من أفعال معلومة لديهم؟ أقول: تنقلب الموازين عند الإنسان الذي يمارس الرذيلة، حتى يسمي الأشياء بغير الأسماء التي وضعت لها دون

شعور منه، وفي حالة تكراره لهذا النهج تصبح أفعاله أقرب إلى الحقائق المصدقة، ولهذا تجد أن السياق قد بين هذه الأفعال بالتدريج، وصولاً إلى قوله: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) البقرة 13. ثم ذكر تعالى حالة الاستهزاء الملازمة لهم وتظاهرهم بها أمام أسيادهم الذين وصفهم الحق سبحانه بـ "الشياطين" في قوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن) البقرة 14. ومقابلة لهذا الاستهزاء أجابهم تعالى بقوله: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) البقرة 15. وقبل أن يضرب لهم الأمثال أشار "جل شأنه" إلى خاتمة أمرهم بقوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) البقرة 16.

 

* من كتابنا: القادم على غير مثال

 

عبدالله بدر اسكندر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2540 المصادف: 2013-08-19 22:40:03


Share on Myspace