 حوارات عامة

اثريات فهم الدين (9)

yousif mohsenنقض احتكار الراسمال المقدس او الهيمنة على تأويل الخطاب .. حوارات في جهود المفكر الديني الاصلاحي يحيى محمد الفلسفية والمنهاجية 

 

المشكلة ليست في تعدد الفهم، انما بالتبعات اللاهوتية التي تلحقها الجماعات الدينية بعضها للبعض الاخر

بين يحيى محمد: ان هناك مطاوعة كبيرة لدى مثل النصوص الكبرى في التاريخ وبالذات النصوص المقدسة، اذ تمتاز بخاصية قابليتها على تقبل مختلف الأنساق والاجتهادات، لا سيما حينما تتمظهر بمظهر التعارضات، فكل فهم قد يجد له ما يؤيده وسط هذه المطاوعة. وهي مصدر للقوة لدى المهتمين بالاتجاهات الانفتاحية على النص، فانها تثير الانفتاح على التأويل بلا حدود. لكن مع ذلك فان من الممكن ضبط مثل هذه المرونة وفق التطبيق المتعلق بالدليل الاستقرائي والتقديرات الاحتمالية. صحيح ان هذه الطريقة لا تعطيك الكثير من المعارف والمعلومات، لكنها في المقابل تعطيك المعرفة الدقيقة التي لا تخطئها عين القارئ.

 

نقض فرضية الفرقة الناجية

 تعد دائرة الفرقة الناجية وحضور الايدولوجيا في الأنظمة المعرفية الإسلامية احد العوامل الكابحة لظهور علم الطريقة ما أدى إلى احتكار فهم الدين وبالضبط الدائرة المقدسة وانغلاق المنظومات الفكرية المتنافسة؟ أتسأل كيف الخروج من تلك الدائرة، امتلاك الحقيقة المقدسة وإبعاد تشويشات الايدولوجيا عن النص المقدس؟

 هذا هو بالضبط ما ارمي اليه، وهو البحث من خلال علم الطريقة للتعرف على امكانات بديلة مناسبة نتخلص فيها من ظاهرة التزييف في امتلاك الحقيقة المقدسة، ومن ثم الكشف عن المسافة الفاصلة بين الفهم والنص المقدس؛ لتكون ظاهرة للعيان بدل تسليم الامر الى ما انت اطلقت عليه التشويشات الايديولوجية.

 

احتكار النيابة المطلقة

 تقول مادامت الأجهزة المعرفية تعبر عن قنوات اجتهادية فان من الطبيعي إن لا يكون لأي منها حق (النيابة المطلقة) للنص أو النطق باسمه كحق فردي مطلق أو حق جماعي؟ اتفق معك بصدد نسبية تلك الاجتهادات وإنما هي تأويلات متعددة قابلة للنظر والشك ولكن ما هو المقياس الموحد والمطلق من اجل التحرر من تلك الأنظمة المعرفية؟ وكيف التخلص من احتكارها النيابة المطلقة؟

 - هنا نعود الى علم الطريقة، فأول افتراضات هذا العلم المنطقية انه يفرق بين النص المقدس وبين فهمه. أما الافتراض المنطقي الثاني فهو ان الكشف عن النص لا يمكن ان يكون من دون قبليات الذات الكاشفة او القارئة. وبالتالي فالمعنى المحصل هو حصيلة الجمع بين هذين الاعتبارين، احدهما موضوعي يعود الى النص، والاخر ذاتي يعود الى ذات القارئ، وهذه الضميمة من التفاعل بين ذات القارئ والنص هي ما تمنع ان يكون هناك حق النيابة المطلقة، اذ لا يمكن نقل النص كما هو بذاته الى الذات الكاشفة، كما ان هناك عوائق ابستيمية تمنع من حصول المطابقة التامة بين النص كما هو، وبين الفهم الناتج عنه وعن قبليات القارئ بالتفاعل، وإن امكن الحصول على بعض المطابقة العامة لكثرة القرائن الاحتمالية، لكنها قليلة وضيقة، رغم فائدتها العظيمة.هذا على الصعيد النظري، اما عملياً فالامور متعلقة بالقوى والمصالح، وبفعلها قد تجد السيادة للقول بحق النيابة المطلقة عن النص المقدس، كما هو مشاهد منذ القديم وحتى اليوم، رغم فداحة المفارقة، فكل طرف من الاطراف على كثرتها ينسب لنفسه مثل هذا الحق والادعاء رغم التناقضات المفضوحة فيما بينها.

 

تعدد فهم الدين

 تقول (من وجهة نظر منهجية طبقا لعلم الطريقة يمكن اعتبار الدعوى إلى النظر والشك المنهجي خطوه أولى للتحقق من التأسيسات القبلية وفهم الخطاب كمنهج ابستمي دون تبعات لاهوتية وتقيمات معيارية فلا معنى لمطالبة المكلف بالنظر والشك ثم تقيد اختياراته بنتيجة محددة سلفا وكأننا إمام حقيقة رياضية لا تقبل الاختلاف) . ما معنى ذلك؟ وهل تؤمن بتعدد فهم الدين طبقا لعلم الطريقة؟

 ان تعدد فهم الدين هو حقيقة لا يمكن انكارها، بل ويستحيل توحيد الفهم لدى من يهمهم قراءة النص. المشكلة ليست في تعدد الفهم، انما بالتبعات اللاهوتية التي يلحقها اصحاب القراءات بعضهم للبعض الاخر. لذلك فان الفقرة التي استشهدتَ بها تبدي التناقض الواضح عندما يقال لك بأنك مطالب بالشك والنظر للكشف عن الطريق الصحيح والمذهب الصائب وسط الطرق والمذاهب الكثيرة، وهي بلا شك خطوة رائدة في التحقيق، لكن المشكلة هي ان من يطالبك بذلك يفرض عليك في الوقت ذاته - عادة - رؤيته الخاصة كحقيقة مطلقة. فهو يقول لك لا يجوز عليك التقليد في العقائد او اصولها، وبالتالي عليك النظر والتفكير لتجد ضالتك في واحد من المذاهب السائدة، لكنه يقول لك ايضاً انك ما لم تختر الاتجاه الذي انا عليه فانت واقع لا محالة في الهاوية والنار او الضلال وربما الكفر. فهو بالتالي يتعامل معك وفقاً للحسابات الرياضية الدقيقة. فمثلما ان من غير المبرر له اعتبارك بان واحداً اذا ما اضيف اليه مثله فانه لا يساوي اثنين، وقد تُتهم على حسابك هذا بالجحود.. فكذا عندما يقال لك عليك ان تقدر النتيجة المناسبة في تحديد اي مذهب صحيح، فاذا لم تقع على المذهب المطلوب سلفاً فانك متهم بشتى الاتهامات، ومنها الكفر والجحود والضلال وبئس المصير. فهذا هو التعامل الرياضي لقضايا هي ابعد ما تكون عن الرياضيات ودقتها ووضوحها. وهذا ما قصدناه من الفقرة التي استشهدتَ بها. فبلا شك ان هذا الاسلوب المتناقض يكرس التقليد عملياً، لأن الناس لا يريدون ان يُتهموا بدينهم فيُصنفوا ضمن لوائح الكفر والضلال.

 

الاجتهاد وفهم الدين

 ألم يعد الاجتهاد احد أدوات فهم الدين؟

 - نعم ان الاجتهاد المصطلح عليه كما في الفقه هو احد ادوات فهم الدين، لكنه ليس الاداة الوحيدة. وسبق لنا ان طرحنا اداة اخرى للفهم تختلف عن هذه الاداة، كما في منهجنا حول (الفهم المجمل) الذي فصلنا الحديث عنه في (فهم الدين والواقع).

 

فهم ونص وطريقة للفهم

 في الفهم الديني لدينا (فهم ونص وطريقة للفهم) طريقة الفهم لا تنقل النص المقدس كما هو بل تصوره بحسب قواعد ومسلمات قبلية تشكل محور لنشاط الفهم وإنتاج المعرفة؟ كيف تجري تلك العملية وانأ انظر لها عملية معقدة؟

 - ليس فقط في حالة الفهم، بل في جميع النشاطات الذهنية لادراك القضايا الخارجية يجري الحال ذاته، وهو ان الذهن لا ينقل الشيء الخارجي الذي يدركه، بل يطبع لديه صورة عنه، اذ لا يمكن ان ينقلب الشيء الخارجي الى الذهني، وبحسب التقسيم الفلسفي القديم ان الوجود الذهني هو غير الوجود الخارجي، فلكل قوانينه واعتباراته، ولا يمكن قلب احدهما للاخر. فالعملية برمتها هي تصوير للشيء الخارجي، سواء كان نصاً او مادة او غير ذلك. لكن لا تتأسس هذه العملية من غير مسلمات وقبليات. فبفضل القبليات يجري مثل هذا التصوير، كما انه بفعلها لا يمكن ان يتم النقل بأمانة تامة، بمعنى اننا لا نتعرف على الشيء الخارجي كما هو (100%100). فكل ذلك يعتمد على تركيب جهازنا الذهني واحساساتنا المختلفة، فلو ان فيها بعض التغيير فسوف يؤثر ذلك على تصورنا وادراكنا للشيء.

 

اعادة تصور النص

 الفهم لا ينقل النص كما هو (إي بذاته) وإنما يعيد تصوره كيف يعيد تصوره وفق إي مسلمات ومعاير؟ الم يكن داخل هذه المعادلة شئ من الذاتوية الفردية والجماعية والمصالح والإيديولوجية؟

 - لا شك ان التركيب الذهني للبشر معقد غاية التعقيد، وهو في هذا التعقيد يمتلك من القبليات ما هي ذاتوية ترتبط بمصالح وايديولوجيات، او بثقافة عصرية معينة، او حتى باعتبارات نفسية وبايولجية محضة، فكل هذه الاعتبارات تعطي الطابع الذاتوي للتصور، لكن في الوقت ذاته هناك قبليات موضوعية لا تمت الى الذاتوية بصلة، منها محايدة، وابرزها تلك المتعلقة بالدليل الاستقرائي والتقديرات الاحتمالية، ومنها منحازة رغم انها موضوعية، بمعنى ان الذهن ينحاز الى الكشف الواقعي بفعل فطري دون ارتباط بتلك الذاتوية، وابرزها مبدأ السببية العامة، فالذهن البشري يعرف بتلقائية انه عندما يرى ظاهرة ما او حادثة فانه يفكر في السبب الذي يقف خلفها. وكلا هذين النوعين من القبليات الموضوعية يساعد على التحقق من ادراك الشيء، ولو بالنحو النسبي. فمثلاً ان من السهل ذهنياً ان نعرف بأن مقابلة ما جرت بين زيد وعمر، فهذه علاقة يمكن استنتاجها عبر الدليل الاستقرائي والسببية، او بقرائن المشاهدة الحسية، ومن الصعب جداً التشكيك فيها لدى الشخص المشاهد، لكن فيما يتعلق باحساساتنا لشخص زيد من الشكل واللون والحجم وما الى ذلك هل هي احساسات مطابقة لحقيقته كما هو في الواقع الموضوعي، ام انها مختلفة عنه كلياً؟ من حيث الادلة والاستنتاجات القائمة على الدليل الاستقرائي ذاته فهي ان هذه الاحساسات ليست مطابقة تماماً له، كما انها ليست مخالفة له بالكلية، فهي ما بين بين، وبالتالي نحن نجهل تماماً الحقيقة التامة والفعلية لزيد كما هو، لكننا نميزه بحسب صورنا الخاصة وطبقاً لقبلياتنا الموضوعية بحيث لا يلتبس علينا الامر مع غيره من الناس. وكأن لكل شيء رمزه الذي يتميز فيه عن الاخر. ويكفيك مثل ان التصور الفيزيائي المعاصر ابعد ما يكون عن تصورنا نحن للشيء، فلو عرضنا وجه زيد على المنظار الفيزيائي بالتحليل لكنا نرى ان فيه مساحات هائلة من الفراغات وان في داخله جسيمات هائلة وبالغة السرعة قد تقترب من سرعة الضوء، وان لون زيد وشكله المفعم بالحيوية والجمال يتبخر لدى العلم في ذبذبات الامواج وقفزات الجسيمات ونشاط الكهارب والقوى النووية الهائلة الطاقة. وكل ذلك مما لا نراه او نشاهده، ومع اننا لا نعطي لهذا التصور القيمة المطلقة للحقيقة، فهي نظرية، لكنها ليس من الممتنع قبولها، بل انها من المسلمات الحالية لدى العلم، وقد مر عليها ما يقارب القرن من الزمان دون ان تتزعزع. هذا ما نقصده بنسبية الادراك، وهو ينطبق على فهمنا للنص، فمن الصعب علينا ان نفهم النص كما هو من دون زيادة او نقصان او تحريف، اي كمفهوم مانع جامع، لكن يمكننا الاحتفاظ ببعض الفهم كي لا يختلط الامر مع غيره مما نفهمه من النصوص الاخرى.

 

النصوص الكبرى

 النصوص الكبرى في التاريخ وبالذات النصوص المقدسة تمتاز بخاصية قابليتها على تقبل مختلف الأنساق والاجتهادات؟ النص القرآني احد تلك النصوص الكبرى هل نستطيع ضبط مرونته وتقبله كافة الأنساق المعرفية والتأويلات والاجتهادات؟أم إن قوته تكمن داخل هذه المطاوعة؟

 - لا شك ان هناك مطاوعة كبيرة لدى مثل هذه النصوص، لا سيما حينما تتمظهر بمظهر التعارضات، فكل فهم قد يجد له ما يؤيده وسط هذه المطاوعة. وهي مصدر للقوة لدى المهتمين بالاتجاهات الانفتاحية على النص، فانها تثير الانفتاح على التأويل بلا حدود. لكن مع ذلك فان من الممكن ضبط مثل هذه المرونة وفق التطبيق المتعلق بالدليل الاستقرائي والتقديرات الاحتمالية. صحيح ان هذه الطريقة لا تعطيك الكثير من المعارف والمعلومات، لكنها في المقابل تعطيك المعرفة الدقيقة التي لا تخطئها عين القارئ.

 

النظام المعياري والنظام الوجودي

 تقسم التراث الإسلامي إلى نظاميين معرفيين النظام المعياري والنظام الوجودي ولكل منهم دوائر معرفية متعددة ومتنافسة؟ وفق إي مقياس تم تقسيم التراث الإسلامي إلى تينك النظامين؟ ثم أتساءل عن ماهية كل نظام (المعياري، الوجودي)؟

 - المقياس الذي اعتمدناه في التقسيم هو لحاظ الروح العامة التي تجمع كل ما يتعلق بالنظام من دوائر معرفية وعلوم. فما يجمع النظام الوجودي من روح عامة يختلف كلياً عما يجمع النظام المعياري من الروح. ولم نجد غير هذين الروحين في تراثنا المعرفي الاسلامي. لذلك رجحنا مثل هذا التقسيم الجامع. فسواء الفلسفة ام العرفان يلاحظ ان ما يجمعهما هو النظرة الوجودية والحتمية للامور، فحتى القضايا القيمية او المعيارية كقضايا الاخلاق والتكليف ينظر لها نظرة حتمية وجودية لا تختلف في ذلك عن قضايا الكينونات الوجودية كالماديات وغيرها. لذلك اعتبروا ان من الخطأ ان نسأل: لماذا هذا مؤمن وذاك كافر، او هذا خيّر وذاك شرير؟ مثلما لا يصح السؤال: لماذا كان هذا حصان وذاك اسد او شجر او حجر، او ان النار حارة والثلج بارد؟ فكلا المجموعتين من الاسئلة لا تصح لدى الفلاسفة والعرفاء. لهذا قلت بان الروح المعرفية العامة لهذا النظام هي روح وجودية، فموضوع بحثهم الاساس هو الوجود العام، كما ان نظرتهم لمختلف القضايا بما فيها القضايا القيمية او المعيارية تعود الى هذه الروح العامة من التفكير الوجودي الحتمي. فكل شيء محكوم عليه بالحتم واللزوم وفق مراتب الوجود المختلفة، من أولها المعبر عنه بواجب الوجود بذاته الى اخرها مرتبة. في حين انه لدى النظام المعياري نجد النظرة معاكسة تماماً. فالقضايا التي يهتم بها هذا النظام، كما في الفقه وعلم الكلام وسائر علوم المتشرعة، لم تتعلق بالوجود لذاته كوجود، بل جل اهتمامهم هو العلاقة التكليفية التي تربط العبد بخالقه. فالبحث التكليفي في علم الفقه واضح تماماً، اذ كل القضايا الفقهية هي قضايا تكليفية، ولا علاقة لها بالوجود او غيره. وفي علم الكلام ان الغرض من بحوثهم حتى تلك المتعلقة بالوجود انما هو لاثبات طبيعة العلاقة التكليفية وواجباتها، ومن بين ذلك طرق النجاة من العقاب وكيفية الوصول الى الفرقة الناجية وانواع الواجبات التكليفية واول هذه الواجبات، وهل هناك واجبات عقلية ام لا؟ وكيف يمكن معرفة الاله من دون الوقوع في الشرك؟ وغير ذلك من البحوث. فالهدف لدى علم الكلام هدف واضح يتعلق بعلم اللاهوت. لذلك فوجوده التاريخي تبريري اكثر مما هو تحقيقي، خلافاً للفلسفة مثلاً. فعلم الكلام، كما في تعريف الغزالي وابن خلدون، يدافع عن العقيدة الحقة ضد المذاهب المبتدعة. فهو تعريف مبني على التوجه المذهبي والانحياز، وبالتالي فهو ايديولوجي ضمن الاعتبارات المعيارية اللاهوتية. وهو حتى لو تخلص من عقدة التمذهب الايديولوجي فانه ليس من السهل عليه التخلص من الاعتبارات الدينية المسلم بها سلفاً. ولهذا فهو متأثر بالشأن الديني، مما اضفى عليه الصبغة المعيارية غير الحتمية خلافاً لما هو الحال لدى الفلسفة والعرفان.

وبالتالي فالنظام الوجودي له ماهية محددة هي التفكير في القضايا المختلفة، عقلية وواقعية وميتافيزيقية ومعيارية او قيمية، وفق اعتبارات الوجود الخارجي ومراتبه الحتمية، فهو يبحث في الشيء كما هو كائن وليس كما ينبغي ان يكون. اما ماهية النظام المعياري فهي التفكير في القضايا القيمية، او بما ينبغي عليه الشيء ان يكون وليس في الشيء كما هو كائن، وعلى رأسها مسألة التكليف. لهذا من المألوف ان ترد الفاظ الكفر والشرك والضلال والدعاء بالجنة او النار او غير ذلك لدى النظام المعياري، فجميعها لها دلالات قيمية واضحة، ولا علاقة لها بالكينونات الوجودية. في حين ترد لغة التجهيل لدى النظام الوجودي بدل اللغة التي ألفها النظام المعياري، فالجهل متعلق بعدم معرفة وفهم الوجود على حقيقته كما يتصوره اصحاب هذا النظام. لهذا ذكرت في (العقل والبيان والاشكاليات الدينية) ما نصه:

إن أشد المناهج المعرفية حدة وتكفيراً هو النهج البياني الصرف للسبب المذكور، في حين أن أقلها حدة هو ما نجده لدى النظام الوجودي، لكونه لا يستند إلى الإعتبارات القيمية كما عليه النظام المعياري، لذا فهو يكثر من (الخطاب التجهيلي) لإعتبارات ما يستند إليه. فهو يُجهّل المخالفين دون تضليل أو تكفير، سواء كان التجهيل لإعتبارات الإمكانات العقلية كالذي عليه الفلاسفة، أو لإعتبارات الحجب القلبية كالذي عليه العرفاء. وبعبارة أخرى، إن اللغة التي يستخدمها أتباع النظام المعياري ضد خصومهم هي لغة (معيارية) تتمثل بالتضليل والتكفير والتفسيق، وهي مستمدة من منطق (حق الطاعة) كما تقتضيها نظرية التكليف، إذ تمثل الطاعة والعبادة كما يريدها المكلِّف هدفاً ومطلباً للنجاة والسعادة. في حين تتصف لغة الفلاسفة والعرفاء ضد خصومهم بأنها (معرفية) مستمدة من الغاية التي صوروها للإنسان، وهي كمال العلم والعقل أو العرفان، وبالتالي فلغة الإدانة لديهم هي التجهيل لا التضليل والتكفير.

 

الفهم

نريد إن نقوم بعملية حفر في مفهوم (الفهم) ماذا تقصد بمفهوم الفهم؟

 - سبق ايضاح ذلك، فالفهم هو تصور ذهني لمعنى النص.  الفهم هو ممارسة ذهنية في علاقته بالنص

 

هل الفهم ممارسة ذهنية في علاقته بالنص؟ أم إن عملية الفهم تعيد تركيب النص أو الخطاب وفقا للعصر والانساق الثقافية والمعرفية التداولية؟

 - نعم، الفهم هو ممارسة ذهنية في علاقته بالنص، وهو في هذه الممارسة لا ينقل النص كما هو بذاته، وانما يركب منه صورة من خلال التفاعل مع عناصر كثيرة هي القبليات الذهنية، ومنها ما له علاقة اكيدة بالانساق الثقافية والتداولية للعصر. لكن العملية لا تنحصر في هذا الاطار فحسب، فهناك شبكة معقدة للقبليات تقوم بانتاج الفهم وتوليده من خلال التفاعل مع النص كما هو في ذاته. وبعض من هذه القبليات عائد الى التأثيرات الخارجية كالانساق الثقافية والتاريخية وحتى الاسطورية، لكن البعض الاخر له اصالة عقلية او غير عقلية.

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2556 المصادف: 2013-09-04 11:29:51