 حوارات عامة

اثريات فهم الدين (10)

yousif mohsenنقض احتكار الراسمال المقدس او الهيمنة على تأويل الخطاب .. حوارات في جهود المفكر الديني الاصلاحي يحيى محمد

 

علم الطريقة كعلم يتجاوز مرحلة التنافس والسجال بين المذاهب

والايديولوجيات

وضح يحيى محمد: ان علم الطريقة كعلم يتناول مناهج الفهم بالدرس والتحليل، فهو من هذه الناحية يعتبر قيّماً على هذه المناهج. بمعنى ان له صلاحية محاكمتها والفصل فيما بينها من دون عكس. فلا يمكن ان تكون المناهج هي من يحاكم هذا العلم ومقاضاته. وبالتالي فان مقاضاته تعود الى سلطة اعلى تبحث حول اهليته وتحليل موضوعاته ومعاييره، وهو ما يجعل البحث الدائر حوله فلسفياً نطلق عليه (فلسفة علم الطريقة)، وتتجلى فائدتها بمناقشة الافكار الواردة في علم الطريقة لغرض تصويبها او رفدها بالجديد والتطوير. فعلم الطريقة بهذا الاعتبار لا يختلف عن سائر العلوم البشرية التي تخضع للنقاش والتطوير.

 

مناهج الفهم

ماذا تعني بالبحث الطريقي؟ وهل هناك بحوث أخرى تتعلق بفهم الخطاب الديني؟ ما هي الميزات التي يمتلكها البحث الطريقي؟ وما هي مصدر البحث الطريقي؟

- البحث الطريقي هو ما يزاوله علم الطريقة، اذ يُعنى بتحليل مناهج الفهم وادواتها وقواعدها الكبرى. كما يُعنى بالكشف عن القوانين والمسلمات الاساسية التي تتحكم في الفهم. ويضاف الى البحث الطريقي هناك بحثان آخران مختلفان، احدهما سميته البحث الاستنباطي للفهم، وهو موضع تداول العلماء والقراء، اذ يكون الاتصال بين القارئ والنص اتصالاً مباشراً. فالباحث يأتي ليستنبط معنى النص من خلال قراءته مباشرة. وقد يعتمد على شيء من الاصول التي تتعلق بهذه القراءة الكاشفة، كما هو مزاول في الفقه مثلاً، اذ يأتي الاهتمام بعلم اصول الفقه لاجل عملية الاستنباط هذه. اما البحث الاخر فهو ما سميته البحث التاريخي للفهم، فهو كعلم الطريقة ليس له علاقة مباشرة بالنص ذاته كما هو الحال في البحث الاستنباطي، انما علاقته بالفهم لا بالنص، لكن هذه العلاقة تندرج ضمن لحاظ ما يطرأ على الفهم من تغيرات وتماثلات عبر الحركة التاريخية، ومدى تأثر الفهم بهذه الحركة الواقعية. فطبقاً لهذا البحث يمكن ان نقارن بين حالات الفهم القديمة والحديثة لنرى مدى تأثر الفهم بتغير الواقع وتطوراته. ومن ذلك لحاظ حالات الفهم التاريخية المتعلقة بتفسير النص الديني حول قضايا العلوم الطبيعية، ومقارنتها بالتفاسير الحديثة. فمثل هذه المقارنة تعود الى البحث التاريخي للفهم، وليس لها علاقة بالبحث الاستنباطي ولا بالبحث الطريقي. لكن البحث الطريقي يتضمن البحث التاريخي للكشف عن طبيعة مناهج الفهم وقواعدها وقدراتها الذاتية. وتبقى الميزة الاساسية التي ينفرد بها علم الطريقة هي انه يهتم بمناهج الفهم للكشف عن علاقاتها بمكوناتها القبلية ومن ثم علاقة هذه المكونات بالفهم. فعلم الطريقة يبحث حول طبيعة العلاقة التي تسود بين القبليات والفهم، باعتبار ان الفهم هو نتاج هذه القبليات بالتفاعل المشترك مع النص. اما عن مصادر البحث الطريقي فتتنوع ما بين منطقية وعقلية بديهية ووجدانية وواقعية.. وهي في مجملها قد تكون من المشتركات التي يتقبلها العقلاء مبدئياً، وان امكن النقاش في بعضها، مثل اي علم اخر. لكن في جميع الاحوال ان لهذا العلم مبرراته القوية. فمثلاً انه يطرح عدداً من المرجحات والمعايير التي من خلالها يمكن الكشف عن مدى قوة او ضعف مناهج الفهم وانساقه، وهي مرجحات ومعايير اغلبها من المشتركات المقبولة ذهنياً دون اعتراض.

 

البناء التحتي للفهم

في علم الطريقة تذهب إلى البناء التحتي للفهم متجاوزا البنية السطحية؟ ماذا تعني بالبناء التحتي للفهم؟

- نقصد بالبناء التحتي للفهم هو ذلك البناء الذي تتكئ عليه سائر ابنية الفهم ولو من غير وعي. فالذي يقرأ النص مباشرة قد يفهم معنى النص، لكن دون ان يعي على ماذا اعتمد في فهمه هذا، فما هي القبليات وما هي الطريقة التي اتخذها في الفهم؟ مما يعني ان هذه القبليات وهذه الطريقة تشكل بناءاً تحتياً لفهم النص، اذ عليها امكن تحديد معنى النص حتى وان لم يدركها قارئ النص ذاته. ويمكن ان نعمم هذه الحالة من البنية السطحية للفهم – مع شيء من النسبية - على جميع الاراء التي تطلق حول موقف الاسلام من القضايا الاجتماعية والسياسية والفقهية وما اليها، فهي اراء وبحوث تنتمي الى البناء الفوقي للفهم لا البناء التحتي له. وبالتالي فان البنية التحتية للفهم تشكل شرط امكان الفهم، ومن هنا تتبين تحتيتها العميقة. ولما كان علم الطريقة يبحث حول هذه الصلة التي تربط القبليات بالفهم فهو بالتالي يبحث حول البناء التحتي لا الفوقي. وسواء في الفهم او مطلق المعرفة انه لا يتاح تأسيسها من غير قبليات، لهذا انها تشكل بنية تحتية مثلما تشكل شرط امكان المعرفة وان لم يدركها الباحث او القارئ. فلا مجال للتفكير والفهم من غير البنية التحتية المشار اليها، ولا بد من القيام بحفر للتعرف على طبيعة هذه البنية العميقة.

 

تأسيس معاير منضبطة

لعلم الطريقة مستويات ثلاثة. التحليل، ضبط المعاير، السعي نحو تأسيس معاير منضبطة لإنتاج نظريات وانساق ذات كفاءة عالية للفهم . هل تم تأسيس معاير وانساق عالية للفهم؟

- هذا ما حاولناه في كتاب (منطق فهم النص)، وبالذات خلال القسم الاخير منه، حيث يمكنك ان تجد مثل هذه المعايير المنضبطة والتي يمكن من خلالها خلق نظريات وانساق عالية للفهم. وهو الهدف الاساس الذي يتوخاه علم الطريقة.

 

فلسفة علم الطريقة

ما هي فلسفة علم الطريقة؟

- سبق ان عرّفت بعلم الطريقة كعلم يتناول مناهج الفهم بالدرس والتحليل، فهو من هذه الناحية يعتبر قيّماً على هذه المناهج. بمعنى ان له صلاحية محاكمتها والفصل فيما بينها من دون عكس. فلا يمكن ان تكون المناهج هي من يحاكم هذا العلم ومقاضاته. وبالتالي فان مقاضاته تعود الى سلطة اعلى تبحث حول اهليته وتحليل موضوعاته ومعاييره، وهو ما يجعل البحث الدائر حوله فلسفياً نطلق عليه (فلسفة علم الطريقة)، وتتجلى فائدتها بمناقشة الافكار الواردة في علم الطريقة لغرض تصويبها او رفدها بالجديد والتطوير. فعلم الطريقة بهذا الاعتبار لا يختلف عن سائر العلوم البشرية التي تخضع للنقاش والتطوير.

 

جهاز معرفي: مقولات، مفاهيم

هل يمتلك البحث الطريقي جهاز معرفي متكامل؟ أتسال عن تلك العناصر التي تشكل الجهاز المعرفي؟

- ربما لا استسيغ ان اطلق على البحث الطريقي بالجهاز المعرفي كي لا يختلط بينه وبين الاجهزة المعرفية التي يتناولها بالدرس والتحليل، وبالتالي فجهازيته هي جهازية متعالية مقارنة بالاجهزة التي يدرسها. فالامر اشبه بما تعرض له الوضعيون المنطقيون حول تقسيمهم الثلاثي لقضايا المعرفة، وهي القضية التحليلية التي اعتبرت ضرورية منطقية لكنها لا تخبر عن الواقع بشيء، والقضية التركيبية التي تخبر عن الواقع بشيء وبالتالي يمكن اختبارها، اي على عكس الاولى، ومن ثم اخيراً القضية التي لا معنى لها، وهي القضية التي لا تعود الى الاولى ولا الثانية، كالقضية الميتافيزيقية. فهذا التقسيم الثلاثي واجه اعتراضاً يخص التقسيم ذاته باعتباره من القضايا وبالتالي فهو كقضية لا يمكن ارجاعه الى اي من تلك الثلاث، ومن ثم فهو قضية رابعة. وقد جاء الرد من قبل بعض الوضعيين ان هذا التقسيم هو قضية بالفعل لكنه قضية متعالية لا تقع بعرض القضايا المقسّمة، او هو ليس قسيماً لها. ومثل ذلك ما ذهبنا اليه عندما طرحنا نظرية تتجاوز الطرح المذهبي كما متعارف عليه، بمعنى اننا طرحنا مذهباً يختلف عن جميع المذاهب المعروفة دون ان يقع في عرض كل منها على انفراد، وهي بعنوان (نظرية التجاوز المذهبي)، ويفترض ان تنشر في خاتمة الطبعة الثانية من كتاب (مشكلة الحديث). وكذا نقول اننا نواجه جهازاً معرفياً بعنوان علم الطريقة لكنه من صنف اخر لا يقع بعرض الاجهزة المعرفية التي يتناولها بالدرس والبحث، فاحدهما من عالم غير ما للاخر. فعلم الطريقة لا يتغذى على الفهم مثلما تتغذى الاجهزة المعرفية الموضوعة للبحث والدرس. لكنه كأي جهاز وعلم قائم على مصادر وادوات وقبليات متعددة، منطقية وعقلية مشتركة وواقعية، ومنها تلك التي اطلقنا عليها المعايير المعتمدة. فهي تحمل مصادر وادوات وقبليات مختلفة، وعليها ينشأ التوليد والانتاج المعرفي. فمثلاً ان الدليل الاستقرائي هو اداة عقلية وقبلية من القبليات المعتمدة كمعيار، والمصدر الذي يعتمد عليه هذا الدليل يتمثل تارة بالواقع واخرى بالنص ذاته.

 

تجاوز مطلقية العلم

يحيى محمد يحاول البحث عن علم فهم النص او فهم الخطاب الديني علم مستقل يتجاوز مرحلة التنافس والسجال، غرض هذا العلم البحث والتفتيش عن انسب القنوات الممكنة لفهم النص، هل هناك ممكنات لإنتاج هكذا علم مطلق؟

- ليس هناك علم مطلق، بل ما دعوت اليه هو في دائرة الامكان لا العجز والاستحالة. فعلم الطريقة كعلم يتجاوز مرحلة التنافس والسجال بين المذاهب والايديولوجيات، لكونه يخضعها للبحث والدرس ابستيمياً دون ان يكون طرفاً من اطرافها المتنازعة، فلا دور له في ممارسة الفهم ذاته، لكنه يضع المعايير المناسبة التي تتكفل بايضاح اي الطرق التي تتصف بالقوة والتماسك، سواء في علاقتها الذاتية، او في علاقتها الخارجية مع النص والواقع والوجدان العقلي، طبقاً للاعتبارات الابستيمية. ونحن نتحدث هنا على الصعيد النظري .. اما الواقع ففيه مفارقات قد لا تستجيب فعلاً للاتساق المنطقي الذي تشدد عليه النظرية. لانه من غير المتوقع ان تجد اتفاقاً على قبول علم الطريقة او على معاييره المعتمدة او على نتائجه المعطاة. فلا شك انه ما زال هذا الامر خاضعاً للايديولجيات والمذهبيات المتنافسة. لكن على الصعيد النظري عندما يتصف العلم بالابستيمية والموضوعية والبحث الجاد والهدف الواضح فانه قد يجد في الواقع من يحاول رعايته بعد إنباته ومن ثم تطويره للتخفيف من السجالات العدائية باسم الحق المطلق والدين المقدس والإله المغيب، بل والإلهة المصطنعة.. الخ.

 

تقنين العقيدة

شكل غياب الإمام الثاني عشر ( محمد بن الحسن العسكري (المهدي المنتظر )) نقطة تحول داخل الحقل الشيعي في مجال التنظير العقلي أي تقنيين العقيدة والفقه والممارسات السياسية والفكرية، هل جاء هذا التحول تحت وطأة غياب الإمام؟ أم نتيجة للحاجات والتطورات الحاصلة في الأنظمة المعرفية الدينية المتنافسة من اجل الاستحواذ على الرأسمال الرمزي الديني؟

- من حيث الاساس يستند مبرر التنظير العقلي لدى الشيعة الى التحول الحاصل تحت وطأة غياب الامام. فقبل ذلك كان العلماء يلجأون الى الائمة دون ان يكون لهم رأي خاص في الغالب. لكن مع غيبة الامام اقتضت الضرورة الاعتماد على الرأي ومن ثم التنظير، وبعد ذلك ظهرت الحاجة الى تكريس الاخير وتعميقه بحكم التنافس والاستحواذ على الرصيد الديني، كالذي ابداه الشيخ ابو جعفر الطوسي ونص عليه في بعض كتبه خلال القرن الخامس الهجري.

 

خطوط عريضة

بودي الحصول على الخطوط العريضة للتنظير في الحقل السني (تقنين العقيدة والفقه) والذي كان سابقاً للحقل الشيعي بفترة لا تقل عن قرنيين من الزمن؟

- ان اعتبار العقيدة هو غير اعتبار الفقه، فالعقيدة مرتبطة بالاصول، وهي تشكل موضوع دراسة علم الكلام، في حين ان الفقه يعود للفروع ولا علاقة له بالكلام. وبالتالي فالفقه ينتمي كاملاً الى الدائرة البيانية، خلافاً للكلام الذي ينتمي في غالبه الى الدائرة العقلية. وفي كلاهما ظهرت تطورات من المرحلة التلقائية الى التنظير. فعلى الصعيد المنهجي نعتقد بان الدائرة البيانية كانت متقدمة في تنظيرها وتقنينها للفقه مقارنة بالكلام او العقيدة، فالتقنين الفقهي ظهر خلال القرن الثاني للهجرة، وكان اهم شخصية في هذا المجال هو الشافعي باعتباره المنظر الاول للاجتهاد ومؤسس علم اصول الفقه، وهو العلم المتعلق بالتقنين الفقهي. في حين تأخر التنظير العقائدي لدى هذه الدائرة كما في علم الكلام حتى القرن الخامس للهجرة، وقد تجلى ذلك لدى ابن حزم الظاهري، ثم تطور بعد ذلك لدى ابن تيمية خلال القرن الثامن للهجرة، وهو ما نعده نهاية التنظير البياني للعقيدة لدى حقل الفضاء السني. اما على صعيد الدائرة العقلية فقد كان التنظير في العقيدة متقدماً كثيراً على ما شهدته الدائرة البيانية في هذا المجال، اذ بدأ منذ القرن الثاني ومن ثم اخذ افاقاً من التطور خلال القرون التالية، وكان من ابرز هذه التطورات ظهور الحركة المزدوجة للاشاعرة في الدفاع عن العقيدة البيانية الحنبلية او السلفية، من خلال الجدل العقلي، كالذي باشره ابو الحسن الاشعري مؤسس مذهب الاشاعرة خلال القرن الرابع الهجري، وكان من اهم هذه القضايا التي دافع عنها الاشعري في وجه خصومه المعتزلة قضية الصفات الالهية كما وردت في القرآن والحديث. لكن الامر تطور داخل هذا المذهب الى خلاف ما اراد له مؤسسه، فقد ظهر لدى متأخري الاشاعرة نزعة تخالف العقيدة البيانية السلفية المتمثلة باعتقادات المذهب الحنبلي، اذ نحا الاشاعرة المتأخرون الى تأويل الصفات الالهية وعدم قبول الظاهر البياني للاعتقادات الحنبلية او السلفية، مثلما سبقهم في ذلك المعتزلة وغيرهم.

 

مسألة الامامة

تعد مسألة الامامه أهم مسألة في الحقل الشيعي، كيف ظهرت تلك المسألة في التنظيرات الشيعية بحقلها العقلي والبياني؟

- تعتبر مسألة الامامة محور الاتفاق بين الاتجاهين العقلي والبياني لدى الشيعة ضمن النظام المعياري. فكلا الاتجاهين يعتقد بان الامامة هي امتداد لرسالة نبينا الاكرم. ويركز الاتجاه البياني في اثباتها على النصوص والاخبار الدالة في هذا المقام، فيما يركز الاتجاه العقلي على الابعاد العقلية من حيث ضرورة وجود الامام لصيانة التكليف وانه واجب التعيين على الله تعالى، وان الاستدلال العقلي عليها سابق للاستدلال البياني او النصي، فالاخير يأتي لتأكيد وتفصيل ما لدى الاول. وكثيراً ما تطرح المسألة على النحوين العقلي والنصي لدى الاتجاه العقلي، مثل الاحتجاجات التي كان يطرحها الشيخ المفيد وتلميذه الشريف المرتضى والعلامة الحلي وغيرهم الى يومنا هذا.

 

الحاجات الفكرية

ما هي العوامل الحافة او الحاجات المعرفية التي أظهرت تلك المسألة الى الوجود في الفكر الشيعي؟

- ترتبط فكرة الامامة لدى الشيعة بتطورات الصراع السياسي مع الامويين، اذ شكلت هذه الفكرة حاجة معرفية للوقوف ضد سلطة هؤلاء. فقد كان لأهل البيت ارث ديني عظيم، وكان من الممكن مناجزة السلطة الحاكمة عبر توظيف هذا الارث، ومن ذلك ظهرت فكرة الامامة لدى الاتباع، لا سيما ان لها مبرراتها التاريخية والنصوصية. وبحسب المعطيات التاريخية ان اول ظهور لهذه الفكرة كان ملتبساً بالثوب المغالي كأثر من اثار الصراع السياسي ذاته. وقد استمر هذا القِران المزدوج بين الامامة والغلو منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا دون توقف. وهو ما جعل تيارات عديدة تستغل هذا الحال لاغراض ايديولوجية شتى؛ بما في ذلك زرع الفرقة بين المسلمين لاضعاف سلطتهم. ومن حيث المبررات الموضوعية فهي ان لفكرة الامامة جذوراً تاريخية تمتد الى ما بعد وفاة النبي مباشرة. فبحسب المعطيات التي وصلتنا كان الامام علي معارضاً لحكم الخليفة ابي بكر، وكان يرى نفسه احق بالخلافة من غيره، وهو وان تنازل عن حقه الشخصي لكن الفكرة بقيت لدى الكثير من اتباعه، الى درجة انها جُندت في الصراع السياسي مع بني امية وبني العباس. واول فرقة سياسية ادعت الامامة هي الكيسانية والتي معها بدأ الغلو. هذا اذا ما استبعدنا شخصية عبد الله بن سبأ وما نسب اليه من الغلو والقول بالامامة والوصية معاً.

وعلى العموم ان هذه الفترة من الصراع مع بني امية شهدت بداية القِران الحاصل بين فكرة الامامة وظاهرة الغلو تبعاً للعوامل السياسية، اذ كان اهل البيت الضحية الاولى في تلك الظروف الحالكة لما تحملوه من ظلم واجحاف وقتل وسبي وإبعاد، رغم مكانتهم العظيمة على الصعيد الديني والعلمي والنسب. على ذلك يبدو ان الاحتجاج بالنصوص والاخبار على فكرة الامامة جاء متأخراً عن التصورات المغالية، او ظاهرة القِران بين الامامة والغلو. ونقصد بالنصوص تلك التي تم الاستدلال بها على كون علي (ع) هو الامام بعد النبي (ص)، ومن ثم اولاده من بعده، كحديث الغدير والثقلين والسفينة الناجية وباب العلم وغيرها، وهو التصور المعتدل غير المغالي، والذي شكّل محل اتفاق الشيعة قاطبة، سواء المغالين منهم او المعتدلين.

 

الايديولوجية الشيعية

لماذا شكلت تلك الأهمية في الإيديولوجية الشيعية؟

- في البداية كان التوظيف الايديولوجي للامامة لدى الشيعة قائماً على الاسباب السياسية. لكن الحال تطور فيما بعد ليصبح سلاحاً للمنافسة مع الاخر لاثبات الذات، ومازال الامر كذلك. اذ تنبع اهمية الامامة بما لها من قدرة للحفاظ على وحدة الجماعة قبال الاخر بما يشبه حالة التنافس الحاصلة بين القبائل والعشائر.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2559 المصادف: 2013-09-07 12:11:01