المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

لماذا كل هذه الضجة حول بروست؟

ahmad fadelالذكرى المائة لرواية "طريق سوان" تذكرنا بعبقريته

يصادف الشهر المقبل الذكرى المائة لنشر "طريق سوان" والمجلد الأول من تحفة مارسيل بروست "البحث عن الزمن الضائع" التي تتألف من سبعة أجزاء، والرواية تدور حول رجل واسع الذكاء، لكنه مريض بالإحساس الذي يفاجئ ذاكرته في البحث عن السعادة التي لايجدها وسط عائلته، ولا في الحب، ولا في كل العالم، فيجد نفسه منساقا إلى البحث عنها خارج الزمن شانه شأن المتصوفة من الرهبان .

الجامعات المهمة خططت ضمن برامجها قراءة واحدة أو عقد مائدة مستديرة مكرسة لبروست، مكتباتها كذلك التقت مع مؤلفين وعشاق له لقراءة مقتطفات من روايته الملحمية، أما مدينة نيويورك بدوائرها الثقافية قامت بإحياء أماسي لبروست وسفارة فرنسا بأمريكا نظمت بهذه المناسبة الخاصة بعضا من الأماسي كذلك، وظهرت صور بروست على القمصان وأكواب القهوة والساعات والحقائب والأقلام وأدوات أخرى منوعة، مع أن الكثير ممن تعاطى هذه الصور يجهل كيف أن اثنين من كبريات دور النشر الفرنسية رفضت مخطوطته عام 1912 ووافقت ثالثة على نشرها بشرط أن يتحمل بروست تغطية نفقاتها .

رواية يروست تظهر طموحا غير عادي لكاتب بارع جدا له طريقة إيقاع مدهشة في الكتابة ومن المستحيل مقارنته مع أي كاتب آخر، لكن البعض من النقاد قالوا أنه يمكن أن يقف على مسافة قريبة من هوميروس، فيرجل، دانتي، شكسبير، غوته، وهو في كتاباته لايتحرج من كتابة أي شيئ أو يقوم بالإعتذار من القارئ عنها، سلسلته الروائية الشهيرة لاتزال تشكل نموذجا لما يمكن أن تكون عليه الكتابة فهي صالحة لكل زمان ووقت وهي مزيج من الحقيقة التي لايهادن عليها وحتى وهو يتناول السخرية في بعض فصولها فهي لايمكن أن تتهم بالتهريج أبدا .

ومن خلال هذا العمل الكبير نرى أن بروست قد اهتم بتفصيلات الحياة وحقائقها وكان دائما ما يبتعد عن ملتوياتها التي تناولها كل من تولستوي وديكنز في أعمالهما، حالة بروست هذه متفردة عن باقي الكتاب العظام الذين قرأنا لهم، هو يقول عن ذلك انه لايفكر بتسليط الضوء على خصوصيات أو شقاء شخصياته، لكنها عرضا لجانب واحد قد يكون الاعتراف من خلالها تفسيرا شاملا لتلك الخصوصيات أو الشقاء الذي يعيشونه .

 اعترافات بروست هذه هي في كثير من الأحيان تشي بشخصيتين مختلفتين جدا، إحداهما بروست الإنسان المقلد لطبيعة الحياة والأشياء الداخلة فيها، وبروست الفنان الذي يعشق كل شيئ جميل فيها، أحدهم ينتمي إلى المجتمع الذي يحياه والآخر إلى الأبدية .

مارسيل بروست اضافة لتألقه الأدبي فقد كان وسيما، جذاب، سريع البديهة، لطيف المعشر، موهوب للغاية، رائع في كل شيئ، كما أنه كان غنيا جدا وعضوا في الكثير من النشاطات الإجتماعية متبرعا لها، فهو الأوسع ثراءا في المجتمع الفرنسي، والسؤال الذي يمكن أن يدور في الأذهان لماذا كان كثير البشاشة والحزن معا ما ولّد لديه إحساسا بالإنفرادية في أخريات أيامه؟، قد لانعثر على الجواب في رواياته لأنه كان رواية بحد ذاتها .

* أندريه اسمان / هو أستاذ الأدب المقارن في مركز الدراسات العليا التابع لجامعة مدينة نيويورك، ومؤلف للعديد من الكتب الأدبية النقدية والروايات .

 

عن / صحيفة وول ستريت جورنال

كتابة / أندريه اسمان *

ترجمة / أحمد فاضل

18 أكتوبر / تشرين الأول 2013

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2608 المصادف: 2013-10-26 12:03:18


Share on Myspace