المثقف - قضايا وأراء

العرب والمشروع الإيراني

adnan alhelfiذوبان جليد العلاقة الامريكية الإيرانية فتح الأفق لمرحلة جديدة من عصر مختلف الملامح ومواصفات غير تقليدية لزمن أخر. يجب ان نواجه انفسنا بحقائق جديدة ربما لم تكن متلائمة مع رغباتنا وطموحنا ومواصفات منطقتنا العربية التقليدية التي تركس مجتمعاتها كل يوم برمال متحركة. خلال كتاباتي تعودت ان اكتب بالضد من تمنياتي للمنطقة فانا مغترب وامنيتي هي العودة لاي بلد عربي، ولكني لم اجد دولة عربية مستقرة تؤمن بسيادة القانون واحترام الانسان وتتمتع بدرجة من العدالة الاجتماعية. ومن هذه الحقائق التي يجب ان نواجه بها انفسنا هي كالتالي:

 الحقيقة الأولى:- عدم وجود مشروع عربي. لقد بائت محاولة العرب بالفشل بعد ان حاولت الدول المتحولة من الأقاليم التركية التي كانت تدار من الباب العالي في الاستانة الى دول بقيادات عسكرية خدم الكثير منها في الجيش التركي وانقلبت على الجيوش البريطانية والفرنسية والإيطالية التي كانت تحتل تلك الأقاليم. الجيوش العربية (بقيادة تناسخ الضباط الاحرار) بطبيعة الحال وكما هو معروف تاريخياً لم تنجح في إدارة مجتمعاتها وهكذا تداولت على شكل انقلابات تلد انقلابات وجمهوريات بائسة تلد جمهوريات، ومشيخات تلد مشيخات حتى وصلنا الى الكفر العربي بالانظمة السياسية الحاكمة وظهور الربيع العربي الذي مالبث ان تحول الى شتاء كارثي اسود بعمائم ولحى سلفية قاعدية ومتشددة، ابتداءاً من المحاكم الشرعية في السودان والاخونجية في مصرومروراً بداعش وانتهاءاً بجيش المهدي وعصائب اهل ال(حق) في العراق ليقضوا على ما تبقى من دويلات العرب. في غضون ذلك الألم عندما نواجه انفسنا اين مشروع العرب الاستراتيجي؟ لقد كان الزعماء الدكتاتوريون القومجيون العسكرتاريون يبشرونا بالوحدة العربية وتحرير فلسطين ويسخٌرون كل شيء في دولنا المريضة لهذا الهدف (الاستراتيجي) المعدوم الملامح. لكن هذه الكذبة انكشفت بأول دبابة عراقية انتهكت حدود الكويت بامر من سلطان العروبة العراقي الذي مازال الفلسطينيون يتغنون بصواريخه التي وقعت في صحارى إسرائيل . أكثر من خمسين عاماً احترقت من عمر العرب ومالهم ونفطهم على أشلاء كذبة استراتيجية اسمها توحيد العرب وتحرير فلسطين. وقمم ... هناك قمم لا تظهر الا عورات العرب على اراي الشاعر العتيق مظفر النواب. نواجه انفسنا الان اين نحن من سلم المشاريع الاستراتيجية ، هل هناك ولو دولة عربية واحدة تحمل مشروعاً استراتيجياً لاحتواء المنطقة؟ هل هناك دولة عربية تخلو من الفساد وتعمل على تطبق الديمقراطية وسيادة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية ولها مشروع استراتيجي على صعيد البلد على اقل تقدير؟ اين مفاتيح الوطن العربي كما يسميها شيخ الصحفيين حسنين هيكل والتي هي مصر، سوريا، العراق، والسعودية، هل باتت مؤثرة على القرار الدولي؟

الحقيقة الثانية:- الطبيعة العدائية السادية الوراثية التي تستقر بداخل الجينات العربية وهي الرغبة باستعداء الذات. فعلى الرغم من ان العرب وخلال تاريخهم الطويل مع الإسلام واعتناقه كدين لن يصلو الى مبادئه ، فشل الدين الجديد في توحيدهم، العرب كانوا قبائل متناحرة كما هو معروف يعتاشون على الغزو وقطع طرق القوافل التجارية المارة في صحرائهم الجرداء، لكن مبادئ الدين الجديد شجعتهم على تبني قيم جديدة افضل من قيم العنف والغزو والقتل وقطع الطرق، قيم العمل والزراعة والتجارة، ولكن ما ان مات نبيهم حتى عادوا الى العنف والسيف والقتل والفتن مرة أخرى . بل وغيروا دينهم على مقاس رغباتهم في الغزو والملك والسلطة واباحة المرأة تحت مسميات كثيرة منها الامة والجارية وملك اليمين وما الى ذلك الى فتاوى جهاد النكاح ولانتحاريين وتفخيخ السيارات والمباني والقتل على الهوية باسم الدين الجديد.

 لا احد يستطيع ان لا يواجه نفسه ويهرب من هذه الحقائق المرة، هناك جينات عنيفة بداخل الشخصية العربية لم يستطع العرب التخلص منها، على الرغم من ان معظم الاجناس تخلت عن عنفها ولبست ثوب الحضارة والمدنية بما فيهم شعوب اسيا في الصين واليابان واندونيسيا، لكن العرب ظل انتمائهم الى داحس والغبراء وحروب الاوس والخزرج، والان نشهد حروب السنة والشيعة ليخخلقوا بها اسلاماً عربياً يرضي غريزتي العنف والجنس المجبول بها العرب. ان حروب القبائل لن تفارق العرب بجميع مراحلهم وهي استراتيجيتهم الثابتة على مر الزمان على الرغم من الاحاديث والايات والشعارات التي تشجع على اخوٌة العرب الا انهم اضداد الى يوم الدين. وهذا ما يفسر عدم قدرة الدول العربية للدفاع عن مصالحها داخل منظومة الاسرة الدولية.

الحقيقة الثالثة:- موقع العرب خلف الزمن المعاصر. اثناء دراستي في الجامعة استغربت من بعض الاساتذه الذين لا يطالبون طلابهم بشراء كتاب بعض دروس الكميوتر وتكنولوجيا المعلومات لانهم يعتقدون بان طباعة الكتب أصبحت متاخرة للحاق بالاكتشافات السريعة للعصر الرقمي هنا في الولايات المتحدة. حينها تذكرت المدن العربية التي الى الان تخلو مدنها من ربط دوائرها المدنية والأمنية بشبكة انترنيت داخلية لانجاز المهام والسيطرة على امن المجتمع وتسهيل اعمال البنوك وبقية الخدمات. اذا كانت طباعة الكتاب حسب اعتقاد تدريسيي المعلومات في امريكا باتت لا تواكب سرعة انتاج التكنولوجيا، والوحيد الذي يواكب التكنولوجيا هو استخدام الكمبيوتر وشبكة الانترنيت. ولك ان تتصور كم حجم التخلف في إدارة المجتمعات العربية مضافاً اليه حجم التدمير الإنساني والبيئي والاقتصادي والمؤسساتي الذي يمارسه الإرهاب الديني في غالبية المجتمعات العربية.

الحقيقة الرابعة:- ان العالم الغربي بات لا يحتاج العرب لا الان ولا في المستقبل. فايجاد بدائل للطاقة قد تم إنجازه في كثير من دول العالم الغربي، وأصبحت الأسواق الامريكية على سبيل المثال تتنافس في بيع السيارات التي تعمل جزئياً بطاقة الوقود بل تعتمد في معظم حركتها على بطارية ضخمة داخل السيارة تشحن من أماكن موزعة على شوارع المدن خاصة لهذا الغرض. وهناك مشاريع عملاقة في اريزونا لتوليد الكهرباء بواسطة أبراج الهواء الساخن. في أوروبا ايضاً هناك تطبيقات وبحوث مستمرة للبحث عن الطاقة البديلة, بالإضافة الى ذلك هناك دول غير عربية قادرة على سد حاجة الغرب النفطية مثل ايران وفينزويلا. اذن دول متخلفة غير امنة لا تصلح كاسواق للتجارة والاستثمار مصالح الغرب ستكون من هنا فصاعداً محدودة جداً فيها. وكلما زادت خطورة الدولة فكر المجتمع الدولي باختصار مصالحه فيها. على الجانب الاخر هناك دول تتطور يومياً ولا تتعرض فيها الجاليات الغربية الى الاختطاف والتهديد مثل دول اسيا ، بدأت رؤوس الأموال تتجه اليها، وهناك دراسات أظهرت حجم رؤوس الأموال الامريكية العاملة في الصين ، اندونيسيا ، المكسيك ، كندا والدومنيكان تتقارب من مستويات مهددة للاقتصاد الأمريكي وسوق العمالة الامريكية مما دفع الكونكرس الى سن قانون فرض الضرائب على الأشخاص العاملين خارج الولايات المتحدة. الدول العربية اذن دول طاردة لرأس المال ودول مرعبة للشركات الأجنبية لتعمل بها ، وان كانت سوى مصادر للبترول فان هذه الحاجة يمكن تعويضها من أماكن أخرى اكثر امان واكثر مدنية. 

بعد هذه الحقائق التي لا تعد الا جزء يسير من ملامح الصورة التي يبدو فيها العرب للعالم تأتي ايران وتطرح نفسها كبديل متقدم طموح مستقر وقوة إقليمية واعدة تلوح للغرب بقدرتها على إدارة المنطقة والسيطرة عليها. ويُعد مشروعها النووي الذي لم تطرحه كورقة قابلة للتخلي عنه في مفاوضاتها أجبرت الولايات المتحدة الامريكية على الاعتراف بهذا المشروع تحت شروط المنظمة الدولية. خلال المفاوظات ايضاً أظهرت ايران قدرتها بالتحكم في عدد من أزمات دولية وقدرتها على حل المشاكل العالقة في المنطقة كلأزمة السورية , وامن إسرائيل والقضية الفلسطينية وغيرها. الدوائر الخارجية الامريكية والاوربية وجدت ايران بقيادة رئيسها الجديد الذي يحمل وعوداً للداخل الإيراني المتشدد بتصفية مشاكل ايران الدولية وتأهيلها لتكون عضو فاعل في الاسرة الدولية ورفع الحصار الدولي عن ايران جعلها اكثر مقبولية. كما ان القيادة الإيرانية اخذت تخفف من لهجة الاستفزاز والتهديد التي سلكها الرئيس الإيراني السابق واتى بها على علاقات ايران الخارجية.

براغماتية السياسة الإيرانية الجديدة على الرغم من معارضة المتشددين الإيرانيين تجد طريقاً مفتوحاً لتلعب ايران دورها الدولي في الخليج والمنطقة العربية. العرب يتوجسون خيفةً من التأهيل الدولي لإيران لانهم وبكل صراحة بلا مشروع استراتيجي ووضهم الداخلي والدولي لا احد يتمناه من دول العالم، ودوماً في عالم السياسة ينتهجون مبدأ الحوار مع القوي افضل من تحمل مشاكل الضعيف. وكما ذكرنا سابقاً لم يبق للعرب شيء يغري دول العالم المبتلية بالتضخم والركود والافلاس الاقتصادي. غياب الخطط الاستراتيجية في الدول العربية مع الأسف وصل بهم ليكونوا خارج اللعبة الدولية في الاقتصاد والسياسة. ولا اعتقد ان هناك قمة من قمم زمان قادرة على إعادة الاعتبار العربي. ضعف العرب وتفتت ريحهم هو الذي دفع المجتمع الدولي ليعطي ايران الدور الذي تطمح اليه في قيادة المنطقة واستثمارها سياسياً واقتصادياً وثقافياً, وربما القيادة الإيرانية الان تنفذ ستراتيجيات قديمة كان الشاه السابق قد اقرها وحصل على الدعم الكافي ليمارس دور شرطي الخليج كما كان يسمى آنذاك ، العراق آنذاك كان العقبة الأكبر بطريق الشاه للسيطرة على الخليج ، الا ان العراق الان لم يعد تلك العقبة في طريق التمدد الإيراني ، وبواسطة حماقة القيادات العراقية تاريخياً ضعف العراق وشطب من اللعبة الإقليمية ولم يعد بوابة (الامة) الشرقية، على رأي العسكري المخضرم وفيق السامرائي في كتابه حطام البوابة الشرقية. وهكذا أصبحت مصالح العالم الان مع القوي صاحب المشروع والطموح والقادر على مساعدة الغرب في محنته الاقتصادية. ايران الان ينطبق عليها مواصفات الشريك الاستراتيجي القوي الذي سيتعاون مع الولايات المتحدة واوربا لاصلاح وضعهم الاقتصادي والسيطرة على المنطقة وتحديد مسارها بعد ان فلت زمام الأمور من سيطرة القيادات العربية الجديدة والقديمة وتغلغل التطرف والطائفية والإرهاب بين دولها ، كل هذه الازمات ستُستثمر ولا غرابة في ان تصنع قوى جديدة على الأرض بشرط ان تكون السيطرة بنسختين إيرانية وغربية. :يف يكون للعرب مشروعهم لا اعرف وعقلي يتوقف عن التنظير او حتى الحلم لان العرب قضوا على انفسهم واضعفوأ انفسهم وشوهوا دينهم وليس إسرائيل او اليهود كما كانوا يضحكون علينا حين طفولتنا في تلك المدارس العربية البائسة التي تولد العنف والكره لدى الأطفال اكثر مما تعلمهم العلم والحب والثقافة.  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2609 المصادف: 2013-10-27 05:22:07


Share on Myspace