المثقف - قراءات نقدية

"سطر .. الشارع" .. ديوان الشاعر العراقي فلاح الشابندر

ahmad fadelالرمزية الشعرية حينما تكون واقعا سحريا

يحدثنا كتاب مناف جلال الموسوي "غواية التجريب: دراسة في التجريب الشعري عند جيل السبعينيات في العراق" عن هذا المفهوم الذي شهد تداخلا في ما بينه وبين مفاهيم نقدية وأدبية أخرى أو كما يقول: "مثلما تداخل مصطلح التجريب بمعناه العلمي مع مصطلح التجريب بمعناه الأدبي، فقد استمد التجريب الأدبي وجوده من التجريب العلمي لكن بشروط تحقيق الإضافة والتميز بما يكفل استقلالية المصطلحين" .

ولكي نفهم هذه المعادلة نعود إلى شطر آخر من كلام الموسوي: "ولم تتجسد ملامح التجريب إلا في نصوص شهدت في لغتها إنحرافات إمتدت لتشمل شكلها ورؤيتها إذ لم يحرص الشاعر على تفجير اللغة فحسب وإنما جعل من إشكالية هذه اللغة محورا رئيسا وموضوعا لنصوصه فأدخل مفردات جديدة من معجم الواقع إلى النص الشعري تارة وحاول تحقيق إضافة مخالفة يسجل بها النص الشعري وجوده تارة أخرى وكل ذلك يظهر رغبة حقيقية لتفكيك الجماليات السائدة في النصوص الأدبية وأعاد تشكيلها على وفق نظرة جمالية مختلفة " .

من هنا يطلعنا مؤلف الكتاب أن جيل السبعينيات أو الجيل الشاب كما يطلق عليه هم الذين انغمسوا بالاشتغال بالتجريب وبدا واضحا لدى مجموعة منهم كخزعل الماجدي وزاهر الجيزاني وسلام كاظم وهاشم شفيق ورعد عبد القادر وكمال سبتي وشاكر لعيبي، حيث كانت نصوصهم مادة طيعة لإغناء دراسته التي تضمنها كتابه .

هذه المقدمة كان لا بد منها للولوج إلى العوالم الشعرية للشاعر العراقي فلاح حسن الشابندر الذي يمكن أن يكون من ذاك الجيل الذي قصده الموسوي ولو أن ديوانه الأول " فحم وطباشير " كان قد صدر في العامين 2010 - 2011، فهو لايعترف بزمان معين وقد اسقط التاريخ عن أغلب قصائده لأن معاركه مع الدنيا أنسته تواريخها .

" سطر ... الشارع " إحتوى على 25 قصيدة نثرية حديثة جاءت مقدمته قطعة شعرية لاعنوان لها وهي لفتة حاذقة من الشاعر أراد بها أن يقول لنا: ما دمتم ستقرأون قصائدي فإليكم سطرها الأول أو كما قال:

في زرقة الليل الثلجي يرافقني الشارع مشيا

ثم مشيا .. مشيا .. مشيا

ويمضي إلى سبيله الشارع

في لقاء غير هذه الصدفة

في اتجاه غير هذا الدرب

ما وقوفك هنا؟

ما الانتظار؟

أما سمعت الصفير؟

لا صدى ..

نفسي منخورة ..

وأقفل المحضر ..

إن تصور الراهن الشعري لدى الشاعر في هذه المقدمة النثرية يأخذنا إلى كم هائل من المعاناة التي نلتقيها يوميا في حياتنا، بيوتنا، شوارعنا، أزماتنا المتعددة، منها ما هو سياسي، عقائدي، اقتصادي، وصولا إلى غرف نومنا، فالذي يراه الشاعر غير ما نراه يعكسها جميعا وفق حالة فنية يؤطر فيها تكويناته الشعرية كي يكون وفيا لطبولوجيته، ثقافته، وهويته على وجه الخصوص، وما دمنا نتلمس أفق الشاعر وهو يفتح لنا أحاسيسه وجوارحه في مقدمته النثرية المبتسرة نذهب مباشرة لقصيدته " سطر ... الشارع "، التي  علقها عنوانا على صدر ديوانه وقد احتلت صفحته ال27 والتي تشي بالكثير من معانيه الرمزية التي دأب الشابندر تجربته معها منذ ديوانه الأول، لكنه هنا يضع الواقع السحري لها نصا لا سردا كأنه يكرس لحرفة الشعر ابتكارا لا يخلو من إبداع لفظي أو خيال يتكرر في معظم قصائده :

كل يكتب سطره

زعمت الصدفة ..

أني ذو حظ عظيم .. وبأس شديد

ولما صدّقت الناس نفسي .. وصدّقت

كذبتني الصدفة ... !

هذا ما كان يكفيها ..

ويكفيني

زلة قدم في ضمير أنا وأنت

أنا وأنت ..

ولي من الندامات الكثير !!؟

هنا وبتبرم واضح يخوض الشاعر معتركه الحياتي اليومي منطلقا من زمكان قهره اختار لهما " السطر " وهو البداية في كل شيئ، فقد يكون الولادة والكتابة، المنعطف لسير طويل، واختار " الشارع " بكل ما فيه من بيوت وعمارات ودكاكين وأزقة وأقبية ومساجد وكنائس وحانات وماخورات تعمل في وضح النهار وليله، من هذا " السطر " وذاك " الشارع " تذكرني قصيدة للشاعر الإنكليزي الأمريكي ويستن هيو أودن (1907 - 1973)، كان قد ترجمها إلى العربية الشاعر الراحل سركون بولص (1944 - 2007)  يقول في خواتيمها :

لم تعد تأتي الأغاني : كان عليه أن يصنعها

بأية دقة كانت كل عبارة مرتبة !

لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،

وسار في المدينة مثل سفاح،

وكان ينظر إلى البشر فلا يودهم

لكنه يرتعش إذا مر به أحدهم وهو عابس .

ولعلها صدفة أن يلتقي الشعراء ليقولوا ما يشجيهم بين سطور الشوارع، أو أنها هي روحهم الهائمة، المتوحدة، المتمعنة فيها .

الشابندر يمضي في قصائد ديوانه متنقلا بين شارع وشارع، متفحصا آثاره، رجاله، نساؤه وكل شيء فيه، ففي قصيدة " أبدعها بما توحي " نراه يتحدث عن امرأة أعطته زهرة في ذلك الوسط المزدحم اللاهي الغاضب، قال :

نساء نساء نساء في امرأة

حفيت امرأة

زرعت في كفي زهرة ..

ضممتها إلى حين ..

تتنامى ....

تتنامى على نحو صامت ..

زهرتي

لكن دقائقي دهرية ..

ومثلما لفافة تبغ تفكر،

ونافذة ..

نافذة تعرف التفاتة الريح ...

ومهر الريح للنافذة طير ...

أبدعها بما توحي

أبدعها امرأة

تفتتح على مرايا .

النص الشعري هنا ومع أنه مفعم بالرمزية، لكنه محاكاة استيحائية للواقعية السحرية الذي هو بالأساس مصطلح عام وفضفاض كما عبر عنه الشاعر والقاص فاضل العزاوي تختلف فيه الكثير من المدارس والاتجاهات  .

وبنفس الثيمة تبدأ القصيدة صعودها في ديوانه معبرة عن ذات المعنى كقصيدة " بيان هام " و " السكران الأخير " و " الشارد خيط " و " جزاررررررررررر" و " نواطير " و " طارئ الحب " التي نتوقف عندها لأنها لفتت انتباهنا كونها قصيدة من أبيات خمسة تذكرنا بالقصة القصيرة جدا يقول فيها :

أقبلُها مطرا ..

مطرا

على المجرد العاري

فعل الماء في الأشياء :

القُبل

أنظر كيف صور الشاعر القبلة على أنها سيل منهمر من المطر وحتى الماء نرتشفه كالقبل، وكذا قصيدة " منارة الحلم " و " لافتة " و "قف " و " ثقب بالاستعارة " بقسميها و " التانكو الأخير " و " نص فاشل " التي مهما كتب الشاعر عن هم الفعل، الرجل الذي يحمل صفة البطل لديه، لا يمكن بلوغ مآثره فهو بالتالي نص فاشل مهما بلغ التعبير به :

البطل الممسرح في تجلياته

يتودين ممسرح .....

ويتهضب

البطل .... الغمام

تشيع وتشيع فيه الريح

ضريحا

ضريحا مجروحا ..

غسق بلادي

ذاوية زهرة الشمس

حاضرنا الراحل

وأناب الحارس

وإذا ما دنا .... دنا يدنو

يسترق السمع

أبلغ ...

إلى أن يقول :

مضحكة

مضحكة ..

أسمال المهرج البطل

في مقولة جد مؤثرة للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة ( 1923 - 2007 ) وجدت من المناسب سوقها هنا لأنها يمكن أن تقترب من الحيثيات التي قامت عليها قصائد الشابندر في ديوانه الأخير، تقول : " قد يكون الشعر بالنسبة للإنسان السعيد ترفا ذهنيا محضا، غير أنه بالنسبة للمحزون وسيلة حياة "، فالقصائد " الطارئ "، " على مذبح الحقل "، " خربشات آخر الليل "، " أزيز "، " مفازات القبل "، " قصة طويلة جدا " التي تنتمي إلى ذات القصيدة القصيرة جدا والتي سبق أن مررنا هنا عليها، نقرأ أبياتها الستة التي يقول جورج أرويل في محضر وصفه لهذه التقنية : " لا تستخدم كلمة طويلة حين تفي كلمة قصيرة بالغرض " :

صمت يحدثني مرارا

كان يا ما كان !

وما سيكون

في

قديم

المنام!

تبقى أربعة قصائد من الديوان هن : " وارتكبت خريفا "، " من الآيات ... تفاحة "، " جدل أول "، " شغب وساوس "، وهي سطره الأخير  بل أقول :  لن ينتهي بها القصيد  طالما الشارع تملئه الوساوس :

" بعد اللا أحد برعشتين "

إذا ما فض الشغب ..

نم .. نم !

الحلم مداك

لم أزل أسعى

ويؤملني، طراوة الحلم مطرا

ولأن فعل الماء في الأشياء ..

رسمت مظلة ورسمتك افتراضا

****

عما قريب يرفع الستار،

ويرفع قبعته الاحتفال

تنادت :

إذا ما تركتني لسوف أغرق

ليست بالضرورة الهاوية إلى

...

أسفل !!

خلاصتنا ل " سطر .. الشارع " هو تكملة لما سار عليه الشابندر من تجريب لقصيدة النثر أضاف إليها بعدا آخرا هي الواقعية السحرية الشعرية، لأن " السطر والشارع " صنوان لايختلفان، فالبدء كان الكون والإنسان ..

جاء الديوان ب 72 صفحة وبطبعة جميلة شارك في جماله وألقه الفنان العراقي قاسم العزاوي بلوحته المعبرة التي حملها غلافه الخارجي، بينما تركت الناقدة والمترجمة الكبيرة الدكتورة إنعام الهاشمي (حرير وذهب) بصماتها عليه فلا غرو أن جعل الشاعر منها وفناننا العزاوي وشاعرنا المتجدد فائز الحداد يمشون معه على سطر الشارع، فهؤلاء هم رفقاؤه الأوفياء في هذا الدرب الطويل، فالوفاء أعلى مراحل الإنسانية كما يقول إيمانويل كانت .

 

أحمد فاضل

............

للاطلاع

سطر الشارع .. ديوان جديد للشاعر فلاح الشابندر عن مؤسسة المثقف

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

حين يتكلم الناقد القدير أحمد فاضل أنصت وأتأمل...
وهل تكتمل المسيرة على سطر الشارع إلا برفقة قلمك أيها العميق والمتعمق في النص ومعانيه وصوره الرمزية ...
مما يعجبني في قراءاتك هذا الربط الراكز المتين بين الأدب العالمي والنص الذي بين يديك وقد اجدت في هذا هنا .. رغم انني قرأت الديوان وكل نصوصه إلا أني هنا قرأته بعينيك وفكرك ورأيت إضافة الى ما رأيت من قبل مرايا صافية الفضة تجعل القاري ينفذ من خلالها إلى ما وراء الانعكاس ويرى ما تراه عين الصقر الناقدة ...
شكراً لك هذه القراءة النابهة ، والحق أقوله أنني كنت في انتظارها تمنياً.. وقد اتفقنا في أكثر من نقطةوأهمها أن فلاح الشابندر يختط لنفسه سطراً واضحاً يميزه عمن عداه في قصيدة النثر والرمز بالذات.
تحياتي ودام لك القلم والفكر استاذ احمد فاضل... وتمنياتي لشاعرنا فلاح الشابندر المزيد من التحقيقات والانجازات ؛
......
حرير و ذهب (إنعام)
الولايات المتحدة

حرير و ذهب (إنعام)
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل احمد فاضل تحية طيبه
ما ينبغى ان نعرفه وفى موضوع المسائله بين الالية والتجريب يذكرنى قول لقائل لا ان ترفع الستار .. ان تثقب الستار لاحتدام التضاد وإيقاعه ومهمة الشاعر ان يتناول الاثر لكنها مهمة ضرورية وصعبه لما يتصف الشارع من انبساط تارة ومنفعلا تارة ا اخرى ..
اخى واستاذى اجدك مسكوناَ بالحفر فى الحقل المعرفى الجاد مرة فى الترجمه واخى بالتحليل والنقد والمحاكاة المدهشه قى الافق الاوسع للادب واعنى ادب السير لاقلام عالميه ... يسعدنى كثيرا ما استوقفك ديوانى وهى بصمة غاليه فى دفترى المتواضع سيدى الجميل احمد ولا انسى اعزائى الدكتوره انعام الهاشمى والشاعر الكبير فائز الحداد والتشكيل والاشكال الفنان قاسم العزاوى الجميل ودمتم بخير احبتى

فلاح الشابندر
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً شاعرنا المتميز فلاح الشابندر ومجدداً للناقد القدير أحمد فاضل ...

حرير و ذهب إنعام)
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2653 المصادف: 2013-12-10 11:35:18


Share on Myspace