المثقف - قراءات نقدية

عواطف قلقة وامرأة تهيم شعرا .. فرح دوسكي ومجموعتها الشعرية القصيرة جدا: قصائد أنثى

ahmad fadelهذه المجموعة الشعرية القصيرة جدا "قصائد أنثى" للشاعرة العراقية فرح دوسكي  و" جدلية الغيمة " التي سبقتها، تصلحان أن تكونا أصغر ديوان شعر لو صدر حتى الآن، وقد يكون اضافة نوعية لما دأب عليه الشعراء وهم يخوضون معترك هذا الشكل من الشعر بعد أن سهروا عقودا طويلة في خط ملاحمهم الشعرية الطويلة التي تقلصت بفعل الزمن الآخذ بالتسارع  لحضارة لا نعلم ماذا تخبئ لنا بعد .

الشاعرة دوسكي قد لاتختلف عن أي امرأة أخرى شرقية تقول الشعر، إلا انها تمسك بتلابيبه بقوة كما مسكت أختها الملكة شبعاد قبل أكثر من 5000 سنة بقيثارة أور الذهبية لتعزف وهي على قيد الحياة معزوفة رحيلها الأبدي، وهي مع تنوعها الشعري ومضامينه المختلفة فقد أتحفتنا من قبل بالقصيدة الطويلة سواء أكانت تلك التي وظفت التاريخ البعيد لبلاد سومر وأكد لتصنع لنا واحدة من أجمل نصوصها الملحمية " بكاء الرقيم " الذي شاركها فيها الشاعر العراقي المتميز زاحم جهاد مطر، أو قصائدها الوطنية والإنسانية والعاطفية، هنا في قصائدها القصيرة جدا التي نضعها الآن تحت مجهر نقدنا لها كواحدة من تجارب الشاعرة على وجه الخصوص نتلمس فيها مكامن الجمال، التقنية والاشتغال، البوح القادم من أعماق الروح: 

حين نبض قلبي

خلتك لي

سامحني تماديت بالنداء

هكذا تبدأ الشاعرة مجموعتها الشعرية القصيرة جدا أو ما يطلق عليها " الومضة " بقصيدة  " أجل " التي يعّرفها قاموس المعاني أنها حرف جواب مثل " نعم "، لكنها تتقدم عليه جزلا بالمعنى الأقرب، وهي أي الشاعرة حينما استخدمت تلك البلاغة فقد أعطت زخما لقصيدتها القصيرة جدا بأن جعلتها لا تخرج عن النسق اللفظي للغتنا العربية العامرة بالتأويلات الجميلة، وهي في المقاطع الثلاثة للقصيدة تؤكد ب " أجل " أن الذي ناداهاهو قلبها، هواها الذي صور لها كل ذلك الحب وقد تمادت بنداءه، غير أنه لم يكن لها ولن يكون  فهي واثقة أنه لايصلح لها بكل الأحوال، وبكل عنفوان المرأة الوائقة من نفسها تقول له : سامحني تماديت بالنداء .

قصيدة " أجل " قد تصلح أيضا أن تكون قصة قصيرة، لكن مهارة الشاعرة دوسكي في خلق نص شعري بديلا عن السرد القصي استخدمت فيه التكثيف اللغوي والإيجاز بدلالاته وإيحاءاته فجاء  أكبر من كلماته القليلة، ومع أنها في قصيدتها " دائما لي ما تبقى من الوقت " قد زادت مقطعا رابعا على سابقتها فإنها احتفظت بذات النسيج الشكلي لها تقول فيها:

يوم صار العشق بلا خطيئة

أغلق نوافذ الترقب

وأسكت ألف ليلة

لما .. !! انتظاري

أما في " " حين شاخ العمر " تقول:

ابتسمت ثانية

عثرت على نصفي المفقود

في زمن سن قانون البكاء

الشاعرة ومع اشتغالاتها في صنع قصيدة قصيرة جدا تتمتع بكل مزاياها فقد استخدمت فيها إيقاعا خاصا إرتبط ارتباطا وثيقا بواقعها النفسي حيث تلمسنا فيه التكرار من صوت وكلمة وجملة قصيرة جدا حيث حافظت على تقنيته المعهودة كالبنّاء الماهر الذي لاينسى أن يحمل معه أدوات عمله جميعا في أي عملية بناء يتعهدها، فالجناس والطباق والتوازي الصوتي والمقابلة كانت أدواتها التي ساعدت في صنع هذه المجموعة، أما صورتها الشعرية التي تدخل هنا ضمن تقنيات الشاعرة واشتغالاتها فلم تخرج عن ما هو مألوف فيها من تفكيك لعناصرها ومكوناتها من تشبيه واستعارة ومجاز كناية وانزياح لتصب في نهايتها تعبيريا وجماليا ، الناقد المغربي الداديسي له رؤية خاصة فيما يخص النص الشعري حيث أجمله أنه رسالة موجهة ينبغي تناول العناصر المشكلة له : عرض الوسائل المتوسل بها لإبلاغ الرسالة، الضمائر، الأساليب (الخبرة والإنشاء)، طبيعة الجمل، فبعد الإنتهاء من دراسة هذه المكونات يتم تجميع النتائج المتوصل إليها من أجل الوصول إلى تصنيف النص إلى خطاب معين، على هذا التوصيف يمكن أن نجمل رسالة الشاعرة فرح دوسكي في جميع قصائد مجموعتها الشعرية القصيرة على أنها قلق عاطفي حيث يتبين حجم التقاطع بينها وبين من تبثه أشجانها فهي قادرة بما تمتلكه من أحاسيس على إنتاج ذلك الشعور، هذا ما وجدناه في قصيدة " في حضرة الاقتراب":

تغويني عيناك

صوتك يمضي في جسدي

تزف الوقت ملاكا

يستعر المنفى بالرجم

ترمي شهوة في مشجب السخرية

تمضي ..

أو في " ما أقسى أوهامك ":

ومواقيت الاصطياد

فما صنعته من العابك النارية

محض هراء

أنا الالف إلى الياء

قابلة للحراك سقوفي

وكذا في " حين شاخت شجرة آدم " و" دون جسد " و" ويح قلبي " و" وشوش لي باللقاء صباحا " حيث نقرأ فيها:

فخرجت من أصابع الليل

أزرع الأسئلة

و " يوما مضنيا آخر " و" انتفضت " و" أحبك جدا " التي اختتمت بها مجموعتها الشعرية القصيرة جدا حيث أزدلت الستار عليها ببيتها الأخير :

أحترق فتطفئني قصائدي

 

أحمد فاضل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

رائع جدا استاذ احمد في تناولك لمجموعة الشاعرة فرح دوسكي هذه .... لقد فتحت باب الغلق على مكامن النص رغم قصره وانزياحه ولكنه قصر وانزياح رقيق كرقة الشاعرة الصديقة فرح دوسكي وابتسامتها الهادئة .... عشت اديبا باسق القامة استاذي الجميل احمد فاضل

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي القدير أحمد فاضل
سعدت جداً باكتشاف المزايا الفنيّة الخاصة في نصوص الشاعرة المائزة فرح دوسكي عبر حسّك المرهف في قراءة خفايا المفردات النابضة بالاحساس الانساني الرفيع.
شكراً لهذا المجهود النقدي العامر ببهاء روحك
مودتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2661 المصادف: 2013-12-18 18:23:10


Share on Myspace