المثقف - تقاريروتحقيقات

منتدى الحوار الثّقافيّ/ وكتاب "جناحٌ لدوريِّ الحقل" للشّاعر د. سليم مخّولي

amal_awadأقامتْ أسرة منتدى الحوار الثّقافيّ ندوةً يوم الخميس الموافق3-12-2009، في قاعة جاليري مركز التراث/ البادية/ عسفيا الكرمل، تحت عنوان "جناحٌ لدوريِّ الحقل"، للشاعر د. سليم مخولي،

وتناولت الكتابَ من جوانبَ عدّة، وقد افتتحَ اللّقاءَ الشّاعر رشدي الماضي بكلمةٍ جاءَ فيها:

الشّاعر سليم مخّولي وجناحٌ لدوريِّ الحقل:

لأنّهُ الفنّانُ والشّاعرُ الرّائي، هبطَ إلى الأعماق التّحتيّةِ، هبطَ ناسكًا متصوّفًا إلى بئرِ ذاتِهِ، الّتي راحتْ تنداحُ وتتّسعُ، لتحتويه وترفعهُ على أجنحةِ الكلام، فشرّعَ لخيالِهِ النّوافذ، وفتحَ دروبًا للسّفر في فضاء الإنسانيّةِ الرّحب، وراحَ يُعبِّدُهُ بما يَسكبُهُ وجدانُهُ على الورق، تاركًا إيّاهُ ينسابُ كالنّهر، بحركةٍ متجدّدةٍ ودائمة.

ولأنّهُ ذو وعي بمأساةِ الزّمن العربيّ، فقد جاءتْ كلماتُهُ مفعمةً بذلك المعيش المُلغز الّذي يختلجُ في داخلِنا، نعم يا شاعري مخّولي، أنت صوتٌ شعريٌّ يَصدرُ عن معاناةٍ كيانيّةٍ بيّنة، وتحملُ الرّؤيا الجديدةَ بعثًا وخلاصًا، لذلك كتبتَ ورسمتَ الإنسانَ والمكان، كي لا يتلاشيا تحت أقدام غزاة العصر، ولا تبتلعُهما لجّةُ الزّمنِ الغائب، كتبتَ وأنت تستمدُّ حبرَكَ من أدواتِكَ الخاصّة، لأنّك ترفضُ أن تستعيرَ أصابعَكَ مِن يد أحدٍ، كتبتَ وأنتَ مسكونٌ باللّغةِ ومُقنّعٌ بالمجاز، ومُتلفِّعٌ بعباءةِ الصّورة، فتدفّقتَ أيّها المعتكفُ لغةً مشبوبةً قلقةً وغنيّةً بالخصوبةِ والدّلالات، كلّ ذلك، وقد ارتقيتَ بالذّاتيّ إلى الشّموليّ، وبالخاصّ إلى الإنسانيّ، كي تسمو بالحياةِ وتعطيَها معناها الحقيقيّ، وتمكّن إنسانَ هذا الزّمن الرّديءِ أن يجدَ مكانًا يلوذُ به وسط عالم يتهدّم.

أما د. فهد أبو خضرة فتحدّثَ عن المجاز اللّغويّ، وعن الاستعارة التي أبدع بها مخّولي بأنواعِها المتعدّدة وباستعمالاتها المختلفة، إذ إنّ الاستعارة من أهمّ وسائل الإبداع، وهي الأولى في مجال الشّعر، إذ تفتحُ خيالَ المتلقي للتأثّر بما تحملُهُ مِن بعدٍ إيحائيّ، وتفتحُ مجالاتٍ واسعةً للخيال والعالم، فيراهُ مِن خلال الاستعارة ولغةِ التكثيف دون تطويل، كما تحدّث عن الإنزياحات الّتي تقود إلى إيحاءاتٍ عديدة، فكميّة الانزياح هي الّتي تمثّل الشّعر، وإذا كثُرَ الانزياحُ في النّثر تعلو لغتُهُ الشّعرية، كما في أدب جبران.

 

أما في مداخلة د. منير توما المفصّلة فقد قال:

الفنّانُ يعملُ دائمًا في مادّةٍ ما، فهو يبني بالحجرِ أو اللّونِ أو بالكلمات، غيرَ أنّ فنّ الكلماتِ وعلى الأخصّ كما يستخدمُهُ الشّاعر، فنٌّ يثيرُ أغربَ المشاكلِ وأكثرها دقّةً مِن أيّة نظريّةٍ من نظريّاتِ الفنّ، فاللّغةُ في أحدِ مظاهرِها أطوعُ الأدواتِ تحقيقًا لأغراض الإنسان العمليّة، والفنّانُ الشّاعرُ الدّكتور سليم مخولي بانتقائِهِ لكتابِهِ الجديدِ هذا عنوان: "جناحٌ لدوريِّ الحقل"، فإنّهُ يَعكسُ فرادةَ الخواطرِ الّتي يتضمّنُها الكتابُ، مِن حيث الصّور والمعاني الرّمزيّة، الّتي تُفرزُها الكلماتُ بمقاصدِها المنطقيّةِ ومضامينِها السّيكولوجيّة، لاسيّما وأنّه بكونِهِ شاعرًا يعتمدُ في فنِّهِ على هذا الازدواج، فهو يُعنى على وجهِ الخصوص بما تعكسُهُ الكلماتُ مِن ظلالٍ، وبما تحملُهُ هذه الكلماتُ مِن طاقة.

إنّهُ يحاولُ أن ينفخَ الحياة في التّجربة، سواءً أكانت هذه التّجربةُ ممّا يختلجُ في نفسِهِ، أو في نفوسِ غيرِهِ مِن أحاسيس وأفكار، وهو لذلك يتخيّرُ تلكَ الكلمات، أو استعمالاتها الّتي تثيرُ في القارئ حالةً نفسيّةً بعينِها، أكثرَ مِن مجرّدِ نقلِ صورٍ وعواطف وأفكار إليه.

 

من الطّريفِ أن يتبادرَ إلى أذهانِنا مِن عنوان الكتاب تلكَ الرّمزيّة، والإيحاءات الّتي يحملُها عصفورُ الدّوريُّ، الّذي يرمزُ إلى الوحدةِ والعزلةِ (سفر المزامير)، الّتي يعوزُها المتأمِّل كذلك، فالدّوريُّ يرمزُ إلى التّواضع في (العهد الجديد من الكتاب المقدس)، الّذي يتحلّى به غالبًا المفكِّرُ الغارقُ في التّأمُّلِ الحياتيِّ والكونيّ، علاوةً على كوْنِ عصفور الدّوري مقدّسًا، عند أفروديت/ فينوس إلهة الحبّ والجمال في اليونان القديمة، ولهُ الحضورُ الحرُّ في ديارنا على مدى العصور.

 كما أنّهُ مِن الجدير الإشارةَ، إلى أنّ الكاتبَ يبدأ عنوانَ كتابِهِ بكلمةِ "جناح"، والأجنحةُ هي إشارةٌ بارزةٌ ومهمّةٌ إلى الحرّيّةِ الشّخصيّة، بحيث تُتيحُ للإنسانِ التّحليقَ مجازًا واستعاريًّا في عالم الفِكر والخيال، لتُمتّعَهُ بالحرّيّةِ الممنوحةِ له فطريًّا، وبالتّالي، تتوفّرُ لديهِ حرّيّةُ التّجاوزِ والسّموِّ، في عالم الأفكارِ والكلمات المُعبِّرةِ عن حالاتٍ متنوِّعةٍ في هذهِ الحياةِ المستوريّةِ والمُلْغَزة، إلى حدٍّ لا يُدركُهُ الإنسانُ في أحيانٍ كثيرة!

إنّ التّحرّرَ الفِكريَّ هو علامةٌ فارقةٌ في دنيا الأدبِ والفنّ، وعليهِ، فإنّ النّجاحَ هنا هو رمزُ الحرّيّةِ الشّخصيّةِ ذاتِ الألوانِ العديدةِ، في حقلِ الحياةِ الزّاخرِ بالمفارقاتِ والتّقلّباتِ والأحاجي الإنسانيّة.

 

إنّ هذهِ الدّلالاتِ الرّمزيّةِ الّتي يوحي بها الكتابُ محوريًّا مِن خلال الخواطرِ المنسابةِ في نصوص، تتأرجحُ بينَ رومانسيّةِ المعاني والكلماتِ في موضعٍ ما، وعبثيّةِ الحياةِ في موضعٍ آخر، بالإضافةِ إلى تصويرٍ للطّبيعةِ وجماليّاتِها، بما فيها مِن أصالةٍ وعراقةٍ وتراثٍ مقرونة بلمساتٍ أو نفحاتٍ شاعريّة سرياليّةِ المعنى، حيث تتجلّى دائمًا النّزعةُ الإنسانيّةُ، خصوصًا في تصويرِهِ لمظاهرَ لافتةٍ مِن بؤس الحياةِ والمجتمع، وألوانٍ من مآسي الإنسانيّةِ القاتمة، كلُّ ذلك بلغةٍ سلِسلةٍ شفّافةٍ تتماهى مع نفسيّةِ الكاتب، كشاعرٍ ورسّامٍ مرهفِ الحسّ، يتّخذُ مِن التّأمّلِ وسيلةً لاستراحةِ الوجدانِ، واكتشافِ التّناغم والانسجام داخل الذّات، لا لمعرفةِ الحُبّ والحقيقةِ فحسب، بل، لإدراكِ الرّوح الإنسانيّة أيضًا.

إنّ رمزيّةَ الجناح في عنوان الكتاب تحملُ في معناها من خلال السّياقِ التّحرّرَ مِن المادّةِ ومِنَ الفناء، مِن حيث أنّ الكلمةَ تبقى ولا تفنى عبر العصور (immortality of the word)، وتستمرُّ في التّحليقِ في عالمِ الفِكر تمامًا، كديمومةِ عصفورِ الدّوريّ في هذه الحياةِ المتمثّلةِ بحقلٍ واسعٍ مِن عالم المتناقضاتِ والمتغيّرات فكرًا وممارسةً، على شتى الأصعدة البشريّة، ومِنَ المهمّ التّنويه هنا، إلى أنّ الأجنحةَ يمكن أن ترمزَ أيضًا إلى المثاليّةِ والسّذاجةِ والكبرياء، (كما في قصّة إيكاروس بن ديرالوس)، حيث تشملُ خواطرُ الكتابِ بعضَ الأفكار والكلماتِ الّتي توحي بهذه المعاني إيجابًا وسلبًا، تبعًا للموقف المقصود، فروح المثاليّةِ نراها وقد انبثقتْ ضمنًا مِن قول الشّاعر الدّكتور سليم مخولي ص 74:

وُلدتُ مرّةً دونَ إرادتي

ومرّاتٍ في كلِّ رغبةٍ

وما زلتُ أنتظرُ ولاداتي الجديدة!

 

إنّ هذه المثاليّةَ المنبعثةَ مِن هذه الكلماتِ هي مثاليّةٌ كامنةٌ في روح الكاتب، الّتي تطمحُ إلى التّحرّرِ مِن قيودِ الحرفِ أو النّصّ الحرفيّ بالأساس، والانطلاق إلى ما وراء الكلمة بمعناها العميق الدّفين في تشظّياتِها المتناثرة باتّجاه الحقول النّيّرة، كذلك تعكسُ هذه الكلماتُ سذاجةَ بعض النّاس في فهْمِ وتقبُّل أفكارٍ هادفة ذات مغزى، بشكلٍ سطحيٍّ لا طائلَ منه، أمّا كوْنَ الأجنحة أيضًا للكبرياء، فتتمثّلُ في خاطرةٍ للكاتب ص 53 حيث يقول:

الثّعلبُ فنّانٌ أصيلٌ

ومِن طبيعتِهِ خداعُ الآخرين

وإذا خُدِعَ مرّة - ضحكَ مخادعًا

وانتصر!

 

ومِن المناسبِ أن نشيرَ في هذا المقام، إلى أنّ الأجنحةَ في رموز عصر النّهضة الأوروبيّة (renaissance) تتّصلُ بأشياء تدلُّ على الفكريّةِ الرّوحيّةِ والعقلانيّةِ النّفسيّة (supersensory intellectuality)، وهذا ما نلمسُهُ في الخاطرةِ ص 52 حيثُ يقول:

القبلةُ كلامُ الرّوح

لا تنطقُ بها الشّفاهُ

وتقولُ كلَّ شيء!

 كذلكَ هناكَ نفحاتٌ مِن هذا التّرميزِ ص 74:

الحياةُ قصيدةٌ جميلة _ بآلامِها وآمالِها

والحياةُ – يقظةٌ فمَن سَها عنها غفِلتْ عنه

وهنا يَحضرُني قولُ الشّاعر (إيليّا أبي ماضي)

إنّ القصيدةَ أعمارُنا    أبياتُها والموتُ فيها القافية

 

577-amal

وينتقلُ كاتبُ هذه الخواطر بقلمِهِ، كما ينتقلُ عصفورُ الدّوريُّ بحرّيّةٍ، مستخدِمًا جناحيْهِ للطّيرانِ في إحياءِ وديارِ هذه الحياة، مُعبِّرًا عن قدرتِهِ على خوْضِ الأسفار الفِكريّةِ التّأمّليّةِ، بين العوالم البشريّةِ والعوالم الخارجيّةِ الأخرى، باعتبارِ قلم الكاتب جناحًا للمُتأمِّلِ الحُرِّ المنطلِقِ المُحلِّقِ في عالم الكلمة أو عوالم الأفكار والرّؤى، حيثُ يتحرّرُ الكاتبُ في رسْمِ لوحاتِ الجَمالِ الطّبيعيّةِ مِن خلالِ ريشةِ قلمِهِ حينَ يقول:

لبستِ اللّوزةُ فستانَها الرّبيعيَّ ومشَتْ تختالُ في الحديقة

تبعَتْها الطّيورُ مِن كلِّ صنفٍ

كانَ قلبي واحدَها

رفعَتِ النّسمةُ الشّماليّةُ أطرافَ غلالتِها

فتناثرَ الفرحُ الأبيضُ على الخدودِ المتورِّدة!

 

إنَّ هذهِ اللّوحةَ العباريّةَ الرّمزيّةَ ذات النّصّ الرّبيعيّ بالمعنى والإيقاع، تحملُ تداعياتِ ما يَرمزُ إليه عصفورُ الدّوريُّ في كثيرٍ مِن الحضارات، حيث يَرمزُ فيها إلى التّوْقِ الشّهوانيِّ الشّديد، وهذا ما توحي به هذه الخاطرة الّتي تؤسّسُ إلى رغبةِ الإنسان في الاستمتاع بالجَمالِ، مِن خلال تكاملِ الطّبيعةِ مع الإنسان، ولو كانَ ذلك على مستوى الرّمز.

 

كما أنّ عصفورَ الدّوريّ يرمزُ إلى الخصوبةِ، وإلى اكتشافِ حُبٍّ جديدٍ في الحياة، وإلى القدرةِ على استخدام قوّةِ الشّعر في التّعبير عن ذلك، علاوةً عن كوْن الدّوريّ يُشكِّلُ رمزًا لفهْم الجوانبِ المختلفةِ للعِرْق، وفهْم كلّ منظوراتِ اللّون، وفي التّرميزِ اليابانيّ يرمزُ عصفور الدّوريّ إلى الإخلاص، وفي المسيحيّةِ يرمزُ بالإضافةِ للتّواضع والبساطة إلى الإباحيّة والشّهوات، وفي الحضارةِ العبريّةِ يرمزُ الدّوريُّ مِن خلال اسمِهِ إلى الحرّيّة

(freedom- liberty)، أي التّحرّر والطّيران الحُرّ اللاّمبالي وغير المكترث.

 

والاقتباس التّالي يعكسُ هذه المعاني الرّمزيّةَ لعصفور الدّوريّ، بما تحملُهُ مِن إيحاءاتٍ وأخيلةٍ تؤثّرُ في نفس القارئ أو السّامع ص 17:

رائحةُ العشبِ على السّطوحِ الصّيفيّةِ

تبعثُ ذكرى كروم العنبِ والرّمّانِ والتّين

مع المواعيد الآتية... اِنتظريني -  اِنتظريني!

أقولُها ثانيةً، لا مِن تباطؤٍ أو تعب

إنّما المسافة تكبرُ في شوقِنا

 

ويُلاحَظُ في هذا النّصِّ التّماهي بينَ صوَرِهِ الفنّيّةِ، مع صورِ الحُبِّ الشّهوانيِّ المُبطّنِ في نشيد الإنشادِ لسليمان الحكيم، في العهد القديم من الكتاب المقدّس، ممّا يؤكِّدُ المعانيَ الرّمزيّةَ آنفة الذّكر لعصفور الدّوريّ في هذا السّياق.

 

أمّا في النّصّ الثّاني ص 28 من الكتاب حول ذلك المعنى فقد ورَد:

في حارتِنا رجلٌ لا يشبعُ، يأكلُ اللّحمَ نيّئًا

وكتنّينِ مار جريس، يبلعُ الفتاةَ الجميلة

أين المعجزة؟

 

وحولَ رمزيّةِ الدّوريّ لاستخدام قوّةِ الشّعر في التّعبير الّتي ذكرناها آنفًا، وفهْم الجوانبِ المختلفةِ للعِرق ومنظوراتِ اللّون، نلمسُ نفحاتٍ من ذلك في النّصّ ص 52:

إن أدخلْ مِن باب الشِّعرِ فلِكَيْ أخرجَ منه

كي أفتحَ نافذةً أخرى

أمسك ظلّي - أحميه

وأعودُ إليه فيأةً تَسقطُ مِن جدراني

 

وأخيرًا، فإنّ الدّكتور سليم مخولي يُضاعفُ في هذا الكتاب مِن رصيدِهِ ومخزونِهِ الأدبيِّ والفنّيّ، حيث يستحقُّ كلَّ ثناءٍ وإطراءٍ على هذا الإبداع، الّذي يُخاطبُ في آنٍ واحدٍ الرّأسَ والقلبَ والأحاسيس.

 

ثمّ جاءتْ مشاركةُ الشّاعر فهيم أبو ركن حول أسلوب الإلماع في خواطر"جناحٌ لدوريّ الحقل":

نسعى في هذا المقالِ إلى بيان طريقةِ الشّاعر، في تكثيفِ إيحاءاتِهِ الرّمزيّة في صورِهِ وخواطرِهِ وأفكارِهِ، وإلى إبرازِ مواقفِهِ مِن عدّةِ قضايا حياتيّةٍ واجتماعيّةٍ وفلسفيّةٍ، وأدبيّة وثقافيّة.

لقد صاغ الشّاعرُ نصوصَهُ بألفاظٍ موحيَة، وصِدقٍ تعبيريّ، حتّى أنّك تشعرُ وكأنّكَ في حديثٍ صريح دافئٍ معه، يُعبّرُ لك عن مكنوناتِ نفسِهِ بتدفّق، وعن مخاوفِهِ بالإشارة، وعن أفكارِهِ بوضوحٍ غيرِ مملّ، بل مُزيّنٍ بحجاب الرّمز المُغري بمواصلةِ القراءة، خاصّةً أنّه لا يعتمدُ الإطالة، فهو يعرفُ كيف يختتمُ الفكرةَ في النّصّ بالقفلة المناسبةِ واللّفظ الملائم.

في هذهِ الصّور اختار الشّاعرُ الأسلوبَ التّصويريّ، الّذي يَرمزُ بتفاصيلِهِ إلى الفكرة، فتكونُ الكلمةُ بمثابةِ الخطّ في اللّوحةِ، ومعناها يُمثّلُ اللّونَ الّذي يختارُهُ الرّسّامُ لتجسيدِ أجواء اللّوحة، فنرى لوحاتٍ مبتكرةً لم تجترّ الصّورَ العاديّةَ التّقليديّة. فمثلا في النّص ص 17 أراد الكاتبُ التّعبيرَ عن جمال حبيبته، فلم يَبُحْ بذلك مباشرةً وبالتّشبيهِ الكلاسيكيّ، ألا وهو تشبيهُها بالنّجمة أو القمر؛ أنت قمر، أنت نجمةٌ في سمائي، وجهُك كالقمر، قمرٌ وجهُك أطلّ بنورِهِ، وجهُكِ أضاءَ السّماء كالقمر...الخ مِن تشبيهاتٍ كلاسيكيّة أكلَ الدّهرُ عليها وشرب، ولكن شاعرَنا أراد تشبيهَ حبيبتِهِ بالنّجمة أو بالقمر، فماذا قال؟ شمسُ النّهارِ تحجبُكِ عنّي...

وللقارئ أن يتخيّل الباقي، ورُغم أنّ الشّاعرَ لم يتخلّصْ مِن تأثيرِ القمر، إلاّ أنّهُ استغلّهُ في تشبيهٍ جديد، حيثُ وهبَهُ صفةَ العُري قائلا: أحبُّكِ واضحةً مثلَ الظّهيرة/ عاريةً كالقمر..!

فهنا لم يستعمل القمر لوصفِ جمالِ حبيبتِهِ، بل ذكّرَنا بما يَشوبُ القمرُ، وكأنّنا نراهُ عاريًا دونَ حجب أو ستائر.

أمّا صفحة 14 فتظهرُ براعةُ الشّاعر بتوظيفِ الرّمزيّةِ، وبطريقةٍ جديدةٍ أيضًا، في هذا النّصّ حيثُ يقول:

الخيولُ الجامحةُ تَدهمُني – فلا أرتدّ

ولا أرتعدُ

لأنّني – أسير – إليك – أسير...

في هذا النّصّ، ورغمَ إيحائِهِ بالبساطة، إلاّ أنّهُ يستحقّ وقفةً طويلة، خاصّةً السّطر الأخير، إذ؛ لماذا وضعَ الشّاعرُ هذه الفواصل، وهي عبارة عن خطوطٍ قصيرة بينَ الكلمات؟ لماذا لم يضعْ مثلا الفواصل؟ والجواب، لأنّ الفواصلَ تُعبّرُ عن حالةِ وقفٍ قصيرة، وهو لم يَرْمِ إلى ذلك.

لقد أرادَ الشّاعرُ أن نقرأ هذا السّطرَ عدّة  قراءات، فألمعَ إليها بإشاراتٍ تفيدُ أنّ الجملةَ غيرُ عاديّة، فهي موصولةٌ مفصولة، وضعَ فواصلَ خطيّةً بينَ الكلمات، ليجعلَ لكلِّ كلمةٍ استقلاليّةً خاصّة، ولكنّها تكونُ متّصلةً بباقي الكلمات، بالخيطِ المعنويِّ الّذي يَربطُ بعضَها ببعض، وعندَها، ستنتجُ لدينا عدّةَ قراءاتٍ لهذا السّطر، ممّا يعطي الصّورةَ عمقًا وبعدًا، يضعانها في مراتبِ السّهل الممتنع.

القراءةُ الأولى: لأنّني أسيرُ – إليك –  أسيرُ... ، فالياء في محلّ نصب اسم أنّ، وباقي الجملة خبرُها.

والقراءةُ الثّانية: لأنني أسيرُ – إليك – أسيرُ... ، فكلمة "أسير" الثّانية، توكيدٌ لفظيٌّ ظاهرٌ لعمليّة السّير.

والقراءةُ الثّالثة: لأنني أسيرُ – إليك – أسير...، هذا يوحي بوجوب السّير إليك، حين أقوم بعمليّةِ السّير، يكونُ السّيرُ فقط إليك.

والقراءةُ  الرّابعة: لأنني أسيرُ – إليك –  أسير...، فكلمة "أسير" الثّانية فعل مضارع، والجملة من الفعل والفاعل المستتر في محلّ رفع خبر، وكأنّه يقول: فقط في سيري إليك أشعرُ أنّني أسير!

والقراءة الخامسة: لأنني أسيرٌ – إليك – أسيرُ...ن ونفهمُ منها أنّه يسيرُ إليها، لأنّه أسيرٌ في حبّها، غير مخيّر.

بينما يمكن أن نقرأها قراءةً معاكسةً: لأنّني – أسير - إليك - أسيرٌ! وتكون كلمة أسير الثّانية خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره أنا، ونفهم منها أنّه غير مخيّر، لأنّه يسير إليها!

كما أنّ القراءةَ السّادسة يمكن أن توحي، بأنّه أسيرٌ يسيرُ إليها طالبًا الحرّيّة، وتكون: لأنّني أسيرٌ – إليك – أسير...

مِن هذا النّصّ ننتقلُ لنتمتّعَ بهذه الصّورة الشّاعريّةِ والفكرةِ الإنسانيّةِ الّتي تختبئُ في داخلها ص 31:

"الأطفالُ سرّ الحياةِ في جدّتها/ يعلّمونَنا أن نعيشَ أكثر/ فرجاءً، لا تجعلوهُم يعيشونَ أقلّ"

إنّها صورةٌ شفّافةٌ مؤثّرةٌ لا تحتاج إلى شرح، ولكن يمكن أن نلفتَ إلى نقطة التّكثيف الإيحائيّ في نهايتها، حيث تعطي زخما تعبيريّا راقيًا.

في هذا الكتاب نجد نصوصًا منوّعةً تُعبّرُ عن أنواع الشّعور المختلفة، ففي بعض الفقرات نشمُّ رائحةَ الغضب وصوتَ الاشمئزاز مِن بعض المواقف أو القضايا الاجتماعية أو السّياسيّة، فيأتي التّعبيرُ عنها بصورةٍ ساخرة كما في صفحة 39:

"هم أذكياء، لدرجة أنهم لا يرَوْنَ أذكى منهم!"

أو  كما يقولُ في نفسِ الصّفحة:

"هم واعون، حتّى أنّهم لا يعرفونَ الوعيَ الّذي عندَ غيرهم!"

إنّها  السّخريةُ مِن بعض ظواهرِ الغرور والعناد، أو حتّى العنصريّة!

كما أنّنا نجدُ في بعض النّصوص الحكمةَ كما في صفحة 77:

"مَن يجترّ شحمَهُ – يموتُ جوعًا/ والّذي يعيشُ في ماضيه/ لن يُدركَهُ المستقبل"

وصفحة 89:

"الأفضلُ يا صاحبي أن "تسرق" النّارَ وتكتوي بها/ مِن أن تتدفّأ على نار غيرك"!

إنّها الحكمةُ الّتي ترفضُ الاتّكاليّةَ وتفضّلُ الشجاعة وحتّى روحَ المغامرة، مع أنّ الشّاعر وضعَ كلمة "تسرق" بين قوسيْن، لنعرفَ أنّهُ لا يدعو إلى عادةٍ سيّئةٍ سلبيّة، إنّما هي من باب المبالغة، وهي تشير إلى نهجِ عمر بن الخطاب والإمام على بن أبي طالب الذي قال: "عجبتُ لمَن لا يجدُ قوتَ يومِهِ، كيف لا يخرجُ إلى النّاس شاهرًا سيفَه".

ولا يتركُ الشّاعرُ الفنّ دونَ أن يتطرّقَ إلى أصالتِهِ، فيقولُ برمزيّةٍ تصويريّةٍ صفحة 80:

"وقمّةُ الفنّ/ أن يذوبَ الوجودُ بك، فتصبح آخر!"

ثمّ يُلمّحُ في نفس الصفحة إلى علاقةِ الفنّ والفنّان بالنّقد، مُحذّرًا مِن التّقريريّة الّتي تنكشف أمامَ النقاد دونَ جهد، فينقضّون عليها كأنّها طريدة، فيقول:

"ويقولُ الفنّ حذار أن تكونَ وحدَك الصّريح/ فتنكشف/ كغزالٍ أمامَ نوايا الصّيّادين"

وتأتي بعضُ الصّورِ التّعبيريّة في هذه النّصوص موحيةً، يمكن أن نستوحي منها ألغازًا، فمثلا إذا سألنا:

ما هي الكلمة الّتي لا تنطق بها الشّفاه وتقولُ كلّ شيء؟ الشاعر يقول صفحة 52:

"القبلةُ كلامُ الرّوح/ لا تنطق بها الشّفاه، وتقولُ كلَّ شيء"

وفي هذه المرحلة يجبُ أن ننوّهَ أنّنا لا نستطيع تسميةَ هذه النّصوص شعرًا، رُغم النّكهة الشّعريّة الّتي نشعر بها، ففي بعض خواطرِهِ مثلاً يسري العنصرُ القصصيّ، وفيه تظهرُ الأفكارُ والأحاسيس صورًا تُحلّلُ بعضَ المواقف، بطرق القصّ الرّمزيّ، وكأنّنا نقرأ ما يسمّونَهُ قصّةً قصيرةً جدّا، فمثلا صفحة 49 يقول:

" صعد بدرّاجتِهِ الهوائيّةِ الدّرج  الحجريّ، إلى سطح جارته – كانت نائمة/ أراد أن يدخلَ التاريخ – صرخت!/ سقط على أيدي الجيران – حزينا / حملوهُ إلى زوجتِهِ الّتي ناحتْ خوفا عليه"

وهكذا تتوالى الصّورُ النّصّيّة بنكهةٍ شعريّة، وعناصر أخرى تتأرجح ُبين الخاطرة والقصّة القصيرة جدّا والفكرة والحكمة، فينتقل القارئ من محطّة إلى محطة، ومن فنن إلى فنن، ومن عنقود إلى عنقود، ومن زهرةٍ إلى أخرى، دون ملل، بل بشوق وشغف.

وبودّي أن أنهيَ هذا المقال بهذا النّصّ الذي يُنبّهُنا فيه الشّاعر بنظرة تفاؤليّة، أنّ الشّعبَ الّذي سيرثُ الأرض، هو شعب "الحياة المختار"، هو شعب الطّفولة، فيقول صفحة 90:

"كثيرة/ على الأرض شعوبها في شعابها/ فهل ننتبه!/ لشعب يعيش معنا أينما وجدنا/ يطلب رضانا، نُقرّ حبّه/ سيرث الأرض/ هو – شعب الطفولة/ شعبُ "الحياة المختار"

 

وبحضور الزّجّاليْن مروان خوري وتوفيق الحلبي عضويْ أسرة منتدى الحوار الثّقافي، كانت مداخلة للأستاذ نايف خوري عن مقالِهِ الزّجليِّ بعنوان "أيها الشّامخون"، الذي أعدّه بعد حضورِهِ المباراة الزّجليّة اللبنانيّة الفلسطينيّة في عمّان، تلك الحفلة التي لن تُنسى، بين الشّاعريْن الفلسطينيّيْن توفيق حلبي وشحادة خوري، في مجاراة الشّاعريْن اللبنانيّيْن القديريْن؛ زغلول الدّامور وعادل خداج للمرّة الأولى، والتي حظيتْ بمكانةٍ ونجاحٍ كبيريْن، يليقان بالشّعر والشّعراء!

 

وبعدَ تعقيباتِ الزّملاءِ والزّميلاتِ مِنَ الحضورِ، ألقى المُحتَفى به الدّكتور الشّاعر سليم مخولي كلمةَ شكرٍ وامتنان، لكلِّ مَن تابعَ حروفَهُ وسلّطَ الضّوءَ على زواياها التحليليّة.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1251 الاربعاء 09/12/2009)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1191 المصادف: 2009-12-09 02:41:42