المثقف - قضايا وأراء

(أخت إبراهيم) وأشقّاء (سام) .. متى يسير التاريخ على قدميه؟

ali saediبعد مايقرب من قر نين على الحقائق التاريخية التي أظهرتها الألواح المترجمة للحضارة الرافدينية، مازال بعض الباحثين يعتمدون المرويات التوراتية، رغم تبيان جذورها، ومن أشهر المرويات التي لعبت دوراً كثيفاً في كتابة التاريخ المقدس، هما قصة الطوفان وقصة إبراهيم .

القصة الأولى التي نُسبت في الموروث المقدس إلى النبي نوح، أصبح من المعروف إنها تكاد تكون منقولة حرفياً أو مقتبسة من أساطير الطوفان في الحضارة الرافدينية، بدءاً من اتراحاسيس وزيوسدراً، الى أشهرها (أوتو نبيشتم) .

هذا التطابق لم يعد موضع شكّ أو جدال بين المختصّين أو المهتمين في التاريخ، لكن مالم يجر فحصه قبل اعتماده كليّاً، هي تلك الإضافات التوراتية التي أدخلت على أساطير الطوفان الرافدينية، عن وجود ثلاثة أبناء لنوح (سام ويافث وحام) غطى إثنان منهم عورة أبيهم، فما سخرالثالث منه، فلعنه بأن يكون عبداً لأخويه، وربما كانت هذه الإضافة مشتقّة من الأسطورة الإغريقية عن الأخوة الثلاثة (زوس كبير الآلهة، وشقيقيه بوسيدون وهايدس) الذين تآمروا على والدهم كرونوس وأزاحوه عن عرشه، وفيما استولى أكبرهم زوس على الأولمب مركز القرار الإلهي، كانت البحار والمحيطات من حصة بوسيدون، فيما نفي الأخ الأصغر هايدس إلى مملكة الموت ليكون حاكماً في الجحيم ربما كجزاء له على طرحه لفكرة التمرد .

من إدخال حكاية الأخوة الثلاثة على أساطير الطوفان الرافدينية، أُشتق تصنيف الأجناس إلى ساميين وآريين وحاميين، التي تحولت إلى نظرية آيديلوجية ذات طابع عنصري اعتمدتها الحركة الصهيونية في مقابل النازية وماتزال تجد من يعتنقها في بعض الحركات القومية المتطرفة.

سام الإبن الأكبر لنوح كما في المرويات الدينية، مشتق تفسيرها من : سماء، بالغة العلو، شاهقة، خارج المتناول، مصدر القدرة – الخ، وربما لهذا سمي أقوى آلهة سومر (إنليل) إلة المطر، بالعلّي والقدير، وهي من الصفات التي ستطلق لاحقاً على الإله في الديانات السمواية .

أما آري التي أطلقت على نسل يافث، فقد تعني القوي، الصلب، الصعب، وهي صفة مرافقة للجبال حيث يوصف الجبل الشاهق بأنه صعب المرتقى، ومن ثم أصبحت مرادفة لساكني الجبال شديدة الوعورة، وربما أريد بها إيجاد معادل ل(سام) التي ماتزال مستخدمة بمعنى العلو والارتفاع، فيما يمكن تفسير (حام) بالمحترق أو شديد الحرارة، ومازالت تستخدم في العراق بهذا المعنى (حامي) ساخن جداً، ذلك مايلائم الإيحاء بسكان إفريقيا سود البشرة .

(سام) تسمية قصد بها بداية، سكان المناطق الواقعة بين هضاب بلاد الشام غرباً، إلى الجزيرة العربية والخليج جنوباً، إلى الهضاب الإيرانية شرقاً، وجبال طوروس شمالاً، أي مساحة الأرض التي انتشرت وتمركزت فيها المعتقدات الرافدينية، ولما كانت تلك المناطق سهلية وصحراوية بمعظمها، لذا نشأت فيها المعتقدات السماوية حيث الآلهة تسكن الأعالي البعيدة، عكس الحضارتين الإغريقية والرومانية التي تصورت آلهتها تسكت ذرى الجبال .

تلك التسمية المنبثقة أساساً من المعتقدات الرافدينية باعتبارها أقدم ماوصل من مدونات حتى اليوم، جيرت لاحقاً لصالح اليهود عند سبيهم إلى بابل، بعد ان وضعتهم الأسطورة في موقع أبناء سارة السيدة والزوجة الأصلية لإبراهيم، فيما جعلت أخوتهم من نسل اسماعيل، في المرتبة الثانية بإعتبارهم من أبناء الجارية هاجر، التي لم يتخذها إبراهيم زوجة له الإ بعد موافقة صريحة من سارة كما تقتضي القوانين الرافدينية التي تشترط موافقة الزوجة الأولى حصراً .

الجانب الآخر، هو ما يؤخذ إن إبراهيم تحدث عن سارة إلى الفرعون بإنها أخته لا زوجته، ما اعتبره بعض المؤرخين نوعاً من إخفاء الحقيقة، لكن مالم يجر إيراده، إن ابراهيم اتبّع ما كان سائداً في بلاده، حيث الزوجة تخاطب زوجها بصفة (داد) أي أخ انطلاقاً من المعتقد السومري بزواج إينانا /عشتار، من دوموزي / تمور، زوجها وأخوها في الوقت عينه حسب الأسطورة، التي انتقلت كذلك إلى قصة قابيل الذي تزوج بأخته كاميليا التؤام رافضاً أن يزوجها لأخيه هابيل حسب المرويات التوراتية، وفي نشيد الإنشاد الذي كان يقرأ في الابتهالات المصاحبة للزواج المقدس بين الملك وكاهنة، يخاطب الملك الكاهنة على كما تموز يخاطب عشتار: إفتحي بابك يا أختي وزوجتي، وهو ماسوف ينتقل بدوره إلى التوراة ليأتي على لسان الملك سليمان .

لقد اتخذت كلمة (داد) معاني متعددة، فأصبحت تعني المربية (دادا) ومن ثم كانت تطلق على الزوجة باعتبارها مربية لأولادها، لتشمل لاحقاً كل من تربّي أولاداً في مهنتها، كذلك انتقلت إلى شعوب أخرى بمعنى رب (خوداد) الفارسية أو (كَاد) الانكليزية وسواها، ومازالت (داد ودادا) تستخدم في العراق بمعنى الأخ والأخت والمربية، كما تخاطب المرأة المصرية زوجها ب(ياخويه) التي يعتقد انها مشتقة من قصة إبراهيم وسارة .

على ذلك فإن إبراهيم حينما عرّف عن سارة بأنها (دادا) أخت، كان يستخدم لغته ومفرداتها، ولم يكن يخفي حقيقة سارة باعتبارها زوجته، إذ لايوجد في القصة ما يشير إلى اضطراره لأن يفعل ذلك .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2758 المصادف: 2014-03-25 12:12:31


Share on Myspace