المثقف - قضايا وأراء

هل إنهيدوآنا ابنة سرجون الاكدي هي ذاتها سارة زوجة النبي إبراهيم؟

ali saediالأميرة إنهيدوآنا الكاهنة العليا في أور- ويعني اسمها هدية الإله آن، ابنة سرجون وأول شاعرة في التاريخ، ومن رباعيتها: (مزهوة بنصري كنت ذات مرّة، ونـُفيت من معبدي على حين غرّة، كالخـُطـّاف مرغمة من نافذة تسلـّلتُ، بعد عمر بين رائحة البخور أفنيتُ (*)) .. لقد طردت الأميرة انهيدوآنا من المعبد بعد تولي حفيد سرجون (نارام سين) الحكم وهدمه للمعابد، وهناك مايشير الى انها قد تكون هي ذاتها (سارة) زوجة إبراهيم، فسارة هي الأميرة المجاهدة (ساراي) ومن أور، وفي القصة التوراتية، ليس هناك مايشير إلى أن إبراهيم كان حاكماً أو أميراً في أور، قبل ان يخرج منها، فكيف حملت ساره لقب أميرة (ساراي)؟؟ ربما كانت هي كذلك قبل زواجها من ابراهيم (أب رؤوم) وكان اسمه (إبرام) المعاهد - مع الربّ)، ومنها اشتقت كلمة ابرم .

إن إعادة صياغة القصص والأساطير السومرية البابلية لم يأت دفعة واحدة، بل على فترات متباعدة زمنياً، وبعد آلاف السنين من تناقل تلك القصص وشيوعها، وبالتالي وكما هي قابلية الحكايات والأساطير، للحذف والتحوير وإعادة الصياغة والاقتباس والتأثير وسواها، وتلك لم تقتصر على الأديان وحدها، فقد توارثت وتناقلت الشعوب الآداب والفنون والمعتقدات والثقافات من بعضها، فأسطورة إنانا /عشتار، انتقلت الى كل العالم القديم، فهي عشتروت الكنعانية وفينوس الإغريقية وافروديت الرومانية ومناة العربية - وهكذا - كما ان شخصية انهيدوانا كاهنة المعبد وابنة سرجون الملك، ظهرت كذلك في الإلياذة الإغريقية على شكل (الكساندرا) كاهنة المعبد وابنة فريام ملك طروادة، لكن تلك الحضارات لم تستخدم الأساطير والقصص الرافدينية لتجعل منها البداية الكبرى لظهور ماسمي لاحقاً ب(الديانات السماوية) رغم ان جميع المعتقدات السابقة كان مصدرها السماء، كما ان فكرة التوحيد كانت قد ظهرت منذ الالف الثالث ق/ م بالإله الشاب مردوك الذي قضى على الآلهة القديمة ونصّب نفسه الهاً مطلقاً -- المتنورون من علماء الدين، لايرون ضيرا في تشابه ماجاءت به الأديان مع ما اكتشفه العلم، ويقولون ان ذلك لايمنع من حصول الأحداث بأمر من الله وان تعددت الأسماء والوقائع، فيضربون مثلا ان لاشيء يمنع ايمانيا من أن يكون حمورابي من الأنبياء وان اختلفت التسمية، كما هو لقمان الحكيم الذي يتشابه واحيكار الحكيم وزير سنحاريب --- لذا يبدو بعض علماء الدين في الإسلام أكثر عقلانية في التعامل مع الإرث الحضاري لوادي الرافدين ومحاولة التماهي معه بدل محاربته بطريقة تبدو خاسرة أمام الحقائق التي بدات بالظهور تباعاً .

حينما يقوم الباحث بمتابعة موضوع معين، فإنه يأخذ أكبر قدر من التشابكات المتعلقة بالموضوع وكل ما يمكنه التوصل إليه أو توفر أو كتب أو قيل عنه وحوله، ثم يفرز ماتجمّع لديه ويصنفها ويسائلها بل ويغربلها، ليتبنّى ماهو اقرب إلى حقيقة ماجرى، وفي هذا الجانب، ليس هناك من رواية عن موسى تشابه إلى حدود التطابق، مثل قصة سرجون الاكدي الشخصية التاريخية، بدءاً من الاسم موسى (مو – ماء وسين إله القمر) هذا ماكان بلغة السومريين وهو ثابت تاريخياً حيث اشتقت كلمة (ماء) العربية، أما بقية القصة، فقد وجدت كاملة تقريباً (أنا سرجون، ملك اكد ... كانت أمي كاهنة عليا مدينتي هي آزوفيرانو (مدينة الزعفران) ... حملت امي بي ووضعتني سراً واخفتني في سلة مقيرة من الحلفاء وغطتني ورمتني في الماء، فلم يغرقني النهر بل حملني الي آكي سقّاء الماء، فأنتشلني آكي بدلوه، ورباني واتخذني ولداً وعينني بستانياً عنده، وبينما كنت اعمل بستانياً احبتني الالهة عشتار فتوليت الملوكية - راجع، طه باقر - مقدمة في تاريخ العراق القديم - مثنى الشلال - الحوار المتمدن - العدد2451- ايلول 2008)) إذاً ألقته أمه في نهر الفرات بواسطة قفة مطلية بالقار – نوع ظلّ مستخدما في العراق حتى سنوات خلت- والسبب في ذلك، انها كانت كاهنة عليا من طبقة انتيم (البتول او العذراء) وهذا النوع من الكاهنات ينطبق على كاهنات (آنو) إله السماء (*) عكس كاهنات عشتار التي اطلق عليهن (البغي المقدس) حيث يتم اختيار احداهن لممارسة زواج الخصب مع الملك في اذار بدءاعياد الربيع في السنة السومرية / البابلية تمثيلا لزواج تموز وعشتار، ذلك مابات ثابتاً تاريخياً كذلك. اذاً نحن امام وقائع موضوعية تاريخياً تتلاءم تماما مع ماكان سائدا في العراق القديم، مع قصة حقيقة تاريخية توفرت على حصولها مئات الادلة والبراهين، ولما كانت حياة سرجون قد حصلت في حوالي 2350ق/م اي قبل قصة موسى بمايزيد عن الف عام، التي ظهرت بعد السبي الاشوري ومن ثم البابلي لليهود بدءاً منذ القرن التاسع ق/م حتى اواخر القرن السادسق ق/م.

وبعد سقوط بابل بيد قورش، حصل مايمكن ان يعرف ب(الفرهود) التاريخي، لذا تتوافر كافة الشواهد القوية التي قد توصل الى درجة القطع، عن انتحال او اقتباس او نقل اليهود، للكثير من القصص السومرية البابلية التي اطلعوا عليها وحفظوها ولامسوها عبر مئات السنين، لذا جاءت قصة الطوفان واوتونبيشتم للتتحول الى قصة نوح، وقصيدة الشعر البابلي عن ايرا اله الدمار الى قصة شعب الله المختار، أما قصة موسى (سرجون) فمن السهولة تصور انها نقلت الى مصر قصدا لابعاد الشبهات عن تطابقها مع القصة الأصلية التاريخية للملك الاكدي.

 

....................

(*) راجع: أ.د. دنحا طوبيا كوركيس- أنخيدوانا الأكدية- تلسكف 21 ايلول 2010-

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

جميل جدا استاذ سلمت يداك بحث شيق ، دمت موفقا

احمد الكناني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2785 المصادف: 2014-04-21 23:18:07


Share on Myspace