المثقف - أقلام حرة

بعد اثتي عشر عاما

لا يمكن أن نُبرّأ امريكا من الاوضاع السيئة في العراق، لأنها وراء الكثير من الأزمات التي يعاني منها العراق، منذ سقوط النظام المباد، بحيث صارت أي خطوة وطنية، عبارة عن لُعب وخصومات ومناوشات بائسة، بين الفرقاء السياسيين .فالمسؤول كالمسيّر..

ليست له إرادة القرار في مجال مسؤوليته، لأنّهُ لا يملك حرية مسؤوليته ما يستدعي ترحيلها وفقاً لذلك الى مسؤول كتلته أو قيادته الحزبية، وبعض هذه حساباتها مختلفة، ولها مرجعيات وعلاقات خارجية، تملي عليها قرارات مضرة بالشؤون الوطنية والإدارية والاقتصادية والمالية للعراق، وعند معرفة ذلك، نفهم تذمر المسؤول والمواطن معاً من الاوضاع السيئة، فالمسؤول يتبع قرار كتلته أو حزبه المختلفة عن واقع الإدارة الروتينية،سواء كانت وزارية أم عامة، وخاصة لا فرق بتحقيق مكاسب مالية وسلطوية على السواء .

هذا الموضوع يؤدي الى موضوع اكثر أهمية منه، غياب الحس الوطني أو الوطنية العراقية لدى السياسيين العراقيين، اكثرهم ترعرع في بلدان اجنبية لزمنٍ مع معاناة الاغتراب، وقد تبدو هذه الاشياء بدون قيمة، لكن في الواقع، إنّ لها تأثيراً قوياً على الفرد وانتمائه وافكاره واوضاعه النفسية التي دائماً ما تكون مهزوزة بسبب معاناة الاغتراب بشكلٍ عام، إضافة الى الخوف من المسقبل المجهول والغامض . يؤكد أهمية هذا الجانب، لجوء المواطن في الدول الغربية، لاستشارة مختصين نفسانيين عندما يواجه مشكلة في حياته اليومية عائلية أو متعلقة بعمله، فتوفر هذه الدول للمواطنين استشارات مجانية يشرفُ عليها اطباء، تعالج تلك الحالات مجاناً، فالجانب النفسي للفرد أساسي وليس ثانوياً، ويؤثر على قراراته مهما صغر شأنها، تشمل اكثرية السياسيين المهاجرين أواللاجئين أو من بقوا في العراق، لتصادفهم معاناة أكثر ألماً، عبارة عن حروب عبثية وخسائر مروعة، وحصار وارهاب بوليسي على مدار الساعة، سد جميع منافذ الحريات الشخصية والعامة، فشكّل حالة من الانكفاء والقنوط، أثّرت على النشاطات السياسية والثقافية والحريات العامة في العراق، وأصيب بعض السياسيين والمثقفين بالجمود والخوف والتردد، وفقدان الثقة بالنفس وفي المستقبل،وحالة من اليأس على الصعيد الشخصي والعام ..لا فرق، وفي كلتا الحالتين انتجت الفاشية والحروب والحصار والقمع على مدى ثلاثة عقود، إنساناً مهزوزاً، فاقد الثقة بنفسه ومستقبله، وبمعاناة مديدة وحرمان من ممارسة حياة طبيعية سوية .

هذا في الواقع، المشهد الحقيقي في العراق بدون مغالاة، وفي غمرة سقوط النظام انتج سياسيين غير مؤهلين نفسياً، تنقصهم الخبرة والممارسة الشفافة، والتمرين والوضوح والثقة بالنفس، والاقدام في القضايا الوطنية، فتسببت بتراجع العراق كقوة مهمة في المنطقة على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي على السواء، مقترناً بسوء الإدارة وعدم احترام القوانين التي تبنى بها الدول الحديثة، متسلحة بموارد وثروات بشرية متنوعة، يزخر بها العراق على مدى تاريخه، فالماضي المعتم الذي لم يعد له وجود سوى في الذاكرة المشتتة،والذكريات المريرة والمدونات التي تناولت هذه الحقبة المظلمة من تأريخ العراق، يفعل فعله، بالرغم من سقوط النظام في 2003،وتبدل احوال العراقيين، بقيت معاناة العراقي ممتدة من تلك الحقبة، وينوء باحمال جسيمة بسببها، وبحاجة الى إعادة تأهيل، مجدداً لتجاوز معاناته الذاتية، وتخفيف وقعها وضغطها على خزينة ذاكرته وأحواله .

وينتابنا الشك احياناً من إن تتحول المنطقة الخضراء بوجود مقرات الحكومة فيها الى مصح لعلاج المرضى لأن الحالات النفسية اذا اهملت، تتفاقم، كما سعت وتسعى الولايات المتحدة الى ذلك بعزل السياسيين في المنطقة الخضراء، حتى تبدو بإنها شبيهة بمصحات أو مستشفيات الامراض النفسية المتفاقمة بالسياج الكونكريتي الشاهق الفاصل بينها، وبين احياء بغداد الجميلة القريبة منها .

 

قيس العذاري

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3091 المصادف: 2015-02-20 23:22:23