صحيفة المثقف

جاري (ليو) وكأس الفودكا...

ali salihjekorفي الصيف الماضي اشتريت منزلا جميلا، ذا طابقين، بحديقة صغيرة تطل على شارعٍ مرتفع، وحديقة خلفية كبيرة تشرف على منازل متباعدة وحقول واسعة..

تقع هذه القرية في أطراف المدينة، مازال الطابع الفلاحي يغلب على أهلها،

حذرني الكثير من المعارف والزملاء من التفكير بالأنتقال اليها، كون أهلها منغلقين على نحو شديد، ولايحبون وجود الغرباء بينهم..

لكن لايهم، قلت، مازالت زوجتي وأولادي حولي، فأي بقعة في الارض هي جنتي.. ثم أني أعشق الهدوء والأماكن البعيدة عن المدينة وصخبها..

أحببت المكان والطبيعة والقرية، اشتريت الدار، وكان ماكان..

قبالة بيتنا الجديد، قام منزل جاري (ليو)، الرجل الذي أصبحتُ أعز صديق في حياته، كما صرح لي بالأمس..

بدأت الحكاية في أيلول الماضي، عندما دقت زوجتي بابهم، وأنا أتلصص من خلف ستارة شباك المطبخ، قدمت لزوجته قالب الكيك الذي انشغلت في إعداده يوماً كاملا..

كان رهاناً بيني وبينها من أن علاقة من اي نوع لايمكن أن تُقام مع هؤلاء، خصوصاً وأن (ماريان) زوجة ليو، تحدق بي كلما رأتني بشزر وعدوانية، لم أجد تفسيراً لهما..

تناولت قالب الكيك بحذر وأستغراب، تبسمت لزوجتي، وتحدثت معها بكلمات مقتضبة، ثم توارت خلف الباب..

ها.. ماذا قالت لكِ؟؟

هل شكرتك وتحدثت معك كما توقعتي؟؟؟ ألم أقل لكِ أن هؤلاء منغلقون، ومن الأفضل الابتعاد عنهم، وتركنا وتركهم، كل بشأنه؟؟

تبسمت زوجتي إبتسامة غامضة لم أفهمها، وتركتني بحيرتي...

 

مضت أيام على حادثة (قالب الكيك)، صار ليو وماريان يتبادلان التحايا الحذرة معنا من بعيد، بتلويح اليد، وفي أقصى لحظات الحميمية، يسلمون بصوت حذر (صباح الخير جارنا، مساء الخير جارتنا)..

ليو، في الثامنة والستين من العمر مهندس كيمياء، تقاعد منذ سنوات، له مكانة مرموقة وسمعة كبيرة في تصنيع مساحيق الغسيل والمواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف، نحيف الجسم قصيره، له أصول أسيوية أندنوسية من طرف جدته لأبيه، يبدو للرائي من أول وهلة وكأنه مُسن صيني أو كوري، صحته جيدة يمارس المشي بإنتظام، لساعتين أو أكثر مع كلبته (ديزي) كل يوم..

وزوجته ماريان هولندية بدينة، وُلدت في هذه القرية التي نسكنها الان، تكبر (ليو) بعامِ واحد، تقاعدت قبله بعد عمل طويل في حضانة الأولاد، هي أيضاً بصحة جيدة، تتحرك بسرعة ونشاط رغم بدانتها، شعرها أشقر أو مُشقر، قصير، ملامحها جميلة لولا الصرامة والجدية المرتسمتان على وجهها طيلة اليوم، صوتها ناعم، لكنه قوي وحاد، نادراً ماتجدها قريبة من زوجها، فهي تظهر في الحديقة الخلفية، بينما هو على مبعدة كيلو مترين من البيت مع كلبته ديزي، أو تراها في الحديقة الامامية تزيل الاعشاب الضارة، وليو ممدد على كرسيه الطويل ينعم بأشعة الشمس الدافئة..

رغم التقاعد الذي يتمتع به ليو، مازال العديد من الشركات العالمية تستدعيه للسفر الى بلدان كثيرة، لألقاء المحاضرات، والاستفادة من خبرته وتجربته الطويلة في هذا المجال..

يقوم بهذا العمل مجاناً..

 إليك أنا الذي يحدثك، قالها لي وهو يُعدل من جلسته:

 (لو طلبت أي مبلغ، لما أعترضوا) لكني لا أود أن يفرض عليّ أحد، ساعات سفري أو مكان إقامتي، بأختصار أنا أفعل ما أشاء، وقت أشاء.. شعر بالزهو وأنا استمع اليه بدهشة وأعجاب..

لاحظت ملامح الكآبة تعلو وجهه من أول لحظة رأيته فيها، رغم البيت الكبير (القصر) الذي يعيش فيه، والسيارتان الفارهتان له ولزوجته، ورغم كل مظاهر الغنى والرفاهية

دعوناهم أواخر ايلول الماضي، بعد فترة إختبار حذرة، لشرب الشاي والقهوة، في طارمة حديقتنا المقابلة لمطبخ دارهم، حملوا معهم باقة ورد كبيرة وهم داخلين، أول مرة أرى ماريان تتبسم..

 جلسنا متقابلين، تحدثنا بأمور عامة كثيرة، كانت ماريان هي التي تتحدث، ليو، صامت مثل تمثال حزين..

 لذيذ الشاي العراقي المُهيل، والكليجة، قالت ماريان نيابة عنها وعنه..

كنت انتهز فرصة إنشغالهم بالأحاديث الفارغة، فأسرع الى المطبخ، لأصب لي كأس عرق، أحتسي نصفه وأعود اليهم بوجه طلق، بشوش..

قال ليو، وكأنه تشمم رائحة الكحول المحروم منها:

منعني الطبيب بعد أن أصابتي بوعكة صحية طارئة من شرب الكحول.. في الحقيقة لم يمنعني تماماً، قال لاتكثر منها هذه الايام يا ليو..ومنذ عشرة أعوام وأنا لم أذق طعم النبيذ وال....

وقبل أن يتم عبارته صرخت زوجته ماريان بوجهه وعيناها تقدحان بالشرر:

إنه منعك من الشرب، وهو أعرف منك يا ليو..

خفض المسكين رأسه صاغراً، ولاذ بالصمت، ثم أردفت زوجته راعدة:

 كلما تعرفنا على أحد، يشكو لهم هذا الهم، إنه من الهشاشة بحيث لايسيطر على شهواته وينقاد لنداء رغبته باحتساء هذه السموم، لقد منعه الطبيب ياجارتي، منعه وبالحرف الواحد..

 قالتها وهي تنظر الى زوجتي، وجسدها البدين يهتز من الغضب..

غمزتُ (ليو) بعيني اليسرى وقلت: الحق مع جارتي ياسيد ليو، أنها تخاف عليك، وعلى صحتك..

ارتسم فرح طفولي على وجهه، عندما رأى غمزتي، ثم عاد اليه الكدر، لم يتضح لي تماماً إن كان قد فهم القصد الذي يتوارى خلف أشارتي؟؟!!

حملت أكواب الشاي والقهوة الفارغة، ودعوتهم الى شراب بارد، طلبت ماريان عصير التفاح وآلاء أيضاً، غمزتُ (ليو) مرة ثانية وأنا أهز كوب الشاي الفارغ،

هل تشرب عصير البرتقال مثلي يا جاري؟؟؟

تبدد الكدر من على وجهه، وأجاب بفرح، أجل، أجل عصير البرتقال..

إستللت من المخزن الذي يقبع خلف المطبخ زجاجة فودكا، فضضت غطائها وملأت قدحاً الى نصفه بالفودكا وصببت عليه عصير البرتقال ومكعبات الثلج ل ليو، ومثله لي أنا..

وكأسين من عصير التفاح المُعلب لزوجتي وزوجته..

قدمت العصائر لزوجاتنا، غمزت ليو ومددت له يدي بكأس العصير الممتزج بالفودكا، رشفه بلهفة ولذة كادت تفضحنا، إرتسم في عينيه بريق غريب، رأيت أشباح دموع تترقرق في بؤبؤيه الصغيرين، تبسم لي مثل طفل صغير، حاول أن يصرخ شاكراً..

 أشرت له بطرف عيني نحو زوجته، استفاق من ذهوله، ثم أطبق عينه اليسرى، في محاولة بائسة لتقليد غمزتي الماكرة..

لم يخطر ببالي أن هذه اللحظات الحميمية التي أعادت ليو وأعادتني، الى روح المشاكسة الطفولية، ستنقدح بيننا على هذا النحو الجميل، وبهذه التلقائية والسرعة..

 لحظات ذاب فيها العمر واللون والثقافة، تهاوت كل الحواجز، لحظات تحاببنا فيها بصمتٍ، وتآخينا..

توطدت العلاقة بيننا، شرب ليو بشهور قليلة، ماحُرم منه لسنوات، أحضر لي قبل شهرين صندوق فودكا وصندوق ويسكي من النوع الممتاز، طرق باب الحديقة الخلفية وهو يلهث ويتلفت خشية أن تضبطه ماريان متلبساً بهذا الجرم الخطير..

ماهذا ياجاري؟؟ دفعت الصناديق بغضب.. عيب يا ليو نحن أصدقاء..

أرجوك صاح بصوت خفيض وهو يتلفت بذعر، خذها أرجوك، ليس لدي الوقت..

عندما يزورنا ليو وماريان مساءً، وهذا ماصار يحدث في كل عطلة نهاية الاسبوع تقريباً، ينظر ليو إلي ويخرج لسانه الصغير من فمه، فعندما يديره نحو اليسار، أعرف أنه يرغب بشرب الفودكا مع عصير البرتقال، وأذا أداره نحو اليمين فأن مشروبه اليوم هو الويسكي.

لا أعرف كيف تفاهمنا على هذه الاشارة، رغم عدم أتفاقنا عليها مُسبقاً!؟؟؟

الطقس كان رائعاً مساء الأمس، كنت أشذب أغصان الورد الجوري والياس، مبتهجاً لمقدم الربيع، سمعت صوت هسيس أو صفير: هسسسس هسسسس هسسس، تلفت حولي فلم أر شيئاً..

آلي آلي (علي)، سمعت نداء خفيض قادم من أكمة الياس العالية في أطراف الحديقة، أقتربت من مصدر الصوت، نحيت الأغصان لأعرف مصدر النداء، رأيت ليو يقف على أطراف اصابعه ويناديني، ما بك يا ليو؟؟

تلفت بذعر، ثم أخرج لسانه الصغير وأداره نحو اليسار..

طيب يا ليو، سأحضره لك حالاً..

هرعت الى المطبخ، فتشت في المخزن عن زجاجة الفودكا، اللعنة لقد شربت كل زجاجات ليو حتى آخر قطرة، نسيت أن أشتري بدلها كما قررت.. ماذا أفعل الان؟؟!

ركضت اليه وهمست من خلف أجمة الياس، ليو، سامحني نفذ المشروب،عندي عرق فقط..

صاح بخوف، هات لي أي شيء، وبسرعة..

عدت مهرولا الى المطبخ، غسلت عبوة عصير بلاستيكية من التي يشربها الاولاد، ملأت نصفها عرق ونصفها الآخر بالماء والثلج، خضضتها مثل قنينة رضاعة الاطفال، ومددتها إليه..

كن حذراً ياليو من هذا الشراب، فأنه قوي ومختلف عن الفودكا والويسكي، نسميه في وطني (جتال عبادي) يا ليو، سأحكي لك عن عبادي في مناسبة ثانية.

إختفى ليو في مكان ما، عدت الى داخل البيت، قرأت، كتبت، وبينما كنت أهم للذهاب الى النوم، سمعت صراخاً قادماً من بيت جاري، كسر صحون، أرتطام أدوات مطبخ وأشياء تصدر أصوات مخيفة وهي ترتطم بالجدران..

ركضت الى غرفة ابني حسون كونها الاقرب الى بيت ليو، وتطل على المطبخ مباشرة، حيث تدور المعركة، وقفت خلف ستارة الشباك، أزحتها قليلا بحذر وخوف..

ياإلهي، جاري الوديع المُسالم، والذي كان يعيش حياة بسيطة هانئة قبل قدومي، يجثو الآن أمام زوجته البدينة متوسلاً، وهي تلوح بمغرفة الرز المعدنية، وتصرخ:

مع أي لعين كنت تشرب ياليو؟؟!!

 قُل، وإلا فلقت رأسك؟؟

 

علي صالح  

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم