المثقف - قضايا

الثقافة إبداع مادي وروحي أم وشايات؟

وديع شامخفي البدء هناك التباس مفهومي بين مصطلحات سائدة ويراد تعويمها لغرض الخلط بقصد أو جهل، وهذه المفاهيم هي "الثقافة، الحضارة والمدنية"

تم خلطها بطريقة ماكرة لغرض تعويم مفاهيم مرتبكة في حقلها وترحيلها على انها اسس وقوانين قارة، ولاجل توضيح مبدئي لهذا الالتباس يمكن انتقاء

بعض التعريفات المهمة للثقافة بأفقها العام والذي اعتنقه وارى انه الاطار الشامل لمعنى كلمة ثقافة وهو أن الثقافة " عطاء انساني جمالي يرتبط بحقل ما من حقول المعرفة الانسانية الشاملة، له منتجون فاعلون ومعهم متلقون صانعو للأثر يعيدون قراءته دلاليا ويضيفون له بعدا آخر " .

الثقافة هنا حاصل تفاعل بين منتج ومتلقٍ بطريقة حوارية لا أستأساد فيها ولا غلبة، تسير وفق رؤية مبدعيها ومدى قدراتهم على العطاء .

الثَّقافة في اللُّغة العربيّة هي من اكثر المفاهيم ارباكا ولها معانٍ متعددّة للاشارة الى نوع الدلالة سواء أكانت فعلا او اسما ؛ " فالثَّقافة من الفعل ثقف وهي في -القاموس المُحيط- بمعنى أصبح حاذقًا فطينًا ملمًّا بالموضوع من كافّة جوانبه، كما نجد فيه أنّ ثَقَفَ بمعنى ظَفِر به وألقى القبض عليه، والثِّقاف هو الشيء الذي تُسوّى به الرِّماح".

وفي عقلنا العربي الثقافة كمفهوم ومصطلح تُعنى بفئة معينة من المنتجين في حقول مخصوصة، حتى تطور امر فهم الثقافة وغدت" كلمةٌ عامّةٌ ولتخصيصها في مجالٍ ما وتحديد ماهيّتها تُضاف إلى علمٍ أو فنٍّ خاصٍّ كأنْ يقال: الثّقافة الشّرعيّة، والثّقافة الأدبيّة، والثّقافة الطِّبيّة، والثَّقافة الفلسفيّة"

والثّقافة لها مكوّنات أبرزها: الأفكار، العادات والتّقاليد، اللُّغة والقانون.

..........

ولغرض فحص المفاهيم التي وردت في مقدمة المقالة " " الثقافة، الحضارة والمدنية " عبر السياحة في نتاج الفكر الانساني، وكيف تمت معالجة ووضع الاسس الفكرية الرصينة للتفريق بين هذه العوالم رغم تداخلها الواقعي .

الثقافة مشتقة من الفعل اللاتيني culture

وتعني الزراعة " وأصبحت كلمة الثقافة تعني زراعة الافكار والقيم "Colere

وهنا نلاحظ الفارق النوعي بين الثقافة بمعناها العربي والغربي، اذ يرتبط الاول بمفهوم الشطارة والظفر وصولا الى بري الرماح " الرماح المثقفة"، في حين يرتبط المفهوم الثقافي بالزراعة عند العقل الغربي .

في سياق البحث عن فواصل نوعية وتعريفات ملخصة لثلاثي الارباك " الثقافة، الحضارة والمدنية"، اخترت تعريف الالماني الفريد فيبر للحضارة بوصفها واختلافها عن الثقافة بقوله " الحضارة هي المجهود الانساني للسيطرة على الطبيعة، بينما الثقافة مظاهر الحياة الروحية والأخلاقية التي تسود المجتمع " وأما المدنية

civilization

تعني الانسان في سلوكيات وانماط قيمية معينة "

بينما يرى أدوارد تايلور الثقافة " ذلك الكل الديناميكي المعقد الذي يشتمل على المعارف والفنون والمعتقدات والاخلاق والفلسفة" .

هنا لابد من التوقف لمعرفة ما بين السطور فالثقافة إذن اكتساب مجتمعي وعدوى وهي ليست مادية صرفة، ولكل شعب ثقافته وسماته التي تتباين وتتفاوت بلا علو واستكبار او دنو وامتهان .

اذن الثقافة هي روح الشعوب والحضارة آليتها بينما المدنية تتعلق بالصفات السلوكية التي تمثل الانسان في تعامله مع الآخر المختلف .. وبهذا تكون المدنية طريقا للسير بالحضارة والثقافة الى امام اذا أُحسن استخدامها .

........................

الثقافة إبداع مادي وروحي أم وشايات ؟

2-2

بعد ان توصلنا الى مفتاح مهم للتفريق بين ثلاثية " الثقافة، الحضارة والمدنية" وكيف فصل العقل الغربي حقولها واحكم ترابطها معا في شروط ومفاهيم معلنة عن كل حقل في اشتغاله ومهارة لاعبية وحقوق متلقيه وتفاعلهم الجدلي مع المنظومات الثلاث لانتاج نمط حياة شاملة.

هذه الثلاثية كيف مرت بنا كعقل عربي ونحن نضع التابوات والمحرمات والأصنام في طريقنا للحياة بشقها المادي والروحي ؟

وكيف وردت حكاية الثلاثية في المتون والعقول المنتجة قبل تلقفها في سوق التلقي الذي أصيب في هزال الذائقة وعسر هضم التمثل ؟

...........

اولا أنا لا اعني العرب كقومية بذاتها وليس اعرابا ايضا، اتحدث عن الناطقين بها ثقافة وحياة وانتاجا وتلقيا، وهنا تتسع دائرة الفحص للعبور من خوانق الانفاق .

فكما عرفنا أن الثقافة عندنا احتيال وشطارة وتثقيف الرماح لرميها على العدو، وهذا نتاج عقلية وخطاب ديني اولا يجيز للكلام ان يكون رماحاً في صدور الاعداء " اهجهم يا حسّان والله ان وقع قوافيك عليهم كوقع الرماح النواصل " حتى جاء صدام حسين ليعلن ان " للقلم والبندقية فوهة واحدة " وكذا تاريخ من الشعراء منذ العصر الذهبي حتى اخر شاعر في عصرنا ويومنا الحالي في نباهتهم وبداهتهم في تحويل الجمال والشعر الى سيوف وحراب ومادة دمار شامل .

عامل آخر لا يقل خطورة عن الاثر الأدبي وتحويله الى بيان عسكري لتبرير رسالة السلطة، وهو وجود التابو، الشرطي القامع للخطاب الآخر المضاد .

من هذا الاثر التاريخي لمفهموم ووظيفة الشعر، الاثر الجمالي الانساني، ان يكون حاملا وزاجلا ً للمحبة والسلام والحوار الى النص المتعالي في مفارقة الثقافة كميزة والمثقف بوصفه برجا عاجيا، وهكذا تستمر الفجوة في الاتساع وتزادا طرديا مع تناقض المفاهيم المعرفية بين الثقافة والحضارة، حتى صارت المدنية مركبا آخر للذين شقوا عصا الطاعة وابحروا الى ضفاف قصية .

................

الشرخ المعرفي في العقلية العربية يبدو جليا في الانفاق والصحارى التي يذهب اليها بمهارة نادرة تاركا زرع المفاهيم في الحقول .

هروب مدبر لكسر شوكة الحياة بتوازنها المثلث، هروب مقصود، هروب من الحقول والزراعة، ونزوع فطري وبيئي وثقافي ومدني لخلق اشكالية

لا تنتمي الى مصاف الجذور الفكرية وحاضانتها، خليط مريب من التبادل والتنافذ والشك .

............

لقد اتخذت الوشايات حقلا خصيبا في مشروع العقل العربي لترسيخ الثقافة والحضارة والمدنية معا، ولأن الوشاية لا تصمد في فصل الحقول وتحت شمس الوضوح، فلابد من خلط المفاهيم واشاعة الفوضى الفكرية والمجتمعية لخلق نموذج مضلل ومختلق ولقيط مطلوب تسويقه .

التراث العراقي والعربي الاسلامي حافل بمثل هذا التخندق والعزل، وهو ارث ساهم بشكل فاعل في صياغة الوعي الجمعي للمجتمع والانسان، وما زاد الطين بله ان وجود ارث حضاري تاريخي عميق ساهم ايضا في الاستخدام السيء لمعطيات هذا العمق التاريخي .

من اجل الاخطاء التاريخية في التباس المفاهيم وهو دخول الدين كواحد من مغذيات العقل الجمعي العربي التي رفضها العقل الغربي واقصاها من التعريفات المصطلحية والواقعية لثلاثي " الثقافة، الحضارة والمدنية" او وضعها في سياقها الصحيح تاريخيا وروحيا .

.............

ولكي تكمل الوشايات فعلها فلابد من فكر غيبي تخديري وغياب وعي نقدي حاد، فقد اصبحت الثقافة قرينة اللعب والاحتيال، والحضارة وصايا منقوشة على اعمدة رخام مقدسة، والمدنية عبث تقوده سلطة رعاع .

منذ مسلة حمورابي المنقوعة بالدم الى تاريخ المدونات السردية الملحمية، مرورا بالنصوص الدينية سنجد ان الوشاية قائمة لتسويق خطابها .

العقل العربي في المعنى الثقافي مصاب بغسيل فكري وملوث بداء الاحادية، لذا فلا وجود لهذا الفصل مثلا في السلطات وكما يقول مونتيسكو " العدالة هي فصل السلطات، ويعني التشريعية، التنفيذية والقضائية"، كذا لا وجود لهذا الفصل بين الثقافة والحضارة والمدنية .

الحضارة حيازة تاريخية والثقافة نزوع سياسي ايديولوجي مبرمج والمدنية تغزوها القيم الصحراوية والريفية بكل مخرجاتها المزدوجة.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4251 المصادف: 2018-04-26 05:30:52


Share on Myspace