 قضايا

لغة القرآن.. معجزة أم معضلة؟

محمد العباسيقال تعالى "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" (سورة الكهف).

هل من المعقول أو المقبول أننا وبعد ألف وأربعمائة سنة من نزول القرآن ونحن لم نزل نجادل في معاني كل كلمات كتاب الله ومقاصدها وحقيقتها ومغازيها؟  أفلم ينزل القرآن بلغة من أنزل الله وحيه بينهم؟  أم أننا اليوم قد ابتعدنا عن اللغة العربية الحقة وتغلبت عليها اللغات الدارجة والمحلية الممزوجة بخليط من المصطلحات المستوردة فأضعنا الطريق واختلطت علينا المفاهيم؟  يبدو جلياً أننا اليوم عندما نقرأ تفاسير القرآن فإننا لم نعد نقرأ كلام الله، بل نقرأ آراء المفسرين وهي رهن بالمستوى المعرفي لكا مفسِّر ومدى رجاحة عقله، وهي أمور قد لا تسمح باقتناص المعاني الحقيقية والصحيحة للقرآن.. حتى بات من الواضح أننا لم نعد نعي اللغة العربية ذاتها ونفتقر لأبجديات لغة القرآن وصار حال أصحاب اللسان العربي من حال الأعاجم.. وإن كان البعض سيجادلني بأن أشهر علماء وفطاحل اللغة العربية في التاريخ هم أصلاً من الأعاجم!!

ربما شغفت في السنوات الأخيرة بمتابعة المفكر "د. محمد شحرور" الذي توفاه الله منذ فترة قريبة، حيث كان شغله الشاغل إعادة النظر في الجوانب اللغوية عبر كتاباته عن القرآن والإسلام بالذات بعد عودته من موسكو، وحتى اتهمه البعض باعتناقه للفكر الماركسي (رغم نفي جميع مؤلفاته لذلك).. ففي سنة1990  أصدر كتاب "الكتاب والقرآن" الذي حاول فيه تطبيق بعض الأساليب اللغوية الجديدة في محاولة لإيجاد تفسير جديد للقرآن مما أثار لغطا شديداً استمر لسنوات وصدرت العديد من الكتب لنقاش الأفكار الواردة في كتابه ومحاولة دحضها أو تأييدها.. هذا وقد كسب "د. محمد شحرور" العديد من المؤيدين والمعارضين لأفكاره في العديد من البلدان، ولقد وجدت شخصياً في أقواله وتفسيراته وتحليلاته المرتبطة أو النابعة من النظرة اللغوية لجمل وآيات القرآن الكثير من المنطق من باب كوني متخصصاً في علوم دراسة اللغات.

فهل أضاع الناس الطريق والتبست عليهم مفاهيم اللغة العربية التي نزلت به القرآن الكريم على نبينا محمد (ص) حتى بدأ كل مفسر يدلو بدلو مختلف ويفتي في الدين ويتبعه من يتبعه من الناس إيماناً بعلمهم ولو من منطلق (العهدة على الراوي)؟   فلكم أن تتصورا كم المغالطات التي أخذنا بها منذ عهد الأولين وتمادينا فيها عبر السنوات ومارسناها ومشينا عليها مع من مارسوها من بعدهم، ومن ثم سايرنا من فسروها بنحو مختلف من تابعيهم ومخالفيهم، ولم نزل جيلاً بعد جيل، نتابع ونجيز أقوال المفسرين الجدد.. فقط لنكتشف كم الممارسات والمفاهيم الخاطئة أو المنقوصة التي تربينا عليها حتى عصرنا الحاضر.

لكم أيضاً أن تتخيلوا كم المعلومات التي تتعلق بأمور حياتنا وعقيدتنا وشرائعنا في قضايا تتعلق بالميراث والمحرمات والمنهيات والعلاقات الاجتماعية والربا والأحكام والشعائر والممارسات والحجاب والكثير من الشؤون التي ربما تعاطينا معها عبر قرون من الزمن بجهل منا وممن اتبعناهم من مفسرين وشيوخ ومفتين في الدين، بسبب بسيط يكمن في ضعف علمنا بقواعد اللغة العربية العظيمة التي أنزل الله بها آخر الكتب السماوية لتكون منهاجاً للعالمين.

لننظر معاً في أمثلة بسيطة لبعض مفاهيمنا التي أمضينا سنيناً نمارسها ولا نعي بالضرورة معانيها الحقيقية.. وسأبدأ هنا بقضية بسيطة ولكم أن تتصوروا أو تتذكروا مجمل الحالات الأخرى التي لابد وأنكم كثيراً ما شاغبت أذهانكم لغياب المنطق فيها، ولكن منعتنا الغيرة على الدين من السؤال أو التشكك في تفاسير المفسرين.. "الضرب".. هل القرآن يأمر بضرب النساء؟  هذا الشأن بالذات سمعنا فيه لغطاً وتفاسير وشروح.. فكثير من "المتشددين" الجدد يستفيضون في شرح أصول ضرب النساء عند أول مؤشر لنشازهن، وهم يؤكدون بأن "الضرب" هنا يعني نوع من العقاب الجسدي، كالصفع أو اللطم أو حتى بالعصا إن تطلب الأمر.. بل والبعض يشرح الفرق بين الضرب براحة اليد أو ظهرها، وهل يكون الضرب على الوجه أم بعض مناطق الجسد الأخرى كالكتف أو الظهر أو الذراع أو المؤخرة.. وإن استوجب الأمر استخدام العصا فيشرح غلاظة وسُمك وطول العصا ويبين أن الضرب لا يجب أن يترك أثراً على جسد الزوجة.. ويطول الشرح في طرح كافة القصص والأمثلة، ومختصر الكلام هو عن كم الزوجات اللاتي تم تعنيفهن عبر التاريخ بشتى الطرق، بناءً على تفسير واحد فقط لمعنى كلمة "ضرب"؟

أ.د. عبدالعزيز بايندر (موقع: حبل الله) يشرح الآية المعنية بهذا الموضوع بالتفصيل التالي: في الآية 34 من سورة النساء ورد ثلاثة أوامر ونهي واحد بشكل متتالٍ كما يلي: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً).. ضرب المرأة هل يعني إيذاؤها جسديا باللطم وغيره؟ أم إبقاؤها في مكانها أي عدم إخراجها من بيتها؟  لنفهم هذا جيدا تعالوا لنرى الآيات المتعلقة بالموضوع قسماً قسماً:

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ)

لأن النشوز هنا هو "قرار الافتراق" فما يجب على الزوج الذي يخاف من نشوز زوجته هو أن يتحدث إليها. لهذا كان الأمر الأول هو:

"فعظوهن"

أي قولوا لهن قولا حسنا.  والوعظ: هو التوجه بالأقوال الحسنة بهدف توجيه سلوك المقابل نحو الأحسن وذلك في مواضيع تسبب له الإزعاج القلبي.  الرجل يحاول إقناع زوجته الراغبة بالافتراق عنه بالكلام الجميل.

إذا أصرت المرأة على قرارها بالانفصال، فعلى الزوج أن يمتنع عن مجامعتها مع إظهار احترامه لقرارها.  والأمر الثاني في الآية متعلق بذلك.

"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ"

هجر الزوج لفراش زوجته يوفر إمكانية أن تراجع قرارها كما يمنع إمكانية حملها في الوقت الذي ترغب فيه الافتراق عن زوجها.  في هذه المدة لا يمكن للزوج إخراجها من البيت، والأمر بـ"الضرب" متعلق بهذا.

"وَاضْرِبُوهُنَّ"

ولأن الضرب يأتي بمعنى وضع الشيء على الشيء وتثبيته عليه، فالكلمة هنا لا بد أن يُعطى لها معنى إبقاء الرجل امرأته في بيتها وذلك بعد هجره لفراشها.  لأنه لا يتحقق تخلي المرأة عن حقها في استخدام صلاحيتها في الافتراق إلا بإرادتها الحرة.  يشير إلى هذا القسمُ التالي من الآية:

"فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً"

الطاعة في العربية تعني: قبول شيء من القلب وتنفيذه، وضدها الإكراه، وفعل شيء نتيجة الضرب (بمعنى الإيذاء الجسدي) يعني القيام به تحت الإكراه. وقوله تعالى "فإن أطعنكم"  بعد قوله  "واضربوهن"  يمنع إمكانية إعطاء الضرب معنى الإيذاء الجسدي.  والمعنى الوحيد الذي يمكن أن يعطى لهذه الكلمة هو عدم إخراج المرأة التي تريد الافتراق (الناشز) من بيتها قبل البتِّ في قضيتها.

 

ونجد أن محدودية تفسيرنا لكلمة واحدة (الضرب) بمعنى واحد محدد ليس له تأثير على بعض ممارساتنا فقط، بل سيفسد علينا نجاعة شرح وفهم العديد من الآيات التي تحتوي على هذه الكلمة.. وقد تكررت الكلمة 58 مرة في القرآن، وكلها متشابهة في اللفظ فقط لكنها تختلف في المعنى حسب الجملة.. وأنصح هنا لمن أراد الاستزادة، البحث في الكتب أو المواقع الإلكترونية.

ولنأخذ هنا كلمة "رجل" أو "رجالا"..  وهي لا تعني بالضرورة الأشخاص الذكور كما قد نفهمها في جل أحاديثنا، بل في غالب آيات القرآن تعني من يمشون أو يقفون على أرجلهم.. ويشرح الأستاذ "نورالدين الغزالي" معاني الرجولة في القرآن في موقع (جماعة العدل والإحسان) بأن كلمة "رجل" في اللسان العربي ترجع إلى معنى "الترجل" أي أن يمشي الشخص على قدميه دونما استعانة بآلة ما "الدابة أو السيارة أو غير ذلك”".  وهذا يعني الاعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة والهدف المقصود.. ويشرح لنا كيف تحدد لنا اللغة العربية مفهوم الرجولة في حقيقة واحدة هي: الاعتماد على النفس في الحركة وتحقيق المراد والوصول إلى الهدف المرجو، وهو ما يعني قوة الشخصية ومضاء العزيمة ووضوح الرؤية والهدف في فكر صاحبها.

أما في غالب المواقع التي يقصد فيها القرآن بكلمة الرجل المعني المتعارف بيننا كونها تعني الشخص الذكر وليس الأنثى، فنجد أن كلتا الكلمتان تأتيان في ذات الجملة (الرجال والنساء).. فمثلاً، حين يكون القصد هو الجنس الذكر المقابل لجنس الأنثى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً".

هذا بعض من حالنا نحن العرب مع لغتنا القرآنية العربية.. فماذا نفول في شأن غبر العرب؟  ماذا نقول عن كافة المسلمين ممن لا يجيدون اللغة العربية أصلاً، ورغم حفظهم للقرآن وتمكنهم من قرأته بشكل رائع أحياناً لا يفقهون من كلمات الله إلا النزر اليسير؟ وقد قابلت أسرة ماليزية رُزقت ابنتهم بتوأم ذكور، وأسمتهما "فضلو" و"فضلي"، من أصل كلمة "فضلُ" بالضمة و"فضلِ" بالكسرة، على أساس أنهما كلمتان مختلفان.. وفي حالة أخرى تكاد تكون مشابهة، فقد رُزق شخص إندونيسي بطفلة وجاءنا يبشرنا بفتاته التي أسماها "زانية"!! فناقشناه في سوء اختياره لهذا الاسم لما يحمل من معنى سيئ وغير مناسب.. لكن حجته كانت أنها كلمة من القرآن، لذا فهي لا بد وأن تكون كلمة طيبة!!  وفي شأن الأسماء التي يتخذها الكثير من أبناء الجاليات الهندية والآسيوية بشكل عام نجد تكرار الأسماء المركبة مثل "شمس الدين" أو "سيف الإسلام"، ولكنهم يكتبونها "شمسل دين" و"سيفل إسلام" ثم ينادونهم بالنصف الأول من الإسم "شمسول" وسيفول"، ولا يعلمون مدى الخطأ في هكذا أسماء.. بل ولدينا في البحرين عامل بنغلاديشي اسمه "مهين"، ولا بد أنه مأخوذ من الآية الكريمة "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ"!  وهذا فيض من غيض !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 12:16:15


Share on Myspace