 قضايا

اشكالية فهم فناني الخارج وفناني الداخل

1324  دافنشييذكر ان المؤثرات البيئية والمناخية والعوامل الوراثية لها تاثير كبير على كل من المزاج العفلي والعاطفي والنفسي للانسان حيث تتكون الاذواق والميول والافكار وينطبع الفرد او الجماعة بطابع تلك العوامل وينعكس ذلك على الفرد او الفنان وانتاجه الفني. وبالتالي فان الفنان اينما حل يحمل معه العوامل الوراثية وثقافة الاجداد والتي تظهر بين الحين والآخر في انتاجه بعلم منه او بغير علم. وكثير من الفنانين والمثقفين العراقيين الذين حطوا في الخارج كانوا يحملوا هم الوطن في قلوبهم وانتاجاتهم الفنية وكانوا يحلمون عند العودة بتنفيذ مشاريع خيرية وثقافية كبيرة في الوطن؟.

في بداية القران العشرين حدثت موجة من هجرة المثقفين والفنانين العرب الى الغرب بعدما اكتشفوا انهم متخلفين عن العالم المتحضر مئآت السنين وقد شجعهم على ذلك الاستعمار الذي حل في ديارهم وقيام ثورة الاصلاح العربية التي تزعمها محمد عبدة وجمال الدين الافغاني وعدد من الشعراء العرب فبدأ الصراع بين الفكر القديم الجامد والمتحجر وبين الحداثة والتغيير نحو مفاهيم وتصورات جديدة.. وكانت العوامل الخارجية اشد عظمة وتأثير على المصورين والادباء فتركوا ما هو مالوف لديهم واقبلوا على ذوق جديد لم يالفوه.

لقد وضعت الدول العربية في سجن عثماني مظلم مدمر دام اربعة قرون بينما تنعم اوربا بكل عوامل الرقي والرفاه والديمقراطية منذ الثورة الفرنسية عام 1789 م. وقد مرت اوربا باطوار فنية عظيمة مثل عصر النهضة والباروك والركوكو والحركة الكلاسيكية الجديدة ثم الرومانسية ثم الواقعية ثم الانطباعية التي كانت الحد الفاصل بين عالمين من الفن , الكلاسيكية ومذاهب الفن الحديث.. بينما الفنان العربي والاسلامي كان محبوسا ومقيدا داخل اطار التقاليد.

فناني الخارج وفناني الداخل:

1325  كوباهذا المصطلح ظهر في العراق بعد سقوط النظام عام 2003 وكان الغاية منه هو قطع الطريق على السياسيين المنفيين في الخارج والذين رجعوا الى العراق ليساهموا في عملية التغيير وحرمانهم من اي منصب سياسي او علمي او ثقافي بحجة ان هؤلاء لم يعيشوا ويتحملوا النوائب والمآسي التي عاشها العراقيون في الداخل. وقد راح ضحية هذا المفهوم الخاطيئ عدد كبير من العلماء والمفكرين والفنانين حيث قتلوا على ايدي جاهلة وحاقدة.... وكانت الاوضاع السياسية والاقتصادية المزرية في البلد قد فرضت ان يهاجر ملايين العراقيين الى اوربا وامريكا وغيرها من البلدان الاخرى , هؤلاء المهاجرين من الفنانين والمثقفين وغيرهم عاشوا وسط مجتمعات متطورة ومتحضرة من جميع النواحي , فدرسوا وحصلوا على امتيازات عليا في الفن والادب والعلوم وغيرها بينما الذين عاشوا داخل العراق لم تسمح لهم الظروف بالخروج فبقوا لاسباب كثيرة..

اليوم نجد الصراع محتدم بين الافضلية والاحقية في المشاركة في التغيير والحكم في الوطن الوطن الواحد ؟. وهو يذكرنا بقصة السقيفة بعد موت الرسول –ص- والصراع بين المهاجرين والانصار على الخلافة. فالانصار يقولوا نحن نصرنا الرسول واصحابه واقمنا دولة الاسلام في المدينة ؟. بينما يقول المهاجرون نحن الذين عاشوا ظروف بداية الرسالة من قتل وجوع وحرمان ونحن احق بها ؟؟؟ وبالتالي فقد كان الصراع في حقيقته على الحكم ؟ , وقد نسى او تناسى هؤلاء انهم عرب ومسلمين يعيشون في وطن واحد وخندق واحد ؟؟..

كما يذكرنا ذلك بالصراع بين انصار التصوير وانصار النحت. وكان دافنشي يعتقد ان التصوير اسمى من النحت لانه اكثر ذهنية وفكرا وانه يعطي مجالا للابتكار والخيال والابداع في التقنيات والالوان التي تعطي ضوء الحياة. اما مايكل انجلوا فكان دبلوماسيا ومتوازنا في نقده فقال (ليس هناك فرق بين النحت والتصوير فيما عدا تلك الفروق التي ترجع الى الحكم الاكثر صدقا والعمل الاكثر جهادا..)

و بالتالي ليس هنك في الواقع فرق بين فناني الداخل وفناني الخارج لان المسألة تتعلق بالعمل الاكثر صدقا واكثر جدية وابداعا وفكرا وتجربة وتاريخ نضالي فني وثقافي طويل.

1326 افلاطون وارسطو

جمعية الفنانين العراقيين:

منذ ان عرفت جمعية الفنانين العراقيين في بداية السبعيينات وكنت عضوا فيها كان هناك صراعا على الرئاسة لان فيها امتيازات كبيرة جدا حيث كانت الدولة في حركة نشطة لتزيين الساحات العامة بالاعمال الفنية من تماثيل وجداريات كما كانت الوزارة تثمن الفنانين وتقتني اعمالهم وتطبع الكتب للفن.. اليوم جمعية الفنانين تملك من الاموال ما لم تحلم به في تاريخها سابقا حيث فيها نادي وكراجات ومساعدات من بعض السفارات ؟ ولها مجلة وانشطة اخرى , وقد سمعنا من خلال الصحافة انتقادات للجمعية وسرقة في الاموال؟.

1326 مايكل انجلواما فناني الخارج فلم يكن لهم نصيبا في معارض الجمعية او الانشطة او المؤتمرات الثقافية والفنية او المسابقات او الدعوات للقيام بسفرات ثقافية تنظمها بعض المنظمات الدولية او نشر اعمالهم في اعلامها الا ما ندر وحسب العلاقات الشخصية.

رغم ان بعض فناني الخارج حاولوا ردم البعد وتقريب الانفس والتواصل , وتركوا اعمالهم للاشتراك في معارض الجمعية واقاموا معارض شخصية في بغداد. لكن مع الاسف كل هذه النوايا الحسنة والطيبة لم تزد بعض فناني الداخل الا بعدا وانكارا وحقدا وكراهية لاهل الخارج ؟... كما ان هناك الكثير من الفنانين العراقيين في الداخل غير راضين ومتعاونين مع الجمعية لاسباب كثيرة ربما منها النفس الطائفي والحزبي والفكري والشخصي.. كذلك ان ما ينشر في الصحافة والمجلات الفنية من نقد واطراء ومدح لهذا او ذاك , اعتقد ما هو الا صفصطة ومجاملة واكذوبة لان اكثر من تسعين بالمئة من الاساليب والتقنيات هي فن غربي بحت مستورد وقد اعترف بذلك الرواد.

هذا من ناحية ام من الناحية الاخرى فقد قرأنا ان المحافل الماسونية اليوم منتشرة في العراق وتحمل لافتات متنوعة تحت غطاء الثقافة والفن والمدنية ورعاية الطفل والشباب وحرية وحقوق المرأة ومنظمات المجتمع المدني وغيرها , وقد يكون اعضاء هذه المراكز المدنية والفنية شرفاء ومخلصين في اعمالهم لكن لا يعرفون ما ورائها ومن يدعمها.

ونتمنى للفنانين العراقيين جميعا التواصل والتحابب والابتعاد عن السياسة وكذلك التخندق الطائفي والحزبي لانها متقلبة ومتغيرة. بينما يبقى الفن والحب والجمال خالدا ابديا مهما تغيرت الانظمة والافكار.

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4901 المصادف: 2020-02-05 03:15:26