 كتب وإصدارات

الحرب الأهلية الطائفية في العراق (2003 – 2017)

يوسف محسنعن الدار العربية للموسوعات-  بيروت صدر كتاب الباحث العراقي يوسف محسن (موسوعة الحرب الأهلية الطائفية في العراق (2003 – 2017) في 4 مجلدات الكتاب يعد وثيقة تاريخية وسياسية للنزاع الطائفي ويحتوي الكتاب على عشرا الخرائط والجداول البيانية، وفي ما يلي النص الكامل لمقدمة الكتاب .

مقدمة

في البداية اطرح ملاحظة مهمة، إن هذا العمل لايدخل في إطار التحيزات المذهبية أو الدينية، وإنما يجري التعامل مع قاموس المصطلحات الطائفية مثل (سنّي) و(شيعي) و(ميليشيات) و(جماعات مسلحة) و( متمردون قوميون سنّة ) و( سلفيون جهاديون) بوصفها مصطلحات أداتية مجردة من اي نزعة نابية كما ان هذه الدراسة ليست معنية بتصحيح أو تخطئة ما يندرج تحت تلك المصطلحات من تصـورات دينية، أو أيديولوجيه، فضلاً عن ذلك يحاول هذا العمل القيام بمراجعة جذرية للكثير من المفاهيم والتصورات السياسية والسياقات التاريخية التي فقدت نجاعتها الرمزية والوصفية، حيث يعد المخبر العراقي ما بعد العام 2003 نقطة تحول قصوى في تطوير المفاهيم السياسية، وسوف يدفع الباحثين إلى إعادة النظر في الأجهزة المفاهيمية، والقواميس، والمقولات الجاهزة لا سيما في ما يتعلق بالهوية (الهويات) والطوائف، والأقليات، والنزاع الأهلي، نحاول ان ندرس مسالة الحرب الأهلية الطائفية في أساسياتها الاجتماعية والسياسية، حيث اننا نجد الصورة الانقسامية في القاع السوسيولوجي للمجتمع العراقي، وإن الدولة العراقية منذ التكوين الأول تقوم على بنى عصبوبة طائفية، وهنا تبدو فرضية الحرب الأهلية الطائفية في العراق. على جدول أعمال المجتمع / المجتمعات العراقية وممثليها السياسيين الفاعلين منذ التكوين التأسيسي، فهي فكرة أو مشروع متوطن في الذاكرة التاريخية ولأيديولوجية وتاريخ المعتقدات الدينية، وتاريخ الجماعات سواءً كانت المجتمعات الشيعية أو المجتمعات السنّية، إذن الحرب الأهلية الطائفية ومنذ انهيار نظام صدام في العام 2003 أخذت مسارات متعددة، لتكسب أطرافاَ محلية، وإقليمية، ودولية تقوم هذه الحرب على التطهير الاثني، والطائفي والديني المتبادل، والقتل اليومي، والتهجير من أجل إعادة رسم الخرائط الديمغرافية، وتفجير السيارات المفخخة، والانتحاريين والاغتيالات، وتفكك جغرافية الدولة، وتوطن تلك المجتمعات في مناطق محدودة ومنفصلة، فالميليشيات الشيعية المسلحة حققت انتشاراَ واسعاَ في جنوب ووسط العراق (البصرة، والعمارة، والكوت، والسماوة، والناصرية، والديوانية) أما الميليشيات السنّية المسلحة فقد توطنت في غرب وشمال العراق في (الموصل، والانبار، وتكريت، وديالى، وكركوك) أما الميليشيات الكردية فقد اتخذت من السليمانية، وأربيل، ودهوك، وامتدادات أخرى داخل المجال الجغرافي العراقي، هذا الانتشار فرض الحدود للانقسامات الطائفية والقومية والاثنية، ومن ثم بروز دويلات وإمارات، وتم كسر احتكار الدولة التي لم يكتمل تكوينها بعد الانهيار الشامل العام 2003 لمجال القوة والعنف،  مما أدى إلى تداخل التمركز الطائفي للسيطرة على الثروات والموارد، والأفراد الفاعلين وتكيفهم على وفق التصورات المذهبية.

1459  موسوعة الحربإن الفعل الإجرائي الأول الذي يجب تحديده، يكمن في إحداث قطعية معرفية مع المصطلحات المتداولة إعلاميا ونقصد بذلك المصطلحات والتسميات التي تحمل نعتاً وحكماً أيديولوجياَ وتفتقد للعلمية والرهان على إنتاج معرفة موضوعية عن البنية السوسيولوجية، والمجال التاريخي للمجتمع وإعادة إنتاج مفاهيم ومقولات محايدة لتسمية الدوائر والهويات العراقية. عبر الإجابة على سلسلة من الأسئلة، لماذا تم تفجير أكبر خزان للأساطير الما قبل تاريخية، وإعادة إنتاج الظاهرة الأصولية داخل السيرورات الطائفية العراقية، وتحولها إلى أديان مغلقة واستنفار الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية، والسرديات الفقهية، والإرث الديني، والطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الأصوليّة؟ ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية، والانبعاثات الأصوليّة والنصوص السياسية والدينية، والأيديولوجية للجماعات العراقية ونشوب صدام الهويات الأصوليّة الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية واقتصادية، وسياسية؟ ما الأسباب التي جعلت الدولة منذ التأسيس في العام 1921 تفتقد للخصائص السوسيولوجية والأيديولوجية، وتشكل بنيتها على المجال الطائفي الذي يخترق الجسم السياسي للدولة العراقية؟

لكون المجتمع عبارة أنساق سيوسولوجية لذلك فهو منتج لخطابات دينية - سياسية ومرجعيات أيديولوجية مختلفة داخل نظام الفكر ما يتطلب كشف لعبة الخفاء الأيديولوجي للحركات السياسية أو النخب الدينية العراقية في إعادة إنتاج الهوية الطائفية الأصوليّة التي تعبر عن البنية الأجتماعية العراقية في هندسة الدولة؟ هل أدت البنية الطائفية لدستور العام 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الأهلية الطائفية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي ولتبدد وضوح هوية الدولة الدينية أو المدنية؟

فرضية النزاع الديني

منذ بدايات النزاع وصفت تلك الحرب الاهلية الطائفية بكونها امتداداَ للانقسام الشيعي/السنّي في القرن السابع الميلادي بشأن الخلافة السياسية للإسلام الكلاسيكي، وهيمنت السنّة على مؤسسة الخلافة وأقصاء الشيعة أو الخط العلوي من توزيعات السلطة والثروة، فضلاً عن ذلك أن الأيديولوجية السنّية الارثوذوكسية ترى في الشيعة عناصر غريبة عن الإسلام ومنحرفين ومهرطقين حتى ظهور الدولة الوطنية في العراق وامتداداتها، جعل من الشيعة يشكلون الطبقات الدنيا في المجتمع، وهي قراءة أحادية، إذ إن اصل النزاع الشيعي/ السنّي في العصر الكلاسيكي الإسلامي، لم يكن يتعلق بالمسائل الاعتقادية، أو المسائل المتعلقة بالعبادات فقط، بل يتعلق أصلاً بالسياسية (الأمير، الإمام) فالسرديات، والأدبيات الشيعية، ترى أن الإمامة والسلطة تنحصر في خط عصبوي وجرى اقصاؤه من توريث الخلافة من قبل الجماعات المؤسسة في حين تؤكد السردية السنيّة على شرعية الخلافة، عبر هذا العمل نرى أن الخلاف كان صراع سياسياً وجرى التعبير عنه في اطار لغة دينية ومذهبية، وجاء إعادة ظهور تلك المشكلات مع التغيرات الجيوسياسية التي حدثت في إيران العام 1979، وصعود تيار (النسخة الخمينية) من الإسلام السياسي الشيعي  وكانت الحرب العراقية – الإيرانية أحد تجلياتها أو الجزء الحيوي في تحجيم المد الإيراني وامتدادته في العوالم الشيعية المنتشرة في العراق، والبحرين، والسعودية، والكويت، ثم الانبعاث الشيعي الكبير والصعود الى السلطة في العراق بعد الحادث الأميركي العام 2003، وبفعل ديناميكيات الديمقراطية، إذ لعبت الديمغرافية وصراع الهويات ادواراً معيارية في انبعاث الصراع السياسي بين الشيعة والسنّة وعلى الرغم من مشاركة سنًة العراق في العملية السياسية، فقد كان لديهم  أحساس بالفقدان والخسارة الكبيرة، فهم بناة الدولة الوطنية وعسكرها، وأبناء السلطة العميقة منذ العصور الوسطى، حيث كانوا يملكون المفاصل الدقيقة فيها، أما الهوامش فكانت حصة الشيعة والكرد ويعاملون كمواطنين قيد الدرس، محكومين بسلسلة قانونية واجرائية تحد من صعودهم في هرم السلطة.

مع انهيار سلطة البعث العراقي العام 2003، أظهر السنّة فقدان الرشد السياسي فقد شهد العراق منذ تلك اللحظة موجات من العنف، والعمليات الانتحارية وتفجير السيارات والقتل ذي الخلفيات الطائفية وخاصة ضد التجمعات الشيعية ومن ثم ظهر تنظيم القاعدة، ودولة العراق الاسلامية، ودولة العراق والشام الأسلامية (داعش) حتى إعلان دولة الخلافة الإسلامية التي مارست الإبادة ضد المختلف دينياً على وفق المدونات التراثية، إذن يعد النزاع الديني أحد التأسيسات الأيديولوجية للحرب الأهلية الطائفية بين الميليشيات الشيعية والميليشيات السنّية بتنوعاتها في العراق، ولكن يبقى هذا النزاع محكوماً بنظام القوة وتوزيع ممتلكات السلطة السياسية، والثروات والهيمنة على الرأسمال الرمزي للدولة وانتاج المعنى، فالحادث الأميركي العام  2003 حطم النظام القديم للعقد الاجتماعية بين المجتمعات العراقية، فضلاً عن ذلك أوجد نظاماً عقدياً جديداً.

جماعات وميليشيات متخيلة

سياسات الحرب الأهلية الطائفية في العراق وموجاتها وامتداداتها الراهنة، أدت إلى خلق واقع سياسي جديد عبر ظهور (جماعات متخيلة) تستقطب الأفراد عبر آليات التمثيل لكون المجتمع العراقي لا يتوفر على نظام ثقافي مستقر يستطيع بواسطته تنظيم العلاقات بين الجماعات الدينية والسياسية، ويعطل العنف التبادلي بين المكونات والتركيبات الاجتماعية، تحولت الحرب  في المجتمع إلى (عنف بنيوي) قائم على المقدس الديني الطائفي المنغلق وعلى رؤية عصبوية صلبة.

في (الثامن عشر من برومير لويس بونابرت) يبين ماركس أن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يرغبون تماماً، لأنهم لا يقومون بذلك في ظروف يختارونها بانفسهم، بل تحت ظروف معينة يجدونها وقد انتقلت اليهم من الماضي، أن تراث الاجيال البائدة كلها، يجثم بثقله مثل كابوس على أدمغة الأحياء، إذ حالما يبدو على الناس أنهم قد انخرطوا في تغيير انفسهم، وتغيير الأشياء من حولهم تغييراً جذرياً، وفي خلق ما هو جديد تماماً خصوصاً في زمن الاضطرابات العميقة، فإنهم يستحضرون بتلهف أرواح الماضي لخدمتهم ويستعيرون منها أسماءها، وعاداتها وشعارات المعارك التي خاضوها في الماضي من أجل تقديم مشهد جديد لتاريخ العالم، لكنه يتقنع هذه المرة بقداسة الماضي، وبهذه اللغة المستعارة) حيث يتم التلاعب بالتاريخ والصراعات الأيديولوجية وفي الانساق الثقافية وفي ذاكرة النزاعات الطائفية، وتشويه واقصاء سرديات الجماعات الاخرى واحتكار سردية كلية شاملة، وتوظف الهويات الاثني- طائفية، (كادوات أيديولوجية) في اضفاء شرعية على هذه الحرب الأهلية الطائفية التي هي إنتاج التفكك المزمن للدولة القومية في العراق.

إذ نرى كيف يتم تشكيل وتفكك الهويات في أتون هذا الصراع الأهلي الطائفي، لكون هذه الحقبة التاريخية التي يمر بها المجتمع والدولة والافراد في العراق، تعد مرحلة الازمات الكبرى، فجميع التكوينات الطائفية والجماعات التخيلية تبحث عن هويات بديلة عن الهويات القديمة، فضلاً عن ذلك انه صراع متعدد الأبعاد ومعقد وهناك العديد من اللاعبين والمصادر السياسية (السلطة والدين والأيديولوجيا والعوامل الاقتصادية)، فمنذ تسعينيات القرن الماضي جرى تثبيت النزاع الطائفي والعشائري في طبيعة تكوين السلطة البعثية، واعادة استثماره الرمزي وألسياسي وتحويله الى أدوات للصراع الاجتماعي، فقد انشأت الدولة القومية السنّية عصبياتها في تلك الحقبة من التاريخ، ما جعل المجتمع الشيعي يبني عصبياته المضادة والدخول في دورة من الانقسامات كل هذا ادى الى ولأدة شبه دولة في العراق ما بعد العام 2003 تجمع خصائص الاستبداد، والمحاصصة، وأنماط من الشموليات الطائفية الحديثة تحرسها المليشيات وهنا نصل إلى ان الطبيعة المتشظية للمجتمع والطبقة السياسية، هي التي اشعلت الحرب الاهلية الطائفية وتحولت بعد العام 2014 الى نزاع شامل، فقد أجرت الميليشيات الشيعية، والميليشيات السنّية تعديلات جوهرية في ستراتيجياتها وتعديل الديناميات السياسية، كان الغرض من ذلك اطلاق حرب شاملة، على وفق أيديولوجية طائفية.

في هذا العمل الوقائعي سوف نحاول الكشف عن أشكال الهيمنة السياسية والايديولوجية، فضلاً عن الحفر في البنى الاجتماعية والأطر السلطوية للوصول إلى أن العراق ككيان سياسي أصبح منذ العام 2003 يقع في منطقة (تنازع طائفي) ويمكننا أن نفسر هذا التصدع بين الشيعة والسنّة في المجال المجتمعي العراقي، بوصفه تنازعاً على امتلاك الرأسمال الرمزي، وإنتاج المعنى الصحيح للدين، وإن الطرف الآخر منحرف عقائدياً ويتطلب إعادة (الأسلمة) والتنازع على ممتلكات الدولة السياسية، والثروات المادية ومصادر القوة ونزاع سياسي – مجتمعي، جرى التعبير عنه في (انفجار الهويات) والتحشيد والتعبئة له على وفق المشروعية الدينية – السياسية  الطائفية وذلك أن النظام السياسي الذي تأسس بعد الحادث الأميركي لم يستطع انتاج هوية جماعية تدمج داخلها المجموعات الدينية والقومية والاثنية، وهذا يمنحنا القدرة على السعي الى أن نفهم الصدع الطائفي في ضوء العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية فضلاً عن العوامل الثقافية – الدينية فالمجتمع العراقي لم يخرج حتى الان عن كونه (جماعات مخيالية) وليس مجتمعاً منظماً، فضلاً عن العوامل المتعددة لاطلاق التوترات الطائفية، حيث يشكل الخطاب الطائفي الميراث الثقافي – الديني للجماعات العراقية،  فقد اتخذت الحرب الاهلية العراقية اطاراً مذهبياً لكون هذا الخطاب بالفعل يمثل التوليفة المخيالية ويقدم المبررات للنزاعات في المجتمعات التقليدية.

تسأل البدايات

هل أن البريطانيين قد وحدو على نحو مصطنع مناطق وولايات متباينة و مجموعات دينية، وعرقية، وعشائرية في ظل دولة لم تتطور الى أمة؟ الى أي حد كان الصراع الطائفي، والحكم السلطوي، نتيجتين للانماط البنيوية السياسية حددت تاريخ العراق منذ التأسيس الأول؟ التساؤل الذي يطرح عن ماهية الإشكالات البنيوية التي أعاقت تطور أمة عراقية منذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة العام 1921 على يد البريطانيين ؟ ماهي العوامل التي أدت إلى بروز االطائفية بوصفها العامل البنيوي في السياسية العراقية؟ فضلاً عن ذلك أن المجتمعات العراقية شبه منفصلة عن بعضها، سواء كان ذلك على الصعيد الجغرافي، أو الاقتصادي، أو البنى المجتمعية والتكوينات، والتنظيم المؤسساتي، وعلى الرغم من السياسات الادماجية والتي مورست منذ التكوين الأول للدولة الوطنية (التعليم الموحد، والإعلام، والاقتصاد ،والتجنيد) ولكن لم تتشكل هوية أو أمة، حيث أن المجتمع العراقي يتشكل على الأنموذج الانقسامي، فالتمايزات الدينية، والمذهبية، والطائفية متجذرة في البنى الاجتماعية، وسوسيولوجيا تاريخ الجماعات.

يطرح حنا بطاطو فرضية في غاية الأهمية إذ يقول: إن التوجهات القومية للدولة في حقبة ما قبل البعث استطاعت أن تتعايش مع الولاءات القديمة (الولاءات الطائفية، والقومية، والدينية) آنذاك واخذت تعمل على تآكل وتفتيت تلك الولاءات، هذه الفرضية أثبتت عقمها في تاريخية الدولة العراقية الحديثة عبر اصطدامها مع مفهوم العصرنة وإعادة بناء الأمة - الدولة، سواء كان ذلك في حقبة الجمهوريات، أوالدولة الفاشية البدوية الصدامية، وقد تحولت مجموعة الهويات العراقية الى تركيبات سرمدية متجوهرة، وحقل صراعات دورية، وصدام بسبب انهيار المشروع الليبرالي العقلاني ونمو الأصوليّات الدينية، والنزاعات الطائفية ورافق هذا الفشل انبعاث الهويات الفرعية، لا سيما هويات  الجماعات الدينية  وهو يمثل هزيمة للدولة، حيث جرى الدمج القسري بين الدين/ السياسة وتحول السياسة إلى حقل مقدس والامتثال الى دين الطائفة عبر إنشاء بنية مؤسساتية ذات نزعة عسكرية محاربة داخل الطائفية السلفية (الشيعية والسنيّة) وبسبب غياب التصورات الهرمية داخل بنية المجتمع العراقي، برزت المجموعات السلفية الجهادية الطائفية، سواء كانت السلفية الجهادية الشيعية او السلفية الجهادية السنّية،  وأصبحت محور العلاقات والهيمنة وإعادة إنتاج التمايزات الثقافية وتشكيل نسخ الحقيقة عبر مجال القوى والممارسة الانتوغرافية والمعتقدات الدينية.

إنّ البنية الاجتماعيّة العراقية  تكوّنتْ من طوائف (communities) متمركزة على ذاتها، وكل منها يمتلك معاييره وتقاليده الخاصةَ به، وكل مجموعة طائفية تمتلك ميثولوجيّتَها الخاصةَ بها ما جعل العراق معرضاً للنزاع الدائم، ولكونه بلداً مركباً حديثاً كان محتوماً أن تدمره الضغوطُ المحلّيّةُ، حتى اصبح النظام السياسي، نظاماً طائفياً يستند إلى الطائفية بوصفها مؤسسة سياسيّة، وتجري عملية  مأسسة وندماج بجهاز الدولة، من أجل إنتاج مخيّلةٍ تاريخيّةٍ.

وقد شكل المجال الثقافي العراقي مجالاً واسعاً لإنتاج وإعادة إنتاج تراكمات الرأسمال السلفي الطائفي داخل الطوائف (سنّي/ شيعي) عبر إحلال مشاريع وهمية ثقافوية وبناءات مثيولوجية يتأسس لاهوتها السياسي على نظام مستند لتأويل العالم كنموذج نهائي، نظام مغلق يتسلح دائماً بأدوات المناعة ضد قرارات الواقع الاجتماعي وتصورات مغلقة، ويعود هذا ظهور (الطائفية السلفية) إلى أسباب متعددة.

أولأ: وجود مخزون تاريخي ضخم قائم على تمثيلات تاريخية ودينية، او يتم اختراعها في حالة اختفائها وانغلاق هذه الجماعات على بنية معرفية إضافة الى وجود ايديولوجيات خلافية.

ثانياً: أزمة الهوية التي تعصف بالمجتمعات المتحولة تاريخياً، ووقوع المجتمع العراقي بين هويتين التباسيتين هوية سياسية لم تتبلور، وهوية دينية متكونة ومتبلورة قادرة على إعادة إنتاج نظام الفروقات والخلافات .

ثالثاً: توظيف الرأسمال الرمزي للجماعات الدينية (الأفكار والعقائد والتقاليد) التي تشكل محركاً للتوترات المستديمة واحتكار الحقيقة السياسية، والدينية والتحول الذي يصاحب بنية الطوائف الدينية من هويات فرعية إلى مؤسسات دينية متكاملة.

رابعاً: إن كل جماعة دينية (شيعية/ سنّية) أخذت تشكل سردياتها الانثروبولوجية المتكاملة وكتلة المفاهيم والمقولات.

ذاكرة طائفية تنازعية

المعضلة السياسية التي يواجهها العراق أكثر تعقيداً فالخلافات بين السنّة من جهة، والشيعة من جهة أخرى بشأن ماهيّة الدولة العراقية لا تقلّ أهمية عن الخلافات اللاهوتية مع أن الطائفية لا تعكس الفروقات الدينية بين الجماعات فقط، وانما كانت دائماً متصلة بالسلطة، والموارد والهيمنه، ويمكن اكتشاف جذور النزاع في المخيال الديني والسياسي، حيث يستند المخيال السنّي والمخيال الشيعي إلى التاريخ لكونهما تبلورا عبر نموذجين متباينين، المخيال السنّي يتشكل عبر أنموذج البطل والذي يركز على الانجازات الحضارية الكبرى، ويتغاضى عن السلطوية والوحشية التي اتسمت بها الدولة الإسلامية الكلاسيكية، أما المخيال الشيعي فهو ينتج نموذج الشهيد من أجل بقاء جذوة فكر الامامة حية، لكون الشيعة شكلوا دائماً الاقلية المقصية والمهمشة في تاريخ العالم الاسلامي.

وهنا من الصعب أن نتناول التاريخ العراقي وتبدل تشكيلاته بالقطيعة عن تاريخ الجماعات الطائفية وصراعها على الدولة السياسية والسرديات الإسلامية الكلاسيكية (الإمام/الأمير) التي تعد احدى الديناميكيات البنيوية الداخلية لتطور الحدث السياسي اليومي، عبر المتخيل الطائفي السلفي الجهادي، الذي هو أداة رئيسة في تعيين الهويات والتمثيلات الثقافية، وأخذت نسقاً بنيوياً وجماعياً يوظف على الاجتماع الثقافي العصباني.

فالخطاب السلفي الطائفي (اقصد هنا السلفية الجهادية الشيعية، والسلفية الجهادية السنّية) في العراق أسس مشروعيته بواسطة إنتاج تصنيفات تاريخية، وثقافية، ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية، والسياسية،  والاقتصادية مبلوراً نموذجاً بنيوياً تركيبياً تبادلياً داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي إنتاج إفرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي، ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات البيطرياركية.

لذا فإنّ صدام الهويات الطائفية العراقية بعد تفجيرات القبة العسكرية العام 2006، يؤشر إلى سيادة الرؤية اللاعقلانية الإقصائية التي تسعى إلى تقويض التنويعات الدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي يستند إلى الاستبعاد التيولوجي المتبادل في التصنيف ويحمي الجماعات السياسية من عمليات الاعتراض عليها بإضافة كاريزما مقدسة، تحتوي في داخلها عناصر الصراع السياسي، والديني بشأن الثروات/ السلطة الرمزية/السلطة المادية، ونتيجة للتركيبات الديمغرافية للمجتمع العراقي تبلورت مجموعة مكونات تتمركز حول هويات (اثنية، قومية، دينية) وهي صياغات لتمثيلات (الحيز السياسي) داخل هشاشة التكوينات العراقية إذ اعتمد (النسق المقدس) كحقل شائك ومعقد. فهوية الجماعات الشيعية، نتاج للقوى الثقافية والدينية والاضطهاد التاريخي والشعائري والإقصاء عن الأنظمة الفكرية الإسلاميّة، إضافة إلى تراكم منظومة الرأسمال الرمزي والتي تبلورت عبر حقل التاريخ، فهي تمثل هوية جوهرية، تفتقد للتشكيلات الاندماجية بسبب الصراعات بشأن (المواقع والهيمنة في السوق الرمزية) هذه الهوية تقوم على مخزونات ضخمة من الاستيهامات الذاتية والجماعية والوعي الاغترابي والتمزق وبالعودة إلى الظهور الدوري لشخصيات ورموز كارزمية في وعي الفاعلين الاجتماعيين السياسيين، تتشكل عبر بنية مؤسساتية يقودها طاقم ديني قادر على إنتاج وعي معين للإتباع في حين لم تتشكل هوية الجماعات السنّية إلا تحت وطأة الصراعات السياسية الحديثة، لذا سادت الرؤية اللاعقلانية وتخلفت سردياتها السياسية والأيديولوجية والدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي ذي بنية إقصائية، اضافة إلى افتقارها إلى بنية صلبة، حيث إن هذا الصدام بين الهويات داخل المكون العراقي (صدام الهويات السلفية) صياغات سياسية مخترعة لاحداث التفكك والاضمحلال في حقل التاريخ، بعد الحادث الأميركي، نجد أن هناك سياسات اقصاية وايديولوجيات تحريضية واضطهاد ممنهج ضد المجتمع السنّي/ ضد المجتمع الشيعي في العراق تبادلياّ، فضلاً عن الذاكرة النزاعية والاختلاف والتمايز بينهما في الاعتقاد والفقه والرؤية المتشكلة في العالم الإسلامي.

ايديولوجيات طائفية

إن الدين السياسي الطائفي يعد شكل إيديولوجي- سياسي، يشتق زخمة الجوهري من الأجوبة التي يعطيها على الأسئلة الوجودية للجماعات بشأن الشروط الإنسانية ومعنى الحياة وتحليله للأصول التاريخية والنظام الطبيعي والحوادث والوجود الموضوعي للجماعات والأفراد داخل حقل التاريخ، وتتضح قضيتان عامتان تتصلان بتحديد بنية الدين السياسي الطائفي .

القضية الأولى : تاريخية أي شكل أيديولوجي (الطائفية احد الأشكال) من البروز والتمفصل مع ايديولوجيات أخرى.

القضية الثانية: مادية كل أيديولوجية / أيديولوجيات، تعمل في رحم مادي من التأكيدات والاجراءات وهذا الرحم يحدد علاقاتها في ما بينها حيث إن نشاطها محاصر بالمعنى ولكل أيديولوجية نوع من الوجود المادي، إذن أن وظيفة الدين الطائفي الايديولوجية، منح المجتمع (أفراداً أو جماعات) هوية، تقدم لهم سردية، تحدد مكانتهم في حقل التاريخ، فهي تعتمد على مواد خام، أسمنت، مواد بناء، من الاحداث  والمؤسسات المرجعية والشخصيات الكارزمية، تركز على اللحظة الدينامية للحدث الأول المؤسس للجماعة. ويمثّل الدين السياسي الطائفي احد المتغيرات الأساسية في المجتمع البشري، وخاصة في المجتمعات المتعددة الطوائف يبرز هذا المتغير كأحد معايير التباين بين الجماعات، إذ أن التنوع الطائفي في المجتمع لا يكتسب أهمية سياسية إلا إذا تداخل في عمليات تنافس أو تنازع أو صراع في مجالات القيم، أو الثروة أو السلطة وهنا يبرز الفرق بين مفهومين للطائفية السياسية :

المفهوم الأول: يشير إلى التنوع السوسيولوجي في المعتقدات والممارسات الدينية.

المفهوم الثاني: استخدام الطائفية لممارسات سياسية واقتصادية وثقافية لأغراض الهيمنة ويحتوي هذا المفهوم على سلسلة من التصنيفات المعرفية والمؤسساتية وأنظمة القيم.

فالموقع الديني السياسي للجماعات الشيعية اخذ صفة معارضة مستديمة لجماعات سنّية مركزية تأقلمت مع تخطيطات هوية الدولة القومية ووظفت المكتشفات الأيديولوجية في التجربة التاريخية، هذه الوضعية التاريخية فرضت على الجماعات الشيعية البحث عن تعويضات خارج التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس مجال تاريخ الشيعي ( أفرداً أو جماعات ) أو وجوده الموضوعي وإنما هو تاريخ جماعات افتراضية أخذت تحذف عناصر هذا التاريخ وتحيله إلى دلالات ومعنى وميثولوجيات وسلطة أسطورة وفي صيغ مستديمة بهذا النسق المزخرف حيث استطاعت الطائفة الشيعية إيجاد مخرج تعويضي معبر عن رفض الدولة والانسحاب الكلي من المشاركة السياسية خوفاً على قداسة الأسطورة من الدنس الأيديولوجي فضلاً عن ذلك كانت الطائفة  الشيعية تعاني من الطرد المستمر خارج التاريخ امتداداً من عصر الفقهاء حتى عصر الفتاوى المعاصرة والأحاديث السياسية التي تتخذ مفهوم الروافض والولاءات المزدوجة السياسية والدينية موضوعاً لها، وقد عبرت عن ضرب من النزعات الراديكالية لكونها مهمّشة خارج حقل الممارسات التاريخية.

نصل الى تأطيرات معرفية لمفهوم الشيعي/ السنّي فقد تشكلت هذه الجماعات عبر التاريخية الإسلاميّة كجماعات سياسية أولا: لها أنظمتها الفقهية ومعتقداتها الخاصة وتمايزاتها في شبكة الرموز والكاريزمات والتفرعات اللاهوتية، والصور الدينية، والمنظومات المقدسة الأساسية والمقولات الأيديولوجية المطلقة، وكذلك تقوم المؤسسة الطائفية السلفية الجهادية سواء كانت الشيعية أو السنّية على نسق من التعارضات الثنائية التي ترسخ الفصل والافتراق الجذري بين الطوائف وهي تعتمد على إعادة إنتاج التشققات باستمرار وتقيم منظومة أيديولوجية مغلقة ونظاماً صارماً من قواعد وآليات التكفير والمقدس والمدنس ومقولات وبناءات فقهية، وفكرية، وإشكاليات في تاريخ الطوائف، ما جعل الطائفية السلفية الجهادية الشيعية والسنّية، تشكل إحدى الأدوات الاستيهامية في بناء الهوية داخل التكوينات المجتمعية للطائفية لتأسيس سلطة سياسية وتحديدات الذات واحتكار المجال التيولوجي والأنظمة الدلالية.

البنية الثقافية الدينية الشيعية ساعدت هي الأخرى على تهشيم العلائق مع المجتمع السنّي عبر اتخاذها موقف العداء المستمر والتقليدي للسلطة السنّية الذي يتأسس على مقولة دينية تاريخية تستند إلى رفض الطاعة للحاكم الغاصب، حيث يعد الأئمة المعصومين في الفكر الشيعي هم الاشخاص القابلون للطاعة، ولم يتمكن الشيعة إلا في وقت قريب من الوصول إلى تصور سياسي ينهي التناقض الموجود بين غياب الإمام المعصوم وضرورة وجود تصور عن الدولة تفرضه الحاجة التاريخية.

الهويات القتالية

الصراع المسلح على الهوية في العراق اكتسب روح الايديولوجية المقدسة  وذلك ان الهويات العراقية تكونت عبر ديناميكية سياسية تاريخية، تقوم على  نزعة قتالية ضمنية متجذرة في طبيعة تكوينات الجماعات، أو يعود ذلك إلى أن تلك الهويات (الهوية الشيعية والهوية السنّية) تتأسس على الازاحة وتضخيم الذات التخيلية، فضلاً عن ذلك اسهم الفتح الأميركي للعراق العام 2003 في تفجير النزاعات والاحقاد الأهلية الكامنة وانبعاث العصيان والتمردات.

لكن السؤال الحقيقي يتعلق بدور البنى الداخلية والفاعليين المحليين والجماعات الطائفية في الوصول إلى مرحلة (حقل الدم) فالهوية السنّية كانت متماهية مع السلطة ولم تكتشف عن سنيتها القتالية، إلا بعد العام 2003 وصعود الشيعة الى السلطة السياسية في العراق، والتي هي نتاج تبلور القومية العروبية في النصف الثاني من القرن الماضي، قومانية ذات ابعاد دينية ، قبلية اختزلت العروبة بوصفها ايديولوجية اثنية لا تجد فيها الجماعات الدينية غير السنّية وجودها، وقد شكلت هذه النظرية الحاضن الأساسي لحزب البعث القومي ذو النزعة الفاشية وتماثله مع الفكر الجهادي، حيث إن  تنظيم القاعدة والتنظيمات البعثية المسلحة تعطي جهادها صفة مقدسة، وتتمركز نحو هوية دينية سلفية تقوم على العسكرة المطلقة، فضلاً عن ذلك أن تلك التنظيمات تعد اكثر صفاءً طائفياً، وبالذات بنسخته الاخيرة تنظيم الدولة الاسلامية ( داعش).

أخذت الطائفيـة السنّية والطائفية الشيعية تعيد إنتاج ذاتها في لحظات الأزمات التاريخية، وكذلك تقوم بانتاج طائفية مضادة لكونها بنيات سوسيولوجية – ثقافية، ويكمن وجودها في حقل النقاء والانغلاق الديني الطائفي، حيث يوحي لنفسه القابلية على الانغلاق الداخلي، يتجوهر على معجم لغوي وفقهي وقانوني ثابت وغير خاضع للواقع المادي المتغير، وهنا تكمن قوتها وانهيارها، وجرى تطييف مؤسسات الدولة، ومؤسسة الجيش التي تتكون من جماعة طائفية فضلاً عن الميليشيات المسلحة والحشد الشعبي.

المجال السياسي الذي تمثله الدولة والاحـزاب السياسية أضمحل وتحول المجتمع الأهلي الى مجتمع سياسي عبر الأحزاب الطائفية والعشائرية وجرى تقسيم السلطة طائفياً وادخال الدولة في نسيج التوازنات الأهلية العصبوية، واخذت تتغذى على الشعور المتزايد بالمظلومية للجـماعات والملل، وعبر هذا كله نكتشف ان الهوية الشيعية القتالية والهوية السنّية التكفيرية هما مشاريع سياسية - أيديولوجية قبل كل شيء، ترسمان الحدود والتصورات الثيولوجية و الديناميكيات الطائفية، فهي تمثل كتل ثقافية - انثروبولوجية ، وتحتوي على تناقضات وأختلافات سواء في المجال الفقهي أو التصورات السياسية أو بناء الدولة القومية.

بواكير الازمة السياسية

تعد الأزمة السياسية في العراق ما بعد صدام أزمة محورية في تاريخ الشرق الاوسط، إذ ان عمليات الفتح الامريكي التي اطاحت بالدولة القومية السنّية (1921– 2003) كانت البؤرة التي تكشفت داخلها العديد من المعطيات والاشكالات والانشقاقات والتمردات، التي حكمت تكوين الدولة الوطنية العراقية الحديثة، وظلت كامنة بفعل ضغط الحكومات المركزية القومية، تجسدت تلك الانفجارات بكل ابعادها داخل مرحلة ما بعد العام 2003 حيث تولدت مجموعة من الحروب الأهلية المتداخلة بموجاتها المتعاقبة (على الرغم من تاريخ الدولة الوطنية العراقية منذ العام 1921 كان تاريخ حرب اهلية دائمية)، فتلك الحروب جاءت نتيجة منطقية لتاريخ العراق ومشكلاته التي لم يتم حسمها والتي تتعلق بتوزيعات السلطة السياسية والثروات وتعريف الدولة، وكـان الفتح الامريكي  المحرك الأساسي لديناميكية تشكل الهويات الطائفية، وانفجار المشكلات السياسـية وتفكـيك المجال الجـيو- سياسي للعراق وتجـذر التطرف الجـهادي الشيعي / السنّي فضـلاً عن التدخـلات الإقليـمية.

يحـاول بعض الباحثين اكتشاف اللحظة الانقسامية (اثنية، طائفية، عشائرية) التي حدثت، هل كانت لحـظة تأسيس مجلـس الحكم الانتـقالي (تموز العام 2003) والذي تشـكل على وفـق الهـويات الطائفـية والقومـية؟ أم لحظة التصويت على الدستور الدائم، في تشرين الاول العام 2005؟ الذي تم وصفه بانه وثيقة طائفية صممت على تهميش وعزل المجتمعات السنّية، أم كانت انتخابات كانون الثاني العام 2005 التي كانت لحظة انتصار للشيعية السياسية؟ كشفت طبيـعة توزيعات السلطة وشـرعية النظام السياسي وتحديـد أسهم الجماعات الطائفـية المتنافسة من الـثروة والسلطة؟

فقد أدت انتخابات العام 2005 إلى هيمنة طائفية – عرقية على مؤسسات الدولة العراقية، واكتشف السنّة أن الانتخابات سوف تظل محدودة النتائج والتأثير طالما ظلت البنية السياسية والقانونية و الدستورية و الديمغرافية تعمل في هذا المجال، ومن ثم لعبت الشخصيات التقليدية و المؤسسات الدينية التي سادت المناطق السنّية (قادة دنيويون، شيوخ صوفيون، ضباط الجيش السابق، جهاديون معولمون) بعد فـقدان السـلطة و الثروة دوراً في إعـلان الجهاد المقدس ضد الشيـعة و منعهم من تثبيت السلطة.  لذا فقد ظهرت ما بعد العام 2003 (الحادث الأميركي) مجموعة من المشكلات  قد تبدو انها لم تكن جزءاً من التصميم النظري في اسقاط النظام السياسي (انهيار نظام صدام، العام 2003، حرية العراق)

المشكلة الاولى : تحلل المؤسسات الأمنية والجيش أدى بالمجتمع إلى اللجوء الى الهويات المحلية، والدينية، والطائفيةـ فضلاً عن ذلك (تميّزت عملية الدمقرطة بظهور سياسة الهوية، التي صنّفت السكان وفق خطوطٍ طائفية، فكان النجاح يتوقّف على تمثيل الطائفة أو العرق لا على المعتقد الأيديولوجي أو أي مؤشّر آخر يستند إلى قضية بعينها في ظل هذه الحقائق الجديدة، كان الكرد والشيعة سريعين وفعّالين في تعبئة أنفسهم سياسياً، فالكرد يمثلون قومية تقود حركة انفصالية منذ تأسيس الدولة الوطنية في العراق، كما يملك الشيعة مؤسّسة دينية مركزية يحرّكها شعور بالمظلومية أو الاضطهاد ولطالما كانت تنتظر لتقوم بالتعبئة السياسية داخل البلاد غير أن الأقلّية السنّية في العراق التي تشكّل نحو 20 في المئة من السكان، تحوّلت بين عشية وضحاها من كونها حاكمة إلى كونها محكومة.  وعلى عكس منافسيهم الشيعة أو الكرد، أنكر السنّة الواقع الجديد، حين كانت مجتمعاتهم المحلية تفتقد السلطة والامتيازات، ومعضلة فقدان الثقة السياسية والتمثيل، أما مأزقهم فهو حصيلة حمّى التنافسات بين المجتمعات المحلية وداخل كل مجتمع محلي) وهنا ظهرت (المشكلة السنّية) التي هي ناتج  عن توازنات جديدة بعد سقوط نظام صدام، فضلاً عن  سياسات الاقصاء والتهميش نتيجة الانتخابات الديمغرافية.

السنّة لا يفتقرون إلى هيكل قيادي واضح وحسب، بل الأهم من ذلك أنهم يفتقرون إلى الهوية الطائفية اللازمة للتعبئة السياسية بعد العام 2003، أما الكرد والشيعة فلم تكن لديهم مشاكل تُذكر في الإشارة إلى أنفسهم وفق طابع يتمحور حول الطائفة أو القومية، و كان بوسعهم استخدام الرموز أو الأساطير الكردية أو الشيعية لتعبئة جماهيرهم، وهناك في الأقل أربعة نزاعات متكرّرة تساهم في الانقسامات داخل المجتمعات السنيّة، النزاع الداخلي الأول  له علاقة بمسألة سياسات الهوية، وما إذا كان ينبغي أن تعمل التعبئة السياسية وفق خطوطٍ طائفية، أي تمثيل السنّة، أو ما إذا كان ينبغي العمل وفق خطوطٍ وطنية، في حين يستخدم السلفيون الجهاديون  الخطاب والرموز المتمحورة حول السنّة لشرعنة تمثيلهم، فهم ينظرون إلى مشاكلهم بوصفها نتيجة لنزعة التشيّع النابعة من إيران، يتعلّق النزاع الثاني بمسألة اجتثاث البعث، فعلى الرغم من أنه ينظر إلى حدٍّ كبير إلى الجهود المبذولة لتطهير نفوذ الحزب الحاكم السابق، بوصفه جزءاً من محاولات الحكومة للقضاء على ممثليهم، ينقسم السنّة أيضاً بشأن هذه المسألة، مازال حزب البعث نشطاً إلى حدّ ما، لكنه يلجأ إلى العنف، وله صلات مع الدولة الإسلامية (داعش)، النزاع الثالث يدور حول الشراكات الإقليمية لكل زعيم، و دور الأطراف الخارجية والإقليمية وهذا يشكّل الانقسامات السنّية الداخلية، يتركّز النزاع الاخير حول شرعية الزعيم المنفي وفقدان الدعم الشعبي من قواعدهم الشعبية التي ما تزال تقطن مناطق النزاع.

المشكلة الثانية: هيمنة قوى الاسلام السياسي الثيوقراطيه (السنّي والشيعي) على سائر مفاصل الحكم، نتيجة تفكك المجتمع العراقي المزمن، وتحلل بنيته الاجتماعية ما أدى إلى هيمنة مؤسسات المجتمع الأهلي على حركة تطوره السياسي، (المؤسسات العشائرية والحوزات العلمية والمنظمات الدينية والجماعات الصوفية على الحركة السياسية)  هذه العوامل سرعت من تطور التيارات الإسلامية المتطرفة، ووفرت لها إمكانية الانتشار والتوسع الجماهيري.

أولاً:  انضواء الكثير من القوى القومية تحت أغطية دينية، إذ لا يمكن، مثلاً، عزل النشاط الديني السنّي وتوجهاته ذات الصبغة العنفية المناهضة للفتح الاميركي عن النشاط القومي، بمعنى أن نشاط القوى القومية اتخذ إطاراً دينياً، وهذه واحدة من المفارقات في التشكيلة السياسية العراقية.

ثانيا: تتشكل القاعدة الاجتماعية للتيارات الدينية السنّية من شرائح ومؤسسات اجتماعية مختلفة، يتصدرها كبار موظفي الجهاز البيروقراطي للدولة المنهارة، العسكريون من مختلف المراتب وأقسام من الأجهزة الأمنية المنحلة، إضافة إلى بعض قيادات العشائر التي احتلت مواقع وجاهية في البنية الاجتماعية للنظام السابق.

ثالثاً: السمات الطبقية الاجتماعية لتيار الإسلام السياسي السنّي تترابط  وبعض التجليات السياسة / التنظيمية لهذا التيار.

- القوى الدينية / العشائرية السنّية تبحث عن هيكلية تنظيمية تؤطر نشاطها السياسي وتمنحها سمة التماسك، وبهذا المعنى نشير إلى أن القاعدة الاجتماعية لنظام صدام لم تتوفر لها الظروف التاريخية الاقتصادية/الاجتماعية للتشكل في طبقة اجتماعية ذات سمات بنيوية محددة.

- بسبب الخبرة التاريخية / الإدارية المتراكمة لدى الكثير من أفراد الجهاز البيروقراطي فان هذه القوى قادرة على التكيف مع المستجدات السياسية واستعادة العديد من مواقعها في التشكيلة السياسية الجديدة للعراق.

- البرنامج السياسي لقوى الإسلام السنّي غير واضح المعالم، ويمثل معوقاً كبيراً في  اندماجها في العملية السياسية .

اما الاسلام السياسي الشيعي يمكن تأطيره بالصياغات الأتية :

-  لم تحتل رموز التيار الشيعي مواقع قيادية في مراكز الدولة العراقية منذ نشأتها التاريخية وبهذا المعنى فان غالبية القيادات الإسلامية الشيعية تفتقد الخبرة السياسية لإدارة شؤون الحكم.

-  تتشابك ممارسة التيار السياسي الشيعي العلنية في ظروف الوجود الاميركي  مع وجود سلطة أجنبية الأمر الذي يضفي على نشاطه السياسي طابعاً معقداً يتجسد في تناقض توجهاته الشرعية المناهضة في التعامل مع القوى الأجنبية.

-  بسبب عمليات التهجير المتواصلة جرى تبعثر طبقة التجار التي شكلت القاعدة الاجتماعية / الاقتصادية الساندة لقوى التيار الشيعي في العقود التي سبقت استلام البعث لسلطة الدولة السياسية.

- إن القاعدة الاجتماعية/الاقتصادية للتيار السياسي الشيعي قد طرأت عليها تغيرات كبيرة تدفعنا إلى التفريق بين التوجهات السياسية التي تتبناها مختلف فصائله تبعاً لطبيعة الشرائح الطبقية الساندة لهذا الفصيل أو ذاك في اللحظة التاريخية الملموسة.

المشكلة الثالثة : أصبح  العراق أكبر مركز استقطاب لعمل ( الجماعات الجهادية)، حيث وجدت فيه جبهة للحرب المستمرة ضد (الصليبين الأميركان الكفار)، ونتيجة للوضعية التاريخية المأزومة التي عاشتها المجتمعات السنّية ما بعد صدام وانهيار الاطار السياسي السنّي (حزب البعث العربي الاشتراكي) خلقت فراغاً صعدت عبره قوى الاسلام السياسي السنّي الجهادية لتحتكر تمثيل  الجماعة السنّية، ذلك ان هيمنة نظام صدام على المجال السنّي لم تتح تطور نخبة سياسية سنّية لا ترتبط بالبعث سوى النخبة الاسلاموية. وكذلك عمل الجرح الوجودي (الفقدان) فقدان السلطة والامتيازات المرتبطة بها على شعور السنّة بالتهميش، جعلهم حاضنة للتيارات السلفية الجهادية.

فقد شكل اثنان من القرارات الاميركية التشريعية أدوات قانونية ودستورية لتهميش المجتمعات السنّية، وهما حل ‏الجيش العراقي والقرار المتعلق بإتباع إجراءات عقابية قاسية ضد أعداد كبيرة من أعضاء حزب البعث، حيث ان هذين القرارين أديا إلى نفور السنّة وفتحا الباب أمام وجود قوي لتنظيم الاسلام الجهادي في العراق المتمثل بتنظيم القاعد وتنوعاتها وفي ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فإنه من المفهوم جيدا أن إلغاء الجيش وحله بدلا عن القيام باستدعاء طوعي إنتقائي كان أحد أكبر معطيات الحرب الخاطئة وحتى الرئيس السابق جورج دبليو بوش رفض فى مقابلة مع الصحفي روبرت درايبر العام 2006 ‏الدفاع عن هذا القرار مؤكدا بدلاً عن ذلك أن حل الجيش كان مناقضاً للسياسة التي أوعز بها، عمل حظر حزب البعث من جانب، وبشكل غير مناسب على معاقبة قيادة المجتمع والطائفة السنّية في العراق عن طريق إخراجهم من وظائفهم وإلغاء معاشاتهم ‏التقاعدية، في مسارات الحرب كان هناك قرار ثالث موجه وفى المقام الأول الى السنّة، تضمن معاملة أفراد الجماعات شبه العسكرية من ‏السنّة والذين يندرجون تحت برنامج أبناء العراق (الصحوات) وإنهاء تمويل الحكومة لهذه الجماعات ما جعل تلك الجماعات عارية أمام تنظيم دولة العراق الاسلامية (النسخة المطورة) من تنظيم القاعدة باختراق تلك الجماعات وتقويضها بالقتل، والاغتيال، والترويض، وهذا النوع من التكتيك الذي اتبعه رئيس الوزراء العراق نوري المالكي أدى الى دفع المجتمع والطائفة السنّية الى الشعور بأنها محاصرة بشكل متزايد ودفعهم بطريقه ما إلى ان يختاروا مرة أخرى طريق التمرد (الأحتجاجات، ومن ثم الثورة السنّية العام 2013) وكان نتائجه الموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية (العام 2014-....... ). حيث جري توصيف الشيعة في الأيديولوجية الداعشية المحدثة، بأنهم عبدة الأوثان وقبوريين وهي إشارة تحقيرية وتبرر الجماعات الجهادية المتطرفة (الدولة الإسلامية) عمليات قتلهم تحت مبدأ التكفير، كما نفذت داعش محو الحدود الوطنية التي تم رسمها في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

اما الإسلام السياسي الشيعي فقد تم نقل تلك الجماعات الشيعية العراقية بالذات الى المجال الطائفي السياسي وتم ادخالهم في ستراتيجيات الهوية والهيمنة والصراع الاقليمي، منذ التغيرات التي حدثت في إيران العام 1979، حيث استطاعت الخمينية الإيرانية، ترويج خطاب سياسي شعبوي ذي نزعة شوفينية وتطبيع المقولات العنصرية ونزعات الكراهية وتحويلها إلى جزء من اللغة السياسية، وجرى دعم  الميليشيات الشيعية من إيران، عبر التجنيد والانتقال المتبادل الذي ساهم في تآكل الحدود الوطنية للدولة العراقية، اعتمدت الميليشيات الشيعية، السردية التي تقول إنها (تدافع عن المقدسات) أو تدافع عن الطائقة الشيعة بغض النظر عن الجغرافيا السياسية، كما قادت إيران عملية تنمية الميليشيات الشيعية، لتطوير شبكتها من الجماعات التي تعمل كوكلاء لها في العراق وتتغلغل المليشيات الشيعية الأن في مؤسسات الدولة وفي الوقت نفسه لها تنظيمات مسلحة مستقلة، و تحتمي خلف المؤسسات العسكرية والأمنية ما يصعب تمييزها وتحديدها.

النتيجة الكلية التي تريد كل طائفة أن تصل اليها أن تعترف الطائفة الأخرى بمعطياتها وأسسها التاريخية وسردياتها وهذا يتطلب أن تذوب احدى الطائفتين في الأخرى وهنا الاستحالة التاريخية، ان تلك المليشيات سواء كانت المليشيات السنّية او الشيعية تتوالد داخل أنواع متعددة من الديناميكيات المتناغمة بعضها ببعض، نتيجة هشاشة هياكل الدولة العراقية، وتطرّف مختلف السرديات، وتداخل المجتمعات، ومسألة السلطة والفرق المنصورة في التاريخ الكوني الإسلامي، وتشكيل الهوية الطائفية في سياق الصراعات المجتمعية على السلطة في العراق ،كل ذلك جعل الهُويات الطائفية أقوى من هُوية الدولة القومية ذاتها.

القتل الهوياتي

من الصعب احـتواء العدد الهائل من الوحدات المسلحة (الميليشات الشيعية والميليشات السنّية) ضمن تصنيفات محدودة لكونهما يمثلان اعداداً متنوعة من الثقافات والقيم والمعتقدات المتغايرة والبعض منها قائم على المصالح والتنافس القبلي، ولكنهما يشتركان بالكثير من الصفات فهما يقومان على التراتبية الهرمية والتنظيم المسلح وانظمة القيادة وكذلك التشابه بالنظام الأيديولوجي متحلقين حول قائد عسكري أو زعيم ديني، فقد كانت المجموعات الفاعلة في الحرب الأهلية الطائفية في العراق بالذات الموجة الأولى منذ تفجير القبة العسكرية العام 2006، مجموعات يغلب عليها الطابع الريفي القروي الشعبوي فهناك قوات الأمن العراقية ذات التكوين الطائفي الشيعي، واطلق عليها الاعلام (فرق الموت) تتكون من ميليشيات جيش المهدي و قوات بدر التابعة للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق (المجلس الاعلى الاسلامي العراقي في ما بعد) وجماعات مسلحة شيعية أخرى، إذ كانت تستخدم آليات الشرطة والزي الرسمي لوزارة الداخلية وتمارس الخطف، والقتل، والاعتقال، بالمقابل كانت الميليشيات المسلحة السنّية و تنظـيم القاعدة تمارس القتل على الهوية و تفجير السيارات المفخخة والخطف، الجماعات المسلحة الشيعية والسنية، تعد فاعلة سـياسياً تشكلت في قلب المعركة وتم استنفار (النواة الحربية للفـقه السياسي الديني) مندمجة بأهليتها وطائفـيتها الريفية، وعبر تلك السـنوات استطاعت أن تعرف هويتها الذاتية واستثمرت التمايزات الاعتقادية والفقهية، حيث جرت عملية هيكلة واسعه لصالح نقاء طائفي طبيعي، فالميليشيات (الشيعية والسنّية) نتاج طبيعية الحقل السياسي الصراعي أكثر مما هي نتاج حقل ديني/ فقهي وكل منهما يرفع سردية المظلومية السياسية والاصطفاف الطائفي واحتكار الوطنية و الحرمان المادي والتمايز، هذة الظاهرة (الظواهر) تركت داخل كل منهم نزعات تسـلطية قتـالية.

على الرغم من أن الحرب الأهلية الطائفية في العراق، كان احد اسبابها الصراع الطائفي، ولكنها استطاعت توليد طائفيتها التماثلية، فضلًاً عن ذلك جرت عملية قومنة الصراع الطائفي، إذ تحولت الطائفة الشيعية والطائفة السنّية الى (أمم صغير) ترتبط باستراتيجيات دولية وإقليمية ومحلية صافية والتي تعد احد الاشتراطات الاجتماعية السياسية للحرب الاهلية الطائفية، فقد مارست الميليشيات المسلحة الشيعية و المليشيات المسلحة السنّية التهجير المتبادل على اساس الهوية الطائفية، وكان الهدف اخضاع المناطق المختلطة للهيمنة السياسية الاجتماعية وبهذا كانت سياسة العزل الطائفي والتطهير وتشويه المدن والاحياء المختلطة سكانياً تجري بكثافة عالية خلال سنوات الموجة الاولى 2006- 2008 والموجة الثانية 2014 التي لم تكتمل تفاصيلها حتى الان،  وخاصة في  العاصمة بغداد والحزام السنّي،  فمنذ العام 2003 تجري عملية رسم الخرائط الديموغرافية، حيث انشطرت بغداد سريعاً الى احياء سنّية صافيه و احياء شيعية صافيه، ومن ثم  أدت الحرب الأهلية الطائفية عامي 2006- 2008 الى تغيرات ديمغرافية هائلة حيث جرت عمليات  الفرز الطائفي وانهيار المناطق المختلطة سكانياً، ويعد تنظيم جيش المهدي الذي تتكون قاعدته الاجتماعية من الطبقات الرثة والقوى الهامشية الفوضوية ومن الطبقات الاجتماعية السفلى في المجتمع العراقي والتي تكونت بفعل الانهيارات الاقتصادية المزمنة والانعزال الثقافي والسياسي منذ الطور الأخير من عمر نظام صدام، الفاعل الاساسي في الموجة الأولى من الحرب الأهلية الطائفية، اما الموجة الثانية فقد تعددت الميليشيات السنّية والشيعية والجماعات القتالية.

استعمالات الهويات الطائفية

الأن من دون العقل النقدي، استحالة تفكيك القيمة التبادلية والاستعمالية للهويات الطائفية بعد أن تحولت إلى اشبه بسلعة ماركس المفعمة بالتعقيدات الميتافيزيقية والمماحكات اللاهوتية، حيث تبدو الشوفينية السنّية في الايديولوجية السلفية الجهادية من الوهلة الأولى إنتاج أشكال إسلاموية ولكن اسلاموية مندمجة بأكثر النسخ الوحشية للقومائية العربية، فألسلفية الجهادية السنّية (داعش) بغض النظر عن الجهاديين المعولمين، إنتاج تاريخية الوحشية العراقية، وتعد تمرداً محلياً، او الخلاصة النهائية للقسوة التي اتصف بها نظام صدام حسين مندمجاً بالتطورات العاصفة التي غيرت المجال السياسي العراقي (تهميش السنة بعد الحدث الأميركي العام 2003، الصراع التجريفي بين الجماعات المسلحة للطائفتين، حل الجيش واجتثاث البعث) مع التحولات البنيوية التي حدثت داخل حزب البعث في تسعينيات القرن الماضي بعد الحملة الإيمانية التي اطلقت العام 1994، فقد عانت المجتمعات السنّية في الأنبار وديالى والموصل من السياسات الطائفية الحكومية التي مورست ضدهم في الاقصاء من الحقل السياسي والعسكري والاقتصادي، فضلاً عن ذلك ان تلك المجتمعات تقوم على شبكات قبلية (عشائر متداخلة) وضعف المدن اقتصادياً وسياسياً، جعلهم يجدون ذواتهم في الاسلام السلفي الجهادي للكفاح ضد الشيعة (المهرطقين الروافض)، ما جعل من المجتمعات السنّية الحاضن الاجتماعي في الارياف والقرى المحيطه (حزام بغداد) والمحافظات الغربية للتيارات السلفية الجهادية.

اكتشاف الميليشيات الشيعية

كان هناك تطوران اساسيان يمكن عدهم سببين رئيسين في التحول للشيعية السياسية المسلحة، بعد مرحلة ضبط امتدت من العام 2003 إلى العام 2006 نحو عمليات الردع والقصاص و الثأر.

التطور الأول : تفجير الضريح في سامراء في شباط العام 2006. اذ كان هذا التفجير هو نقطة التحول النفسية او العاطفية بالنسبة لشيعة العراق فلقد هدد وبشكل جدي وواضح مشاعر واحاسيس الشيعة في مسألة أمنهم وأثار تساؤلاً كبيرا عن هشاشة المصالحة مع السنّة. كما اثار شكوكاً واضحه في عقول الشـيعة بشأن قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في دحر التمرد السنّي الذي شكلت حوادث العنف ضد الشيعة معالمه الرئيسة وبما لا يقبل الشك على الاطلاق، واكتشفوا ان سياسات (الكبح) التي مارستها المرجعيات الدينية الشيعية، تؤدي الى تشجيع التمرد السنّي وتعضيد العنف، فتح هذا الشك بوابة للميليشيات الشيعية في تحمل المسؤولية ونقض الثوابت من أجل توفير الامن للمجتمعات الشيعية المستهدفة، فضلاً عن توجههم لبناء قاعدة (توازن الرعب) باقدامهم على الهجوم على المدنيـين السنّة، فلم يكد العراق يتعافى من صدمة سـامراء العام 2006- 2008، حتى وقع ضحية دائـرة او دوامة من العنف الطائفي منذ العام 2014، حيث اعلن الجهاد الكفائي وتشكل الحشد الشعبي من اتحاد الميليشيات الشيعية بالضد من تنظيم الدولة (داعش) والميليشيات السنّية المرتبطه به، الذي وصل في اندفاعاته الى حدود العاصمة بغداد.

التطور الثاني: لعبت الميليشيات المسلحة الشيعية دورا متزايد في القتال،  وحلت تلك الميليشيات مشكلة القوى البشرية للجيش النظامي الذي اصبح يعاني من الانهيارات لعوامل متعددة، فضلاً عن ذلك أن تلك الميليشيات تمتلك عقيدة أيديولوجية دينية تتخطى قواعد الاشتباك العسكري وتمارس المذابح والابادة والتهجير واستئصال التجمعات السنّية عبر التطهير العرقي والاغتيال والاختطاف، يرافق ذلك تآكل المؤسسة الوطنية الاتحادية (الجيش) التي انحلت وملاء الفراغ خليط من التنظيمات المسلحة تمول من الحكومة المركزية، فالحرب الاهلية العراقية بعد العام 2014 تحولت الى نزاع شامل وان جميع عناصرها يمكنها الاستمرار بعد أن أخذت صفة حرب وجود طائفي، وقد تكون وعلى المدى الطويل أحد الاسباب في  أفول العراق وتحوله إلى دويلات متحاربة، فقد مارست الميليشيات الشيعية (جيش المهدي او سرايا السلام وعصائب اهل الحق وقوات بدر وعشرات من التنظيمات المسلحة)، سلطة تنفيذية كاملة في العاصمة بغداد التي تعرضت الى الفرز الطائفي وانهيار المناطق المختلطة سكانياً اما في الجنوب الشيعي فقد مارس سلطة مطلقة، اما الميليشيات السنّية فقد تشكلت عبر تدفقاً عضوياً أو مفككاً للمقاتلين السنّة من العالم الاسلامي إلى العراق بعد العام 2003،  قيل إنه حماية السكان السنّة من عمليات التجريف التي كانت تشنها المليشيات الشيعية والحرس الوطني (جيش شبة الدولة الطائفية) والجيش الاميركي، كان يعد جهداً أيديولوجياً وجيو- سياسيا لتنظيم القاعدة الجهادي للمقاومة ضد الفتح الأميركي للعراق، وهو جزء من (بروباغندا التحشيد الطائفي) وكانت جميع المجازر وعمليّاتِ الخطف والتهجير الفرديّ والجماعيّ، عبر سنوات الحرب الأهلية، ذاتَ طابعٍ طائفي، فقد مارس تنظيم دولة العراق الإسلامية كوحدة تأسيسية نفوذه في مناطق الأنبار والمثلث السني واستطاع فرض شريعته الدينية، والسياسية، والفقهية.

المشكلة أكثر تعقيدا ما يمكن تصوره. بالأخص، من الأولويات ادراك أنه لايوجد حرب أهلية واحدة فحسب خلال تلك السنوات (2003 – 2016 ) لكن هناك قوى عديدة محركة ومتداخلة مع بعضها وتشمل، النزاع بين السنّة والشيعة  من اجل السيطرة على الدولة، ونتيجة لذلك نشوب حروب أهلية متعددة تصب في النزاع السنّي – الشيعي، ومن ثم النزاع  في داخل بغداد وحزامها السنّي فضلاً عن تفشي الجريمة الجنائية والجريمة السياسية في جميع أنحاء البلاد.

كانت نتائجة تقسيم الدولة والمجتمع وانتقال السلطة بين الأشخاص المحليين والميليشيات والجماعات الطائفية والمجتمعات السياسية المحلية احد مظاهر الحرب الأهلية، حيث اصبحت الدولة تفويضية ومطوقة، وما هو إستثنائي هو أنه من الصعب دفع مسألة إعادة مركز السلطة، حيث أن منطق التطور السياسي في العراق يزيد من الافتراق بين الجماعات الشيعية والسنّية.

استعادة السلطة السنّية

يعد تنظيم دولة الخلافة الاسلامية (داعش) بالمحصلة النهائية، عراقي التكوين والأيديولوجية وله أهداف سياسية مع الاهداف الدينية، استعادة السلطة السنّية في العراق، بيد ان تكـتيك (دولة الخلافة السنّية القومانية) (داعش) اتبـع  نمطاً ثابتاً عسكرياً، يمكن العثور على وصفه في تقارير الأمم المتحدة الخاصة بالعراق، ففي البداية يتم قصف المدن المختلطة دينيا، واطلاق اشاعات لزيادة الصدمة ومن ثم التطويق وترويع السكان عبر التهديد بالقتل ونهب الممتلكات وفصل الرجال عن النساء وقتلهم، ونقل النساء الى مراكز الاغتصاب او البيع وقتل رجال الدين الذين لم يبايعوا الخليفة ابو بكر البغدادي أو يشكلون خطراً على والوجود التنظيمي للدولة، فضلاً عن ذلك الخطاب الداعشي، تميز بجهاز مفاهيمي مالوف وغير مهجن ولغته تتسم بالبديهيات والاستخلاصات اللاعقلانية وبالواحدية، وهو نـتاج تزاوج وتشـاكل الخطاب القومي الشمولي مع أيديولوجية سلفية جهادية طائفية يستمد قوته من الأزمات البنيوية للمجتمعات السنّية، إذ ادت الى انتاج خلطة غير متجانسة بين منظومة حزب البعث الفكرية ذات الابعاد الفاشية و السنّية الاصولية، انتجت قومانية اسلامية جديدة.

المجال السياسي للحرب الاهلية

يطرح فالح عبد الجبار موضوعين أساسيين عن الولاءات والحراك السياسي داخل بنية المجتمع العراقي.

الموضوع الأول: تعتمد الولاءات والحراك السياسي على ما يسميه علماء الاجتماع (التفكير النمطي) المؤلف من جملة قوالب جاهزة، يقينية، مقطوعة في الغالب عن الواقع، تخلط خلطاً عشوائياً بين تخيلات، وتحيزات، وتشوهات فكرية متعددة المشارب.

الموضوع الثاني: يعتمد الحراك السياسي عن الولاءات التقليدية الطائفية، والعشيرة، والزعيم السياسي أو القبلي.

إذ إن الهويات الطوائفية، والقومية، والاثنية، وبحثها المستمر عن مكان لها في الحقل السياسي، يكشف ارتهان السياسة العراقية أو الطبقة السياسية بحقائق التركيبة السوسيولوجية الرثة للمجتمع العراقي، حيث وقع منتجو الخطاب السياسي العراقي في (الوهم الايديولوجي) القائل بأن تماثل الدولة والمؤسسات التمثيلية مع تركيبة هويات المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل أصالة المجتمع التخيلي والمخترع سياسياً من قبل هذه الجماعات، لذا يفتقد الخطاب السياسي العراقي منذ 2003 إلى آليات التمركز والثبات حول نواة صلبة في الهوية السياسية، إذ تسود شبكة من الهويات الفرعية والتفرد في المخيلة الأيديولوجية وانبعاث الطوائف والقوميات والاثنيات، أدى إلى تعميق الانقسامات المذهبية والمجتمعية وكشف عن شعبية الحركات الإسلاميّة الراديكالية السياسية مقابل أزمة تأسيسية للمجتمع العراقي هذه المسألة تعود إلى التشظي الشديد للمرجعيات السياسية والفكرية للجماعات العراقية، تتراوح بين التعايش والنزاع نتيجة للعنف والقهر المنظم الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي.

لذا فأن هذه الجماعات الطائفية تبحث عن أساطير مرجعية، او خرافات سياسية وطقوس لاستعادة رأسمالها الرمزي الذي امتصته الدولة الشمولية القومانية العراقية، فقد تم بناء الدولة العراقية الحديثة ما بعد العام 2003 وفقاً لمفاتيح (اثني/ ديني) هذه التركيبة أدت إلى (تطويف السياسة العراقية) واشتغال نمط من الترابطات البنيوية الأساسية تمثل نقيضاً كاملاً لبلورة هوية وطنية عراقية.

فقد تم استبدال الديمقراطية التمثيلية بديمقراطية المحاصصة الطائفية والعرقية والتي تمثل تجاوز على أهم تأسيسات الدولة الحديثة التي توصف كحاضنة لكل المواطنين وتعطل الحراك السياسي واستبدال الممارسات السياسية بالعنف، ما أدى إلى تفعيل الفوارق الثقافية أو اللغوية والدينية بين الجماعات العراقية ودفعت هذه الجماعات إلى البحث عن التمايزات والرأسمال الرمزي وبناء كانتونات طائفية تصل حتى الى  تفكك بنية الدولة وقد ظهرت هذه التمزقات إبان الموجة الاول من الحرب الأهلية الطائفية في العام 2006 والتي أشرت إلى نهاية التاريخ لمقولة الدولة، وتأسيس أنماط جديدة من العلاقات الموغلة في تركيبات بنيوية معقدة سياسياُ واقتصادياً ودينياً وصراع نجد أساسياته في الهيمنة على السلطة السياسية والمجال الديمغرافي بين الجماعات الشيعية السلفية القتالية والجماعات السنّية السلفية التكفيرية التي تكرس ذاتها على التمزق الرمزي والخروج التام من التاريخ وتجعل منه خطوط تماس مع الجماعات الشيعية السلفية، والوقوع في فخ الوهم السياسي الذي إعادة إنتاجه داخل المتخيل الايديولوجي في الأصالة، والتفرد، والهيمنة المستدامة والتماهي والاستحواذ على الممتلكات الأرضية والرمزية بواسطة  هويات دينية جماعية مضادة لحركة التاريخ.

في حين تستخدم الجماعات الشيعية السلفية، آليات الديمقراطية للهيمنة لتعويض تاريخية الإقصاء من حقل السلطة والثروات والحيز السياسي داخل الأيديولوجية الأرثوذوكسية الإسلاميّة وتعود موجات الحرب الاهلية الطائفية داخل التكوينات العراقية إلى تفكك الطبقات الاجتماعية وظهور الطائفية كممارسة سياسية وبروز الطبقات السفلى في التركيبات السياسية وهيمنتها على مسرح التاريخ، حيث إن العلاقات بين الجماعتين (السنية والشيعية) تقوم على الاستبعاد التيولوجي والسياسي وقد شكلت هذه المسألة مجالاً واسع لإنتاج الهيجان الجماعي ضد (آخروية) الآخر وعدم الاعتراف بوجوده الموضوعي والتاريخي، وتصميم أسطورة الثقافة والعرق وخلق هويات وتمايزات دينية وخليط مثير من الأحكام المسبقة بصدد تشييد وتصميم نظام من التصنيفات اللاعقلانية ذات النزعات الفاشية المتبادله.

إعلان الحرب الأهلية

يبين د. فردريك معتوق أن المعادلة الأساسية التي تطرحها عادة الحرب الأهلية معادلة مثلثة الزوايا من ناحية أولى هناك دولة قد تكون قائمة على التعايش أو ضعيفة قائمة على الديمقراطية البسيطة ولكنها بالضرورة وفي جميع الأحوال دولة وفاقية قائمة على اتفاق نصي أو شفوي بين جماعاتها السياسية ومن ناحية ثانية هناك معارضة مسلحة، وميليشيات، تقوم ضمن الدولة ولكن ضدها على أساس أنها تجمعات سياسية وحزبية متمايزة بعضها عن بعض بأيديولوجية عدوانية ومن ناحية ثالثة هناك المجتمع المدني الذي يتسم بالضعف.

ويعد العنصر الأيديولوجي (الديني/الطائفي) إلا العنصر الاقتصادي هو الأساس والذي يتصدر قائمة الثوابت في النزعات الاهلية كما يلاحظ مايكل مان فمن دون أيديولوجيا مسلحة حربية لا وجود لنزاع أهلي، عبر هذه الايديولوجيا تستطيع الحرب الدخول إلى النسيج الاجتماعي والهويات الجماعية وهواجس الأفراد الفاعلين وقد يكون العنصر الاقتصادي محركاً حقيقياً للنزعات الأهلية ولكن الخلاف في المصالح الاقتصادية لا يصبح مجالاً متفجر للحرب الأهلية إلا بعد اقترانه بالخلاف الأيديولوجي.

شكل تجذر الولاءات الطائفية والدينية في الأنموذج العراقي بعد العام 2003 نمطاً من التشظي في الخطوط العرقية والمذهبية وتم استخدام هذه الانقسامات في الهويات الطائفية/ الدينية كأداة حشد وتعبئة سياسية، وانتشار خطاب التكفير المؤسساتي داخل الأطر الثقافية العراقية، الحرب الأهلية الطائفية في العراق 2006 – 2008 الموجة الأولى، والموجة الثانية (2014 - ....) وامتداداتها، قامت على حرب مدن كلاسيكية وبالذات في مدينة بغداد والمدن والاحياء المحيطة بالعاصمة (الحزام السني) حيث يتم اللجوء إلى الاغتيالات من أجل إفراغ المناطق المختلطة من السكان والتركيز على رجال الأعمال والتجار والشخصيات الاجتماعية كجزء من محاولة منهجية لخلخلة النسيج الاجتماعي بصورة أكثر عمومية، فضلاّ عن ذلك انها حرب متعدد الأوجه كشفت بقوة عن خطوط تماس وخصوصيات وتباينات جغرافية كانت كامنة وغير منظورة في الماضي القريب، حيث  إن الديناميات الأهلية في بغداد جعلت من الممكن، وعلى نحو مأساوي، وضع خريطة أكثر تفصيلاً للتركيبة الاجتماعية لأحياء العاصمة.

إن فهم نشوء وتطور هذه التركيبة يتطلب نبذ أي تفسير يستند الى معيار احادي وانما هناك مجموعة من المعاير و الأبعاد تشكل العوامل الرئيسة في الخطط المعقدة للحملات التي يصممها وينفذها اللاعبون الرئيسون في الحرب الأهلية الطائفية سواء كانت الميليشيات الشيعية او الميليشيات السنّية، حيث توفر صورة أكثر وضوحاً للجغرافيا السياسية للبلاد، يكشف غارث ستانسفيلد و تشاثام هاوس، ان النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي قد تمزق، لا توجد في العراق حرب أهلية واحدة، ولا حركة تمرد واحدة لكن ما يوجد فعلا عدة حروب اهلية وحركات تمرد قائمة بين مجتمعات ومنظمات مختلفة، كما يوجد أيضا طبقة من المتنفذين العاملين الذين يسعون نحو إضعاف، أو إسقاط أو التحكم والسيطرة على نظام الدولة، ومن ثم تشتت العراق جغرافيا إلى مناطق تسيطر عليها وتتحكم بها جماعات سياسية قبلية (عشائرية) أو عرقية وطائفية أو الميليشات التي استمدت قوتها عبر سيطرتها على بعض الاقتصادات المحلية غير الرسمية (اقتصاديات النزاعات الأهلية)، حيث نجد أن الميليشيات السنّية والميليشيات الشيعية تسيطر وتهيمن على الأرض والموارد، وكذلك ان القوى الإقليمية تمتلك قابليات وفاعلية نتيجة  التراث التاريخي للتفاعل الاجتماعي والترابط الديني المتأصل بصرف النظر عن حدود الدولة القومية العراقية الحديثة، فالحكومة العراقية الان مجرد واحدة من عدة عناصر محركة للحياة السياسية، وكذلك تفكك الروابط الاجتماعية، ونشوء السياسات التي تستند الى الهوية كوسيلة اساسية للتعريف السياسي والاجتماعي داخل المجتمع العراقي. فالهويات الطائفية اصبحت أساسا التعبئة، والتحشيد، والتماثل، وهذا جزء من ايديولوجية الاسلام السياسي بشقيه السنّي والشيعي في العراق حيث يعتمد الشرائح المهمشة التي اتسعت في زمن النظام الصدامي وتم افقارها في سنوات الحصار وسنوات ما بعد الحدث الأميركي 2003، وكذلك أدى التأثير المتراكم للهجمات الانتحارية وارتفاع مستوى،‏ التخويف والتهديد وإرتكاب الوحشية والقتل الطائفي المتواصل وعمليات الاختطاف والابتزاز والاغتيالات إلى حل الروابط الهشة التي تجمع المجتمع مع بعضه بعضاً، مؤدياً الى ‏حدوث نزوح كبير وانتقالات واسعة للسكان، ما أثر في الحياة ‏اليومية، ورسمت صوراً عن كيفية النظر إلى الآخرين وكذلك الحالة التي جعلت فيها أمن الاحياء في بغداد والمدن العراقية يقع في يد الميليشيات المسلحة، ما جعل منها مواقع جديدة لممارسة سطوتها محليا، بعد ان تخلت الدولة عن احتكار العنف والقوة، وممكن العودة الى الارشيف الكبير الموجود على شبكات النت (‏ يوتيوب YouTube) لنكتشف حجم العنف الطائفي والاعمال الوحشية التي أرتكبت بين السنّة والشيعة، فضلا عن التقارير الاممية التي تصدرها المنظمات الدولية والتي فهرست تصاعد الحرب الاهلية الطائفية في موجاتها وامتداداتها، وكان صعود النسخة السياسية (المالكية) السلطوية إلى إدارة البلاد ما بعد العام 2010، وهي خليط من المحاصصة والاستبداد، ومؤسسات غير دستورية، وجيوش ظل مسلحة وعصابات مليشايوية كانت تجري من أجل مركزة السلطة الشيعية، فقد جرى تغييب المؤسسات الدستورية وإنشاء سلطة تعتمد العلاقات القرابية والمناطقية والسياسة الزبائنية تعد احد تجليات الفجور السياسي للنخب الشيعية، مرتبط بصفتها بالذات كممارسة النهب الدائم والفساد وإيذاناً في بدء الموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية.

تم تقسيم الكتاب الى خمس اقسام، في القسم الاول، مداخل وجذور النزاع الطائفي للهيمنة والسيطرة على السلطة والثروات تم تناول سياسات التنازع الطائفي في الإسلام الكلاسيكي عبر تحليل الايقونتين (الإمام والأمير) والتي تشكل أحد الابعاد الأيديولوجية في النزاع الاهلي الطائفي (الشيعي / السنّي) ومن ثم الانتقال الى دراسة صعود وتفكك الدولة القومية السنّية (1921 – 2003) التي عدة الوريث الشرعي والخلاصات  لعمليات الاقصاء والتهميش للمجتمعات الشيعية في العراق، والتغيرات السياسية التي صاحبت الفتح الأميركي العام 2003 (تفجيرصندوق باندورا العراقي)، في القسم الثاني من الكتاب تناولنا مفهوم االنزاعات الداخلية كمولدات الحرب الاهلية وتأسيس مفهوم الحرب الاهلية المركبة  وتناول آليات التكيف المنهجي لهذا المفهوم في تكوينات النظام السياسي الطائفي العراقي ما بعد العام 2003 عبر دراسة الثالوث المنتج للحروب الأهلية (ديمقراطية توافقية، هشاشة المجتمع المدني،  المليشيات والجماعات المسلحة) في القسم الثالث متمردون قوميون، وميليشيات وسلفيون جهاديون وايديولوجيات قتالية تناولنا طبيعة التمرد القومي السنّي وتحالفاته مع السلفيين المعولمين والذي رفع شعار ( القتال ضد الشيعة المهرطقين والأميركان الكفار) ومن ثم تفجير القبة العسكرية والتي تعد بواكير الحرب الاهلية الموجة الأولى 2005-2008، والصعود الراديكالي والانغماس في النزاع الاهلي للميليشيات الشيعية (الصدريون) ودراسة خرائط النزاعات الاهلية الطائفي في بغداد وحزامها السنّي، والتهجير الديمغرافي (التهجير المتبادل) وتقديم ارشيف عن وقائع الموجة الأولى من الحرب الاهلية الطائفية (2005- 2011) اعتماد على وثائق اممية، في القسم الرابع النزاع الاهلي وتصادم الشوفينيات الطائقية  2013- 2016، والتي تعد تأسيس  الموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية درسنا ظاهرة نوري المالكي السياسية وطبيعة السلطوية التنافسية ونتائجها في بروز الاحتجاجات السنّية والدور الذي لعبته القبائل ورجال الدين والبعثيين، ومن ثم  انكسار تلك الاحتجاجات واعلان دولة الخليفة التي تعد  انتصار للقومانية الإسلامية  وبروز  اتحاد الميليشيات الشيعية (الحشد الشعبي)  و في القسم الخامس تناولنا  الايديولوجية الاحترابية الطائفية (العسكرة، قداسة الجهاد، حرب الهويات الطائفية) دراسة تحليلية للميليشيات الشيعية و السنّية الفاعلة في الحرب الاهلية الطائفية  وتقديم  الوقائع اليومية للموجة الثانية من الحرب الاهلية الطائفية 2012-2016، وبحث الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية في العراق، فقد تم تزويد الكتاب بخرائط  تفصيلية، واشكال ، وجداول توضحية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش، وثائق، ايضاحات، مصادر

 

      المقدمة

-        يتطلب مراجعة التاريخية العراقية الحديثة والكشف عن السلسلة المروعة من الحروب، والعنف السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي والانغلاقات الثقافية، والتهميش والإقصاء للجماعات، والمكونات العراقية والإبادات المتبادلة والعنف الإيديولوجي وعمليات إعادة إنتاج الإخضاع والهيمنة داخل نسق السلطة السياسية، المجتمع العراقي خضع الى سلسلة من التحولات ( مجموعة كبيرة من الثورات والانتفاضات والانقلابات ) منذ تأسيس الكيان السياسي، ولكن (الدولة) بالمعنى الاستعاري لم تخضع الى متغيرات او اعادة بناء للنسق الوظيفي، وانما دائماً يتم اعادة بنائها على اساس نظام من التوترات المعقدة حيث نجدها دائماً وعبر التاريخ مجال للفوضى والفوضى المضادة تتمحور حول الاستبداد والمدنية المنقسمة والنخب الدائرية والتي يتم اعادة انتاجها باستمرار، والقائمة  على استنفار المخزونات التاريخية للطبقات السفلى من المجتمع لبلورة  حرتقات ايديولوجية وتوسيع  دائرة الصراع  على  الرهانات السياسية، وإلى الان لم يتم كتابة سرديات الاقصاء المتبادل بين الجماعات العراقية والعلاقات الدموية والابادات التي تمت من قبل الدولة القومية العراقية 1921- 2003 وانعكاس هذا كله على تشكل المجتمع  وتحديد الوجود الموضوعي البشري  وتخطيطات انماط الثقافة والهيمنة بوصفها اداة ضبط فائض  القيمة الرمزية.

 

-        الخطاب السلفي  الطائفي ( السنّي او الشيعي ) في العراق أسس مشروعيته على إنتاج تصنيفات تاريخية وثقافية ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مبلوراً نموذجاً بنيوياً تركيبياً تبادلياً داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي إنتاج إفرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات البيطرياركية.

 

-        بواسطة التحليل المادي للانتاجات الدينية الطائفية والتي تمثل (الانساق الثقافية)

 

-        المأزق السني في العراق / ريناد منصور- مركز كارنيغي للشرق الأوسط - http://carnegie-mec.org/2016/03/03/ar-pub-62945

 

-          جذور الإسلام السياسي في العراق وتياراته - لطفي حاتم http://www.althakafaaljadeda.com/324/13.htm

 

-          ظهور برنامج (أبناء العراق) وأفراده كقوة حيوية مؤلفة من ( 95 - 100) ألف مقاتل قد جاء نتيجة ‏مبادرة أمريكية كانت جزءا من جهود ديفيد بتريوس (David Petraeus)بعد العام 2006 - 2007 ‏ لتحويل مسار الحرب بعد عملية بزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق . لم ترغب الحكومة العراقية ذات الهيمنة الشيعية وتقول العديد من الانتقادات التي وجهت الى الولايات المتحدة إن الأخيرة ببساطة تدفع الأموال للمتمردين لتغيير مواقعهم ولكن هذا الأمر يحمل تبسيطا لأن الأفراد الذين إنضموا الى برنامج (الصحوات) كانت لديهم كراهية شديدة وقوية لتنظيم القاعدة وسياساته بما فيها الاستيلاء على الموارد الاقتصادية وفرض صيغ صارمة من الشريعة الاسلامية (بما في ذلك قطع اليدين أو الأصابع بسبب التدخين) والزواج القسري للنساء المحليات .عمل أفراد برنامج (الصحوات) كقوة شريكة موثوق بها للولايات المتحدة والقوات الأمريكية وعملت الولايات المتحدة على دفع المستحقات المالية لأعضاء هذا البرنامج حتى تشرين الأول عام 2008 ‏عندما تولى العراقيون المسؤولية المالية لحوالي نصف أعضاء برنامج أبناء العراق كجزء من العملية الجارية لتوسيع سلطة الحكومة العراقية ‏وفي الثاني من نيسان عام 2009 ‏تولى العراق المسؤولية الكاملة عن هذا البرنامج قوبل القرار الخاص ببدء تحويل مسؤولية برنامج الصحوات ونقلها الى ‏الحكومة العراقية بعدم رضا وكان من  بين الأعمال الأولية للحكومة العراقية العمل على تخفيض وتقليل الرواتب والمستحقات المالية لأعداد كبيرة من رجال الميليشات والجماعات المسلحة مع دخولهم نطاق سيطرتها وولايتها . ثم جرت عمليات  إلقاء القبض عليهم وإعتقالهم لجرائم تم إرتكابها زمن التمرد على الرغم من الوعود المقدمة للعفو عنهم إذا ما تخلوا عن التمرد.

 

-        منذ تأسيس الدولة العراقية، حتى في ظل حكم العثمانيين. تمتع السنّة بمكانة مهيمنة واغلبية عددية في جميع مؤسسات الدولة. ومن ناحية أخرى كانوا أقلية وهم يعرفون ذلك، ولذا، إنطوى الانخراط في خطاب طائفي على خطورة، وشكل خطراً على هيمنتهم السياسية. وتعين عليهم تبني وفرض خطاب غير طائفي بديل تغلغل، من خلال سيطرتهم على وزارة المعارف، تغلغلاً عميقاً في صميم الوطنية العراقية. ويتضمن الإطار السنّوي (نسبة إلى السنّة) تديناً معيناً. ولذا كان السنّة العلمانيون أو التراثيون، في الحكومة وخارجها أقل نزوعا إلى إعطاء تعبير رسمي عن طائفيتهم عما عليه الأمر مع حزب سنّي ديني، على شاكلة الأخوان المسلمين، بل حتى أنهم اعتادوا طى صياغة رسالتهم الطائفية بعبارات تمويهية./ للتوسع مقال عن الخنوع والبقاء: المعارضة السنّية لصدام وجذور القيادة السنّية الحالية في العراق/ رونين زيدل

 

-        في العام 2003 كانت هناك علاقة مشتركة بين التمرد الشيعي في (النجف) والتمرد السنّي في (الفلوجة) ولكن حدث تفجير ضريح الامامين العسكريين العام 2006، أجرى تحولاً جذرياً في ستراتيجيات الهيمنة، حيث قامت الجماعات المسلحة الشيعية باعمال تجريفية واسعة ضد التجمعات السكانية السنًية وهجومات ضاربة على الجوامع، كانت حصيلتها اعلان الحرب الاهلية ( الموجة الاولى ) التي استمرت حتى العام 2008، بعد ظهور الحشد الأميركي والصحوات العشائرية، التي استطاع شل التمرد السنّي ذي الأبعاد الدينية – القومية، أما الموجات الثانية فقد جاءت مع انهيار الجيش العراقي العام 2014 امام تحالف الميليشيات المسلحة السنّية وتنظيم الدولة الاسلامية داعش، حيث سيطر على الموصل، ونينوى، وصلاح الدين، والفلوجة، والامتداد الى بعقوبة وتهديد العاصمة بغداد عبر حزامها السنّي، في الموجة الثانية انخرط عدد كبير من المدنيين حيث جرت عمليات ابعاد السكان والتهجير والاغتصاب، وتعطيل الامدادات الغذائية، وحصار المدن، انتجت مهجرين ومشردين ولاجئين، يعدون بالملايين.

 

-        السياسة السنّية في ظل نظام حزب البعث الذي كان له على الدوام  منافسون ضمن الطائفة السنّية. ففي خمسينيات القرن العشرين، تعين على الحزب المؤسس حديثا الصراع مع تيارين ايديولوجيين رئيسيين لهما شعبيتهما في المناطق السنّية: الناصرية والاصولية الإسلامية. كما جسدها الأخوان المسلمون٠ وينبغى ملاحظة ان حزب البعث لم يصبح أكثر ميلاً إلى الإطار السنّي إلا خلال ستينيات القرن العشرين، في حين ان منافسيه الاثنين المذكورين أعلاه كانا سنّيين بالكامل دوماً وشكلت الشيوعية إلى حد اقل، تحدياً ايضاً في بعض المناطق ذات الهيمنة السنّية. ومن المعروف جيدا انه على إمتداد فترة ثلاث سنوات عقب تولي البعث للسلطة في العام 1968، فقد اعدمت الحكومة الجديدة العديد من المنافسين السياسيين الفعليين او المحتملين، فقد أطاح البعث بنظام سنّي بمساعدة الضباط العسكريين السنّة. ولذا فان معظم المنافسين كانوا سنّة. ولم تكبح حتى الأواصر المناطقية التنافس السياسي وكان من بين اعمدة النظام السابق (اي نظام الرئيس عبدالرحمن عارف) التكريتيان رشيد مصلح (الذي نفذ به الاعدام في كانون الثاني من العام 1970 وطاهر يحيي (الذي اعتقل وتعرض لتعذيب شديد وقضى سنوات في السجن) وفي الوقت نفسه، أعدم النظام الجديد منافس ايديولوجي سنّي، الشيخ عبدالعزيز البدري، زعيم الحزب الإسلامي العراقي. وزعماء آخرين في ذلك الحزب الاصولي (وقد تواصلت عمليات الاعدام والقتل السياسي لمنافسين سنة طوال سبعينيات القرن العشرين. وبعض ممن تعرضوا للاغتيال على شاكلة حردان التكريتي، ومرتضى الحديثي، واخرين قد لقوا حتوفهم جراء الصراعات على السلطة داخل الحزب، في حين كان آخرون شركاء سابقين للبعث وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين، بات واضحاً ان حزب البعث حاز على سيطرة كاملة على المسرح السياسي العراقي بفعل تنظيمه الاقوى وتوظيفه الفاعل. للأجهزة الأمنية وقد افادت الحكومة ايضا من الدخل الهائل المتأتي من تأميم النفط لتقوم بتوسيع صفوفها، مغرية الكثيرين جراء تقديمها لعروض التوظيف، وقد شجعت على نحو خاص السنّة للأنضمام الى جهاز الأمن المتوسع، ونتيجة لتصفية البدلاء السياسيين، بدأ الكثيرون من السنّة المؤيدين لأحزاب اخرى بالتعاون مع النظام، وفي الأقل حتى تسعينيات القرن العشرين، كان الأفراد السنّة او المعارضة السنّية المنظمة للبعث هي الاستثناء وليست القاعدة./ عن الخنوع والبقاء: المعارضة السنّية لصدام وجذور القيادة السنّية الحالية في العراق/ رونين زيدل.

 

يوسف محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4976 المصادف: 2020-04-20 03:41:28