 قضايا

المؤرخ والفيلسوف الألماني داغ نيكولاوس هاسه:

بشار الزبيديعن العالمِ العربي وتأثيره العميق في حضارة أوروبا في العصورِ الوسطى:

ترجمة وتصرف: بشار الزبيدي


مُقدمة عن الباحث:

أ.د.داغ نيكولاوس هاسه هو مُؤرخ فلسفي ومُستعرب وأستاذ بمعهدِ الفلسفةِ بجامعة يوليوس ماكسيميليان في مدينة فورتسبورغ الألمانية. ولد داغ نيكولاوس هاسه في مدينةِ بريمن وترعرع في الشمال الألماني، قبل أن يدرس في جامعة غوتنغن الألمانية ومن ثم جامعة يل الأميركية بعدها حصل على درجة الدكتوراه في لندن. وقد تمحورت أُطروحته في الدكتوراه حول موضوع “مقالة ابن سينا في النفس في الغرب اللاتيني”. يتقن نيكولاس عدة لغات ،العربية والإنجليزية والعبرية واليونانية القديمة إلى جانب لغته الأم الألمانية وله كتاب بارز تحت عنوان "النجاح والإنكار": العلوم العربية وفلسفتها في عصر النهضة.

ركز نيكولاس هاسه في بحوثه على تاريخ الفلسفة والعلوم العربية ، والتأثير العربي في أوروبا من منظور تاريخي وتاريخ الفلسفة والعلوم الأوروبية من القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر. وقد أظهرَ هاسه من خلال دراسته ، مدى قوة التصاهر الثقافي بين عُلماء ومؤسسات الشرق والغرب وهو يجمع بين البحث التاريخي اللغوي والطرق التحليلية الجديدة التي تم تطويرها ذاتيًا. استَخدَمَ الأساليب اللغوية والحاسوبية لتحديد الخصائص اللغوية للمُترجمين الفرديين للنصوص العربية وبالتالي أعاد بناء دورهم في مدارس الترجمة الرئيسية وتأثيرهم على تاريخ العلوم الأوروبية. في عام ٢٠١٦ ، حصل الدكتور هاسه على جائزة " لايبنتس Leibniz  " الشهيرة من مؤسسة الأبحاث الألماني التي تبلغ قيمتها ٢،٥ مليون يورو. اعتبرت اللجنة أن مساهمة د. نيكولاس هاسه قيمة وقد أسس من خلالها إلى بداية جديدة في رؤية تاريخية واقعية للنهضة الأوروبية وتمكن من الكشف عن المشتركات القوية بين الغرب والشرق في القرون الوسطى.

فاز داغ نيكولاس هاسه أيضًا بجائزة الشيخ زايد الإماراتية في فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى للعام ٢٠١٨ عن كتابه الأبرز (النجاح والإنكار): العلوم العربية وفلسفتها في عصر النهضة.

1651  الثقافة العربية

نيكولاس هاسه: لولا العالم العربي ، لكانت أوروبا مُختلفة اليوم:

بالنسبة لفيلسوف فورتسبورغ نيكولاس هاسه، ثمة شيء واحد واضح وهو : أن العالم الغربي الحالي لن يكون موجودًا لولا الشرق. لقد بحث هاسه في تأثير العالم العربي على أوروبا في العصورِ الوسطى بشكل عميق ولهذا السبب حصد جائزة "لايبنتسLeibniz" المرموقة. عندما يتعمق داغ نيكولاوس هاسه في تخصصه ، فإن كل شيء في رأسه يدور حول العصور الوسطى والشرق والغرب. بحث نيكولاس في العلاقات بين العالم العربي والأوروبي في العصور الوسطى. في البداية بدا ذلك موضوعًا تاريخيًا جافًا ولكن عندما شرح هاسه الروابط ، أصبح بحثه شيقًا.

موضوعه هو أيضًا هام وعصري للغاية، وبالتالي فإن بحثه اتخذ بعدًا سياسيًا. خاصةً في الوقت الذي يُريد فيه الأشخاص الذين يعانون من كراهيةِ الأجانب، إنقاذ الغرب المسيحي من الأسلمة المفترضة ، ولكن تظهر الرؤية العلمية بوضوح أن أوروبا اليوم لن تكون موجودة بدون التأثيرات العربية.

يقول داغ نيكولاس هسه: "لقد ساهمت العديد من الثقافات المُختلفة فيما نُسميه اليوم الغرب وأوروبا ، وليس فقط المسيحيين واليونانيين والرومان". إن الدفاع عن أوروبا المسيحية تم تعميمه على نطاقٍ واسع. كان الغرب يرغب بالمزيد من "الانفتاح الفكري" عن طريق المُناضلين الذين سخروا أنفسهم من أجل أوروبا المسيحية".

ثمة العديد من التقاليد المُشتركة بين الشرق والغرب حتى اليوم، وقد اكتشف نيكولاس هاسه مرارًا وتكرارًا انفتاح بين العالمين الغربي والشرقي في بحوثهِ. كانت هُناك بعض المخاوف في تاريخ الفلسفة والعلوم في العصور الوسطى المتعلقة بالاتصال بين العالم الإسلامي واليهودي والمسيحي. ولكن على الرغم من الطُرق المُختلفة في التفكير وأنظمة اللغة، فقد تفاهمت هذه العوالم فيما بينها بشكلٍ مُدهش. "هذا لا يعني عدم وجود بعض الاختلافات، بيد أن هناك أيضًا العديد من أوجه التشابه والتقاليد المُشتركة، حتى يومنا هذا." لا ينبغي للمرء أن يعتاد على التفكير في الأحزمة الناسفة عندما يتعلق الأمر بالإسلام. "وفي هذا السياق هُناك الكثير من الارتباط الذي يُمكنه أن يُساعدنا". لقد دأب هاسه على متابعة أوجه التشابه بين الشرق والغرب لأكثر من ٢٠ سنة.

تأثير العلوم العربية:

كان للعالم العربي تأثيرًا إيجابياً على أوروبا ولدى نيكولاس هاسه أمثلة عديدة في متناول اليد تتحدث عن التأثير الخصب للشرق على الغرب. يبدأ هذا التأثير باللُغة فبدون ترجمة النصوص العربية إلى اللاتينية ، قد لا تكون الثقافة والعلوم ومستويات المعيشة في أوروبا قد تطورت بشكل إيجابي.

رُبما اليوم يتم نسيان مُصطلحات عربية الأصل شائعة في أوروبا من قبيل أريكة أو مطرح أو دورق أو كوب. ويضيف هاسه: " لقد جَلَبَ المُترجمون والصليبيون من العالم العربي مستوى المعيشة ونمط الحياة المتطور إلى أوروبا". وتشمل الأمثلة الأخرى الصيدلة وعلم الفلك (" ٧٠ في المائة من اسماء العلماء اللامعين البالغ عددهم ٢٥٠ هم عرب") ، وكذلك وصفات الأدوية ، وبالطبع الرياضيات. "لقد أثر العالم العربي على أوروبا في جميع مجالاتِ العلوم تقريبًا. من حيث محو الأمية والثقافة المكتوبة، وكان الغرب أشبه بالدولة النامية مُقارنة بالشرق".

العُلوم العربية في عصر النهضة:

في عصر النهضة ، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، توجهت الفنون والثقافة بشكل متزايد نحو العصور اليونانية والرومانية. وفي نفس الوقت ، فإن عصر النهضة يمثل نقطة تحول في العلاقات الأوروبية العربية. البروفيسور داغ نيكولاوس هاسه من جامعة فورتسبورغ يكشف النقاب عن ذلك في كتابه (النجاح والإنكار). يفترض البحث في كثير من الأحيان أن الناس في عصر النهضة ليس لديهم اهتمام كبير بعلم وفلسفة العرب. لكن  هاسه يوضح في كتابه بأن الحقيقة تبدوا مختلفة.

لقد وصلت العلوم العربية مثل علم الصيدلة أو التنجيم أو النظرية الفكرية إلى ذروة تأثيرها في عصر النهضة. خلال هذه الفترة ، حدثت طفرة في الترجمات اللاتينية الجديدة والطبعات الجديدة للأعمال العربية ، على سبيل المثال قانون ابن سينا للطب أو تعليقات ابن رشد على المنطق الأرسطي. بالإضافة إلى ذلك ، اعتمد العديد من علماء عصر النهضة أفكارًا عربية في مجالات الطب وعلم التنجيم والفلسفة. كما دافعوا عن هذه الأفكار ضد النقاد.

الاستئصال المُتَعمَد للجذور العربية في أوروبا:

يقول هاسه: "من ناحية أُخرى ، بدأ الناس ينسون الجذور العربية للثقافة الأوروبية بل ويقمعونها عمداً". بمفهوم الإنسانوية الفلسفية المتطرفة، وقد تم استبدال المؤلفين العرب في مناهج الجامعات الأوروبية على وجه التحديد بالمراجع اليونانية. وقد رافق الجدل الحاد هذه العملية. لقد اتُهِمَ العُلماء العرب بظلم بأنهم أعداء للدين وسراق للمؤلفات ومزورين للُغة. لكن هذا الجدل لم يكن مُجرد جدل أيديولوجي: فقد كان الإنسانيون خُبراء في اللغة ، وعلى هذا النحو استطاعوا للمرة الأولى إظهار عجز في النصوص العلمية العربية. ولكن تلك الأخطاء كانت بسبب أخطاء في الترجمة والإرسال.

ويوضح الأستاذ في فورتسبورغ في كتابهِ ( النجاح والإنكار) كيف أدى مزيج من الدوافع الإيديولوجية والعلمية إلى اختفاء بعض التقاليد العربية تقريبًا في الثقافة الأوروبية ، في حين استمر البعض الآخر في الازدهار. على سبيل المثال، هوجمت نظرية ابن رشد الفكرية باعتبارها معادية للدين وليست يونانية، لكنها استمرت في إيجاد مؤيدين حُكماء.وبداية من منتصف القرن السادس عشر تم استبدالها بالنظريات الفلسفية المُتنافسة.

إلى جانب ما تقدم من معلومات أنقل هنا ترجمة حوار مع المؤرخ أ.د. داغ نيكولاس هاسه والذي يتحدث فيه عن العلوم العربية وسعي علماء أوروبا  آنذاك إلى استبدال الأفكار العربية في العالم الغربي.

حاوره سيباستيان كيرشنر:

(عندما نسيت أوروبا جذورها)

سيياستيان كيرشنر: السيد هاسه، من أين تأتي ذروة التقاليد العربية في عصر النهضة؟

داغ نيكولاوس هاسه: يرجع ذلك أساسًا إلى ازدهارِ الجامعات العديدة في أوروبا. هناك، ظهرت أسماء العديد من المؤلفين العرب في الترجمات اللاتينية، مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة.

سيياستيان كيرشنر: هل يُمكِنك توضيح ذلك؟

داغ نيكولاوس هاسه: في عصر النهضة، على سبيل المثال، كان الاهتمام بعلم التنجيم هائلاً: فقد سعى الباباوات والملوك والمواطنون والفلاحون إلى الحصول على المشورةِ الفلكية. عيّنت العديد من الجامعات أستاذًا ليقدم الشروحات عن الأبراج السنوية. وقد تولى هذا الدور مُنجم المدينة. كانت أعمال المُنجمين العرب بمثابة الأدب المرجعي آنذاك. وقد ارتبط الازدهار بحقل الطب، ومن بين أمور أخرى، بعلم النبات والصيدلة: فقد اكتشف العرب العديد من النباتات الطبية وكانوا سادة نظام الوصفات، أي العلاجات الخليطة.

سيياستيان كيرشنر: لماذا إذن تم قمع هذه المعرفة في أوروبا؟

داغ نيكولاوس هاسه: دعا الإنسانيون إلى العودة إلى العصور القديمة. وهذا ما يُبرر ذلك إلى حد ما، لأنهم أدركوا أوجه القُصور في النصوص العربية: فالعِلم كان آنذاك مرتبطاً ببعض الشخصيات الأساسية. ولكن إذا تمت ترجمة أعمال بطليموس أو أرسطو عن اليونانية إلى السريانية، ثم إلى العربية ومن هناك إلى اللاتينية، فستفقد الكثير من قيمتها حتماً. لذلك دعا الإنسانيون إلى "العودة إلى المصادر الأصلية ".

سيياستيان كيرشنر: هذا يبدو في الواقع إيجابيًا جدًا.

داغ نيكولاوس هاسه: بالتأكيد. ولكن توطد هذا الموقف بين الإنسانيين المتطرفين وتحول إلى أيديولوجية. لقد وضعوا جميع العُلماء العرب معاً في وعاء واحد.

سيياستيان كيرشنر: كيف أثر ذلك؟

داغ نيكولاوس هاسه: في بعضِ المجالات كان هذا الشق دراماتيكياً. في الطب، اختفت المراجع العربية من المناهج الدراسية في العديد من الجامعات الأوروبية في بداية القرن السادس عشر ومعها العديد من التطورات في الطب العربي وطب العصور الوسطى.

سيياستيان كيرشنر: هل تم الدفاع ضد هذا التوجه ؟

داغ نيكولاوس هاسه: بالطبع. ولم يقاوم أنصار العلوم العربية هذه الأفكار المُتطرفة فحسب، بل أيضاً الإنسانيون المعتدلون. والصيادلة لم يرغبوا في العملِ من دون الأدوية العربية. في نهاية القرن السادس عشر، عاد المؤلفون العرب إلى المناهج الدراسية. لذا فإن الأفكار الراديكالية لم تسود تماماً، ولكن أوروبا فقدت بعض المعرفة نتيجة لذلك.

سيياستيان كيرشنر: إلى أي مدى يلمس المرء ذلك وصولًا إلى يومنا هذا؟

داغ نيكولاوس هاسه: على سبيل المثال، اختفى أفيروس (ابن رشد) تماماً تقريباً من ذاكرتنا الثقافية على الرغم من أنه، مثل العديد من العُلماء العرب الآخرين، كان جزءاً من الثقافةِ الأُوروبية لنحو 400 عام. من كان سيعرف (أبن سينا) لولا فيلم الطبيب " Der Medicus"؟. كلا العالمان كانا من الأسماء الشهيرة في ذلك الوقت مثل شهرة كانط أو رونتنغن اليوم. حتى بدون الدراسات ذات الصلة، كان كل أكاديمي في عصر النهضة يعرف هذه الأسماء العربية.

سيياستيان كيرشنر: لماذا هذا المُشترك بالغ الأهمية ؟

داغ نيكولاوس هاسه: أوروبا لا تتكون فقط من التقاليد المسيحية واليونانية. يجب ألا ننسى أننا نتقاسم ماضياً مشتركاً مع العالم الإسلامي.

 

.......................

مصادر:

1-

https://www.bayerische-staatszeitung.de/staatszeitung/leben-in-bayern/detailansicht-leben-in-bayern/artikel/ohne-die-arabische-welt-waere-europa-heute-anders.html#topPosition

2-https://www.uniwuerzburg.de/aktuelles/pressemitteilungen/single/news/als-europa-sich-von-den-arabern-abwandte-1/

3-

https://www.g-geschichte.de/plus/als-europa-seine-wurzeln-vergass

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5072 المصادف: 2020-07-25 02:00:45


Share on Myspace