 قراءات نقدية

هاجس الموت في قصص (ربما أعود اليك)

ثامر الحاج امينلم تسنح لي فرصة الأطلاع على المنجز الابداعي للشهيد القاص والروائي العراقي "علاء مشذوب عبود" الذي اغتالته يد الارهاب في شباط 2019 الا من خلال مجموعته القصصية (ربما اعود اليك) الصادرة عن دار الينابيع 2010 والتي اهداني اياها في عام صدورها . ومن خلال قصص هذه المجموعة البالغة خمس عشرة قصة نكتشف حجم المعاناة التي عاشها الكاتب قبل رحيله نتيجة الشعور بالاضطهاد ومن ثم هاجس الموت اللذان انعكسا بشكل واضح على أبطال ومسار قصصه، فسطور الاهداء التي عبرت عن احباطه بحلم الحرية الذي لم يتحقق جاءت لتشعرنا بالواقع المرير الذي سيقودنا الكاتب اليه، ويبدو من فكرة القصة التي استهل بها مجموعته ان هذه المعاناة لم يتلظى في جحيمها وهو حي فحسب انما لازمته حتى وهو في رحلته الأبدية فالبطل الميت في قصته (وهم) يظن انه في فسحة القبر نال الراحة الأبدية لكنه في حواراته مع ياقي الموتى يكتشف ان وجوده اصبح بين (نفس الشياطين الموجودين في الحياة الدنيا ونفس المضايقات المعنوية وقلة الراحة وعدم الاستقرار ص 7)، والحال نفسه في قصة (تداعيات) حيث يعيش البطل فوبيا الخوف من المجهول الذي ينتظره والذي يحيله الى كائن بائس لا أمل لديه والحياة والموت أصبحا عنده سيان وذلك بسبب مايشهده من صراع مذهبي حول (أيهما أحق بالحكم والتسلط على الآخر ص 10) ويرمز للظل الذي يلازم البطل في هذه القصة بالموت الذي يرافقه اينما ذهب لذا فهو حين يجد مصيره معلقا برفع قدمه عن اللغم الأرضي الذي قاده اليه حظه العاثر وقبل ان يتناثر جسده يتوسل اليه قائلا (لا اريد ان أفنى الآن فأنا في مقتبل العمر واريد ان استمر بالحياة ص 11) .

 ويبقى هاجس الموت هو الأبرز في قصص المجموعة، فقصة (حلم) تستعرض تفاصيل الحياة اليومية لبطلها التي هي عبارة عن شريط من مشاهد مؤلمة لجثث منتشرة على الأرصفة وكتل كونكريتية تقطّع أوصال الشوارع وعمليات سلب ونهب وينتهي هذا الشريط التراجيدي بصدمة البطل وهو يقرأ على باب بيته ورقة كتب عليها (ارحل من هنا والاّ فدمك ومالك وعرضك مباح ص14) .

لقد ذيّل الكاتب نهايات قصصه بتواريخ تشير الى زمن كتابتها في الوقت الذي كانت موضوعات القصص كافية للافصاح عن زمن الفوضى والاعمال الوحشية والانتهاكات التي اعقبت التغييرعام 2003 وقد استلهم الكاتب جل موضوعات قصص هذه المجموعة من احداث هذه الفترة المضطربة وظهر الانفعال وردود الفعل واضحين على اسلوبه ومعالجاته من خلال المباشرة والخطابية في سخطه و نقده للمظاهر التي اشاعها فرسان التغيير، ففي قصة (المرآة والضمير) تلمس التقريرية والمباشرة عند وصفه للفوضى بـ (اصبحت كلمات الحب والأمل والسعادة سوقا سوداء مطاردة من كل البنادق والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة واصبحت التجارة الرابحة التي يمارسها خيرة قياداتنا الدينية والوطنية والسياسية وهي تجارة الموت والقتل والتهجير ص17) .

كما يلجأ الكاتب في قصة (سبب موتي) الى التحليل السايكولوجي لشخصية الارهابي محذراً من زيف الانتماءات الدينية والطائفية وخطورتهما على مستقبل المجتمعات، وتستمر قصص المجموعة الدوران في فلك الأرهاب والصراع المذهبي واستعراض الخراب الذي طال المدن ومانتج عن ذلك من فواجع وموت مجاني تنتهي بالبكاء على ضياع الوطن وهوما تضمنته قصص (اضغاث)، (انت وآدم)، (ربما أعود اليك) .

لقد اتسمت قصص المجموعة بالواقعية والتركيب الفني البسيط البعيد عن التعقيد ولغة هي اقرب الى اليوميات حاول الكاتب ان يجعل منها مسرحا لعرض شهوات القتلة واستهتارهم بحياة الانسان ففي قصة (اللوحة ) أراد الربط بين زمنين من القسوة مع بقاء الموت هو القاسم المشترك الذي يجمع بينهما، فهذه القصة تستعرض حياة ثلاثة اصدقاء يشتركون في هموم سياسية ومعاشية اعتادوا الجلوس في المقهى لتزجية الوقت بالحديث عن الحياة وتناقضاتها حيث يقوم احدهم بسرد حلم يُفسرسياسيا وعلى اساسه يعتقل وتتم تصفيته فالقصة تشير الى زمن النظام السابق وكأنه أراد بها القول ان الموت واقف للعراقي بالمرصاد وان اختلفت الانظمة والأزمنة، كذلك في قصة (القارع) فهي الاخرى تنتمي الى ذلك الزمن حيث تكشف عن انتهاكات وتجاوزات رأس النظام السابق الذي يرمز له بـ " صيهود " في المدينة المقدسة " مكرودة " ــ كربلاء مدينة الكاتب ــ ومنها قيامه بمصادرة املاك الناس وتوزيعها على اصحابه بحجة عدم موالاتهم الى حزبه .  

لقد نجح الكاتب من خلال هموم شخصية تقديم بانوراما جلية لبؤس الواقع العام، كما ان مشاعرالاحباط وخيبة الظن ومظاهر الخراب الذي طال البلاد والتهديد المستمر كلها عوامل ساهمت في تعميق ازمة الكاتب وجعلت منه قريب من عالم الموت وانعكس هذا بشكل واضح على ابطال قصصه وموقفهم اليائس من الحياة، فلا استقرار ولا شعور بالامان الا بالهجرة من البلاد وهذا ما ارادت قوله قصة (ربما سأتي اليك) التي تسرد قصة حب بريئة بين " غسان " و " اخلاص " اللذان عاشا اوضاع البلاد المضطربة والحروب المتلاحقة ولم يشعرا بطعم اللقاء الا خارج الحدود، في حين لم يتمتع بهذا الاستقرار بطل قصته (فسحة قبل الموت) الذي لم يجد في انتظاره الا الموت عند هروبه من اوضاع البلاد واختيار المنفى .

وحتى عندما حاول الكاتب احداث توازن في موضوعات قصصه نجد ان الموت بقي مهيمنا على عالمها ولم يتمكن من تجاوزه، فقصة (فاطمة والطفل) التي تعد الأطول في قصص المجموعة أراد لها الكاتب ان تبدو مختلفة عن سياق قصص المجموعة عندما تناولت اشكالية الصراع بين الطموح والحب لكن شبح الموت سرعان مايظهر في مشهد نهاية الزوجة بمرض السرطان . كما يتكرر مشهد الموت ثلاث مرات في قصة (كبش ابراهيم) فـالقصة تتحدث عن " فيحاء " فتاة طموحة تسعى لنيل شهادة القانون لكنها تجبر على ترك الدراسة والزواج من ابن عمها الذي يستشهد في الحرب وعندما يتجدد الأمل عندها في اكمال دراستها تجبر ثانية على الزواج من شقيق زوجها الذي يستشهد هو الاخر في الحرب وعندما تقترن بعد معاناة بزوج ثالث معاق يختطف هو وسيارته وتنقطع اخباره .

ان قصص (ربما اعود اليك) تمثل شهادة عن حقبة تاريخية موغلة في الدماء والقسوة، فهي تحكي سيرة عراقي عاش الاضطهاد والخوف والملاحقة عبر أزمان وانظمة مختلفة وانتهى بالموت على ايدي ضباع شكا وحذّر منها في قصص هذه المجموعة .

 

ثامر الحاج امين

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5105 المصادف: 2020-08-27 03:52:17


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5745 المصادف: الاحد 29 - 05 - 2022م