 ترجمات أدبية

اختلاف

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


هُنا، كثير مِنْ الأَشْياءِ عَلَيْنَا نِسْيانُها.

فَلَا نافِذة هُنَا، نَتَطَلَّعُ مِنْهَا إلى البحرِ.

والنَّظَرُ إلى البحرِ مِنْ نافذةٍ، مُخْتَلف

ليسَ كالنظرِ إِليهِ عبْرَ الأَسلاكِ الشّائِكةِ.

صَوْت طِفْل بَعْدَ وَقتِ الظَّهيرةِ - لا يُمكنُني سَماعهُ بَعْدَ الآن.

امْرأَةٌ عِنْدَ عتبةِ الدارِ

والدار - أين صَاروا؟

والخِزانة، المَليئَة بمَلابس شتويَّة

والصَّمْتُ الذي يَتَسَاقَطُ مِنْ ساعَةِ الحائِطِ عَلى الكُرسيِّ

وظِل يَد صَديقٍ، حالَما يَضَعُ زهرة في كأْسٍ - أينَ صَارَتْ؟

وَلَيْلَةُ السَّبْتِ، وَاَلْحاكي فَوْقَ حَافَّةِ النّافذةِ البَارِدَةِ

والقطُّ، في غَسَقِ مساءٍ بِلوْنِ النَفْتالين،

يتَمشَّى على سَطحِ المَنْزِلِ المُقَابِلِ

قِطٌّ أَسْوَد

مِنَ الضَّوَاحِي

فِي مَحْجَرِ عَيْنَيه قَطْرَتينِ مِنَ العُزْلَةِ -

هَذَا القِطُّ الأَسْوَدُ الحَزينُ عَلَى السَّطْحِ المُقَابِلِ،

يَتَمَشَّى بِهُدُوءٍ غَريبٍ عِنْدَ الغَسْقِ،

ويَنْخَسُ بِذيْلهِ القَمَر الأَبْيَض.

هَذا أَيضاً نَسِيناهُ.

 

البَرْدُ قارِصٌ هُنا عِنْدَ المَساءِ:

فالعُزْلةُ تُعَشْعِشُ في ظِلِّ الخَوْفِ

والْخَوْفُ يَكْمُنُ في النّارِ:

والنّارُ يَحْرِقُها الخَوْفُ،

بَيْنَمَا يَلْعَبُ المَوْتُ النَّرْدَ مع الحُرّاسِ

اَلْمُتَرَبِّعينَ عَلَى الأَرضِ في غُرَفِ الحِراسَةِ

 

حَتَّى القِطَطُ هُنَا مُخْتَلِفةٌ،

مُتَوَحِّشَةٌ، مَكْسورَةٌ، صامِتَةٌ،

لَا تَفْرُكُ رُؤوسُها بِأَذْرُعِنا

وَإِنَّمَا تَتَبَخَّترُ عِنْدَ رُكَبِنا، باحِثَة:

عَنْ المَوْتِ

وَعَنْ الحُزْنِ

تَبْحَثُ عَنْ اَلْإِصْرارِ، والِانْتِقامِ،

تَبْحَثُ عَنْ الصَّمْتِ، عَنْ الحُبِّ

وَتَبْحَثُ عَنْ الحَياةِ فِي أَعْيُنِنا

تِلْكَ القِطَطُ، التي لا يُداعِبُها أَحَد،

قِطَطٌ تَوَحُّشَتْ،

قِطَطُ مَاكْرُونِيسُوسْ* الصّامِتَةُ.

وَقَمَرُ آبَ مُعَلَّقٌ فَوْقَ رؤوسنا

مِثْلُ كَلِمَةٍ تَحَجَّرَتْ في حلقِ اللَّيْلِ

لَا يَنْطِقُ بِهَا أَحَد.

 

مَاكْرُونِيسُوسْ 1949

...............................

* المدينة التي تم نفي الشاعر فيها (المُترجم)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (29)

This comment was minimized by the moderator on the site

والصَّمْتُ الذي يَتَسَاقَطُ مِنْ ساعَةِ الحائِطِ عَلى الكُرسيِّ

وظِل يَد صَديقٍ، حالَما يَضَعُ زهرة في كأْسٍ - أينَ صَارَتْ؟
---------------
اختيار موفق وجميل أيها العامر
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيزة الشاعرة ذكرى لعيبي

شكراً لمرورك البهي وباقة زهور عطرة بين يديك..

تقبلي فائق تقديري واحترامي.

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المترجم عامركامل السمرائي حياك الله وبياك والسلام عليكم ورحمة الله..
انها ترجمة حلوة حلوة تتاطر كالعسل المصفى من خلال اناملك السحرية ..
قاموسك اللغوي ثري جدا وانساقك التعبيرية تنطق بالسحر ..
حقا انه شاعر مجيد وجد اديبا مترجما ينقل الاحساس الشعري والفكرة بعد ان يتفاعل معها تفاعلا عميقا..

فِي مَحْجَرِ عَيْنَيه قَطْرَتينِ مِنَ العُزْلَةِ -

هَذَا القِطُّ الأَسْوَدُ الحَزينُ عَلَى السَّطْحِ المُقَابِلِ،

يَتَمَشَّى بِهُدُوءٍ غَريبٍ عِنْدَ الغَسْقِ،

ويَنْخَسُ بِذيْلهِ القَمَر الأَبْيَض.
دمت متوهجا ايها الساحر

قدور رحماني
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الشاعر قدور رحماني

حياك الله وأسعد صباحاتك بالخير والبركة

جزيل الشكر والإمتنان لمرورك الكريم وترك تعليقك الجميل، وإنه لمن دواعي سروري أن تجد الترجمة عندك ما أغدقتني به..

دمتَ بخير وعافية وعطاء مستمر أخي قدور

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

تصويب!
سقط حرف الالف من كلمة كثير

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

ما يجلب الإنتباه أن الشاعر ربما يكون رساماً في الوقت نفسه
فصورة القط وذيله الذي ينخس القمر لا يستطيع القارئ إلا أن يتمثلها صورة حيّة
أكاد أرى ذيل القط يتلوى على وجه القمر..
((فِي مَحْجَرِي عَيْنَيه قَطْرَتانِ مِنَ العُزْلَةِ -
هَذَا القِطُّ الأَسْوَدُ الحَزينُ عَلَى السَّطْحِ المُقَابِلِ،
يَتَمَشَّى بِهُدُوءٍ غَريبٍ عِنْدَ الغَسْقِ،
ويَنْخَسُ بِذيْلهِ القَمَر الأَبْيَض.))
حقا أنك تعرف كيف تختار النصوص التي تتألق بترجمتك، أحييك أستاذنا الشاعر والمترجم البارع عامر كامل السامرّائي، دمت بخير.

عبد الفتاح المطلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر عبد الفتاح المطلبي

تحية طيبة، مع جزيل الشكر على إضافة تعليقك. وأود أن أؤكد لك أن الشاعر ريتسوس كان فناناً حقاً، فله العديد من اللوحات الفنية "فن الغرافيك". ولديَّ مجموعة شعرية كان قد ترجمها الأستاذ الشاعر سعدي يوسف عام 1979 عنوانها "إيماءات". وأظنها من أجمل الترجمات ناهيك عن ترجمات الشاعر سركون بولص والشاعر عبد الكريم كاصد التي لا تقل أهمية وجمالا من ترجمات سعدي يوسف. فالذي يريد أن يتعلم كيف يترجم لريتسوس فعليه بتلك الترجمات.

دمتَ بخير وعافية وعطاء مستمر أخي الشاعر عبد الفتاح المطلبي

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

لا أعتقد ان "يختلف" أحد هنا على ما في هذا النص من سطوع
و نصيب كبير من الإبداع و التميز..
ولا يحتاج لإذن لدخوله الى أقرب مسار للواقعية التي يختزلها ريتسوس
بشفافية مشعة غير متشنجة أو متكلفة
هكذا يفرد النص جناحيه ليوقظ فينا القارب الكسلان !
الترجمة اعطت للمترجم قبل ان تعطي للنص حصة إبداع
و معنى في التفوق و التوفيق و المجد.

أخي الحبيب عامر السامرائي
بوركت ..أعزك الله و أنار لك طريقك في الحب و الخير.

زياد كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الحبيب أبا أحمد

منذ أكثر من ربع قرن ولازلت متيماً بشعر هذا الرجل، وفي كل مرة أقرأ له يداهمني نفس الشعور حتى وأن قرأت نفس القصيدة، شعور يجعلني أضع الكتاب وأتأمل طويلاً.. وأردد مثل السياب "أي حزن يبعث المطر"...

يقول ريتسوس:

هو قال:
أنا أؤمن بالشعر، بالحب، بالموت،
لهذا السبب أؤمن بالخلود.
أنا أكتب الشِعر.
أنا أكتب العالم، أنا موجود؛ العالم موجود.
نهر يتدفق من أطراف أصابعي الصغيرة.
السماء زرقاء سبع مرات. هذا هو النقاء.
إنها الحقيقة الأولى، وصيتي الأخيرة.


إنتهت القصيدة ومات ريتسوس، ولكن قصائده ستبقى خالدة

دمت بخير وعافية أخي زياد وشكراً عل تعليقك السخي

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

مرةً تلو الأخرى ، يتحفنا صديقي الأعز..عامر
بنصٍ رائع غزير المعاني ، واضح المعالم
السجن والسجان ،الخوف والأمل ،الصمود واليأس ، الصمت والحب
أنه صراع الوجود الأزلي ،
فمن يعشق الحرية لاتنال منه ..عزلة أو معتقل أومنفى
مهما كان الصمت ثقيلاً ..... موحشاً
ومهما استطالت لعبة الموت ، والحراس.
ففي النهاية سيبدد القمر بضوءه حلكة الليل ، وحزن المعذبين في الأرض ،
ويعود ( رقاص ) الساعة لمعانقة الزمن .
شكراً من القلب .. صديقي الطيب عامر

قيس لطيف
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الأعز قيس

الفضل كل الفضل يعود للشاعر ريتسوس، وما أنا إلا ناقل لما أتحف به العالم كله من صور ومشاعر وفلسفة..
في شعر ريتسوس يستطيع أي إنسان أن يجد ما يحاكي مشاعره و فلسفته، وانتماءه، بل حتى عقيدته مهما أختلفت العقائد، وهذا ما يجعل شعره قريب للقلب وتستطيع أن تقرأه في كل زمان ومكان.

شكرا صديقي لتعليقك الجميل الذي أضفى للمعنى أبعاد أخرى.

دمتَ بخير وعافية وسعادة صديقي الرائع

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site



...
وَقَمَرُ آبَ مُعَلَّقٌ ...
مِثْلُ كَلِمَةٍ تَحَجَّرَتْ في حلقِ اللَّيْلِ
...

كم هي موحشة وهامدة تلك الحياة في المدينة/ المنفى..
ان ريتسوس يقطر الظلال والزوايا الكئيبة الوانًا معتمة ليرسم لوحته
بكلمات حزينة ولكنا حادة وصلبة لتظهر حقيقة ما يراه.. بالمقارنة مع
ذكريات سابقة اوحت له بها رؤية قِطَطُ مَاكْرُونِيسُوسْ..
قصيدة تأملية بامتياز لرسم صورة واقع مختلف وواقع نفسي مغاير..

ترجمة متريثة تصيدت عمق تجربة شاعر كبير باقتدار

لتبق اخي عامر بأحسن حال

طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الشاعر طارق الحلفي

تعليقاتك الجميلة تضفي على النص بعداً آخراً قد لا يراه القارئ، فتضطر لقراءة النص مرة ثانية تكتشف حقيقة ما اكتشفته ذائقتك الشعرية وفهم العميق للنص وما الذي يريد أن يقوله الشاعر.. فلا عجب فقد يكون إنك مررت بنفس التجارب القاسية التي مر بها ريتسوس، فالقضية واحدة والمبدأ واحد وهذا هو الذي يتقاطع فيه الشاعر والقارئ والمترجم..

دُمْ بخير وعافية وألق عزيزي طارق، وننتظر قصائدة الجميلة

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

المترجم الجاد عامر كامل السامرائي
ودّاً ودّا

شكراً على كل ما تتحفنا به من ترجمات شعرية جميلة أخي عامر .
قصيدة ريتسوس مركّبة وليست بسيطة , أعني ان لها سطوحاً وأعماقاً
وتتميز ببراعات عديدة , أي انها ليست سهلة حتى لو أوحت بذلك للكثير من القراء ,
في هذه القصيدة مثلاً نجد لقطات سينمائية بعيدة وقريبة ونجد ما يشبه استثماراً للسرد
بعد شعرنته طبعاً , ونجد أيضاً الإنتقالة الفجائية ونجد التعليق غير الواقعي على الواقعي وبالعكس
ونجد الأيماءة السياسية بلا هتاف أو مباشرة ويجد القارىء استغلالاً جميلاً للتداعي , حيث
تتوالى الأشياء والصور ومواقف بطل القصيدة دون ترتيب متعمد , انها قصيدة جميلة , غنية
مكتنزة بروائح إغريقية واضحة القسمات تهب على القارىء كجغرافية وكتاريخ .
دمت في أحسن حال أخي عامر .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز جمال مصطفى

تحية ملؤها الود والتقدير

تسعدني ترجمتك للنص المُترجم. فالقراءة الاستثنائية ملَكَة ومهارة لا يمتلكها إلا القليل وأنت منهم.. فأنت ترى ما قد لا يراه حتى المترجم..

ريتسوس هذا العملاق، ينسى أحياناً أوجاعه ليدخرها للشعر، فيطلق لمشاعره العنان بعد حين، فتراها بأم عينك وتسمعها بأذنك وتقرأها بلسانك.. فكما فيها الشامخ فيها الأليف والمتواضع كعواطف كبار الشعراء وكبار المناضلين الذين لا يخجلون من ضعف الطبيعة البشرية، ولا يأنفون من الشكوى والحرمان، والتلهف في نفس الوقت، لكي يسمعونا شعراً إنسانيا خالصاً رائعاً..
قصائده لا تخشى عليها من الاندثار..

دمتَ أخي جمال بخير وعافية وعطاء دائم

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

صورة صادقة مؤثرة وحية للمنفى الذي عايشه الشاعر عبر كائنات حية عكس عليها حزنه وعلى طبيعة جعلها ترتدي أحزاننا
شكرا لهذا النص الجميل
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الشاعر والروائي قصي عسكر

جزيل الشكر والامتنان على مرورك وترك انطباعك حول القصيدة المترجمة..
فكما تعلم إن جودة الشعر لا نراها في المكابرة وادعاء البطولة الكاذبة، كما لا نراها في الأنين والنواح بقدر ما نراها في إخلاص الشاعر نحو نفسه ونحو قضيته. والذي لا شك فيه أن قوة الانفعال هي التي تولد الرؤية الشعرية لا التفكير الفلسفي الجاف.

أتباع بشغف أنا والشبيه

دمتَ بخير وعافية وعطاء مستمر

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
تشكر جهودك الحثيثة في ترجمة قصائد الشاعر يانس ريتسوس بالترجمة المبدعة والشفافة
ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزير ابا سلام
شكرًا لحضورك وقرائتك للنص.
جهودك وترجماتك لا تقل أهمية. فنحن نتطلع للمزيد عن اللغة الأم لكي نقف على الاختلافات.

دمتَ بخير وعافية اخي جمعة وعطاء مستمر

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

حَتَّى القِطَطُ هُنَا مُخْتَلِفةٌ،

مُتَوَحِّشَةٌ، مَكْسورَةٌ، صامِتَةٌ،

لَا تَفْرُكُ رُؤوسُها بِأَذْرُعِنا

وَإِنَّمَا تَتَبَخَّترُ عِنْدَ رُكَبِنا، باحِثَة:

عَنْ المَوْتِ

وَعَنْ الحُزْنِ
المترجم والاخ القدير المبدع ا.عامر السامرائي
طاب يومكم بالخير والبركة
اختياركم الموفق لشاعر اخذ على عاتقه نقل تفاصيل الحياة بكل دقة وشفافية لينقل القارئ معه على بساط ساحر من الصور واللوحات الرائعة الباذخة بالمعاني الواقعية التي وكانها تمثل حالة الإنسان نفسه بعين الشاعر المبدع وتلك حالة فريدة انفرد بها الشاعر تاركا بصمته الخاصة وقد ابدع المترجم بالاختيار الراقي والترجمة الوافية بلغة سلسلة رائقة
تحياتي لكم اخونا الكريم
ودمتم بخير وامان

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخت الفاضلة الشاعرة والمترجمة القديرة مريم لطفي

طابت أيامكم بالخير والعافية

أشكرك على جميل تعليقك واستحسانك للترجمة.

نعم..ريتسوس له منهجية في تفاعله مع الظروف التي يمر بها، ويستطيع ببراعة أن يجعل منها محسوسة للقارئ، بل تمثله.. إنه لا ينسب الهم لنفسه، لأن قضيته إنسانية شاملة.

دمتِ بخير وعافية أختنا الفاضلة مريم لطفي

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز المترجم الأديب عامر السامرّائي ..
تحياتي ..
قرأت بتمعن هذه الترجمة عن شعر ريتسوس وأجد انك قد اعتنيت فيها ليخرج النص بحلّة بهيّة ، ومثلما قلت لك سابقا ان ريتسوس شاعر مهم يونانياً وأوربياً وعالمياً ، وهو قريب من الشرق والعرب وقضايا الأِنسان ، لذا فأِنني مع ترجمة أعماله الى العربية مراراً وتكراراً ، وهكذا مع كل الشعراء والأدباء العالميين ، ففي أمر الترجمة اثراء للقاريء العربي وفتح باب حوار أدبي وثقافي وفكري بين الأمم والشعوب .
في الأدب المقارن مجال اختصاصي وهو أكثر الفروع الأدبية المختصة التي تُعنى بالترجمة الأدبية هناك محاذير كثيرة في ترجمة الأدب عموماً ، العملية صعبة جداً وان تصورها البعض سهلة أو مجرد نزهة أو لعبة : هناك مسؤولية أدبية وعلمية وأخلاقية .
ثم هناك تحذير من ترجمة شعراء وأدباء عن لغة وسيطة أو لغة ثالثة ، وتوجيه لترجمة آداب الأمم من لغاتها الأصلية ، لكن من الممكن ان يكون المترجم بارعاً في الترجمة عارفاً بالأدب فيتمكن من ترجمة موفقة من لغة وسيطة أو لغة ثالثة .. المعلومات هذه أوردتُها في رسالتي الماجستير في قسمي الأدب العام والأدب المقارن في جامعة برلين ، وكانت عن الترجمة الأدبية وبعنوان : ( نظريات الترجمة الأدبية : وجهات نظر حول ترجمة نصوص بعض الشعرّاء والكتّاب الألمان الى العربية ) . وكم كنتُ أود لو نشرت ترجمة هذه الرسالة من الألمانية الى العربية ليطلع عليها القاريء العربي ، لكننا مثلما تعلم أبناء بلد متعثر وأُمّة خائبة . وفي الفترة التي اشتغلتُ فيها مدرّساً في جامعة هومبولد ـ برلين ، كانت الترجمة الأدبية من العربية الى الألمانية وبالعكس من مهمّاتي اليومية مع طالباتي وطلبتي ، وأعني من كل هذا انني شاهدت وشهدت العديد من الشواهد والقرائن التي ترفع الترجمة الى عمل ابداعي مهم وخطير لا يُستهان به ، لكنّه ملّحٌ وضروري ليتم التواصل الأنساني بين أبناء البشرية . وقد تأكدتُ باليقين والبرهان ان ما تُرجم الى العربية من الأدب الألماني على الأقل ـ سواء مباشرة وهذا نادر أو عن طريق لغة وسيطة وهذا شائع ـ مليء بالأخطاء ، زاخر بالمفارقات والعيوب بشكل اجمالي .
حول ترجمتك هنا وما يخص اللغة لدي ملاحظتان أرجو قبولهما أخي الحبيب عامر ، ونحن هنا نتحاور في ورشة المثقف :
أولا : أرى تعبير( في محجري عينيه ) أدقُ وأسلم من تعبير ( في محجر عينيه ). حيث لكل عين محجر فلماذا ( عينيه ) في صيغة المثنى و (محجر ) في صيغة المفرد ؟ّ!
ثانياً : أرى تعبير ( المذياع ) أدقُ وأفضل من ( الحاكي ) ، فالحاكي كلمة قد تكون صفة لشخص يحكي ، وربما تعني التلفاز أيضاً ، فاختيار كلمة ( مذياع ) أسلم ان كان الحديث يخص الراديو .
لابدَّ ان ابارك لك جهدك الترجمي وسعيك الحثيث للأضافة الى رصيد العربية وربما الى المكتبة العربية فيما بعد .
دمتً بصحّة وهمّة ونشاط ثقافي وأدبي أخي العزيز عامر.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الشاعر كريم الأسدي

تحية ملؤها التقدير والمودة

جزيل الشكر على تعليقك الجميل والمشجع على الاستمرار في الترجمة..

قد اشاركك الرأي فيما ذهبت إليه وذهب إليه الكثير من الباحثين في فن الترجمة بأن الترجمة ينبغي أن تكون عن اللغة الأصلية للنص المراد ترجمته، ولكنني لا أحب التقيد بهذا الرأي، وإنما اؤمن بما تفضلت به وقلت : "من الممكن ان يكون المترجم بارعاً في الترجمة عارفاً بالأدب فيتمكن من ترجمة موفقة من لغة وسيطة أو لغة ثالثة".. وأنا بذلك لا أنسب لنفسي البراعة، وكأنني أشعر بأنني أستطيع أن اقفى أثر النص وأعيد صياغته من خلال معرفتي بالشاعر والإطلاع على قصائده بلغات مختلفة وترجمات مختلفة، فقد سبق وأن ترجمت نصاً يونانياً عن الإنكليزية والمجرية بنفس الوقت خالفت فيها الترجمتين عندما نقلته إلى العربية..

واستطيع أن أؤكد لك أن هذا ممكن جداً، وإمكانية حصوله لا يعتمد على براعة المترجم فقط، وإنما على سعة قاموسه اللغوي وعلى ذائقته الشعرية وفهمه للنص بصورة صحيحة.

أما عن الملاحظتين فأشكرك مرة ثانية على التنبيه، والحقيقة أنه قد جاء في النص الأصل كلمة "الغرامافون" فترجمتها الحاكي وكنت أريد أن أوضح ذلك في الهامش لكنني نسيت فعل ذلك، لأنني كنت واثقاً بأن تصور القارئ سيذهب للمذياع.

دمتَ أخي كريم بكل خير وعافية وألق مستمر

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير الاستاذ عامر السامرائي...تحية طيبة وسلام وامنيات بالعافية... لايخفى على جنابكم الجانب الفني في ادب الترجمة .. حتى ليصفه البعض بانه (( فن الترجمة )) وطبعاً من اسباب ذلك هو اختيار المرادفة المناسبة للمفردة بما يعطي لمكانها في الجملة صورة متخيلة وأفقاً فاعلاً للتأويل. وهذا يتجلى في اسلوب عامر السامرائي في نصوص كثيرة وفي هذا النص حيث يقترب كثيرا من احساس الشاعر لحظة ولادة النص :

هَذَا القِطُّ الأَسْوَدُ الحَزينُ عَلَى السَّطْحِ المُقَابِلِ،
يَتَمَشَّى بِهُدُوءٍ غَريبٍ عِنْدَ الغَسْقِ،
ويَنْخَسُ بِذيْلهِ القَمَر الأَبْيَض.
كم هي جميلة وساحرة وعميقة هذه الصورة... وما قربها لنا اختياركم لمفردة ينخس ... التي جعلت القط والقمر متجاورين رغم ابتعاد المسافة بينهما ... لان الشاعر من زنزانته يرى كل شيء عبر النافذة ببعد القمر...كل شيء خارج القضبان بعيد كالقمر . دمت مبدعاً ومترجماً متألقا .

احمد فاضل فرهود
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل الشاعر أحمد فاضل فرهود

تحية طيبة ملؤها المحبة والتقدير والاحترام

إنه لمن دواعي سروري حقاً أن أجد تعليقك على صفحة ترجمتي، والذي منح النص بعداً جديداً..
كثيراً ما تشدني صور هذا الشاعر العظيم، وتجعلني أتحير لوقت طويل في إختيار المفردة التي تلائم النص الأصل، علماً بأنني أترجم هذه النصوص عن لغة وسيطة ليست من اللغات الشائعة جدا، وليست بعراقة اليونانية أو اللغات التي لها أصول لاتينية.. فاللغة المجرية لغة محلية ضيقة الأفق..ولكن رحابة العربية هي التي تساعد على إختيار المفردة الأنسب، والمتلقي الحذق الذي يستشعر معنى المفردة وأبعادها يعرف جيداً كيف يجب أن تكون عليه صياغة الصورة الشعرية، وهذا ما تفضلت به مشكوراً، كونك شاعراً وناقداً من الطراز الأول.

دمتَ بالف خير وعافية أستاذي الكريم أحمد فاضل فرهود ودام عطائك

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

والقطُّ، في غَسَقِ مساءٍ بِلوْنِ النَفْتالين،

يتَمشَّى على سَطحِ المَنْزِلِ المُقَابِلِ

قِطٌّ أَسْوَد

مِنَ الضَّوَاحِي

فِي مَحْجَرِ عَيْنَيه قَطْرَتينِ مِنَ العُزْلَةِ -

هَذَا القِطُّ الأَسْوَدُ الحَزينُ عَلَى السَّطْحِ المُقَابِلِ،

يَتَمَشَّى بِهُدُوءٍ غَريبٍ عِنْدَ الغَسْقِ،

ويَنْخَسُ بِذيْلهِ القَمَر الأَبْيَض.

هَذا أَيضاً نَسِيناهُ.
ـــ
ينطلق يانيس ريتسوس في الكثير من قصائده من التفاصيل اليومية التي توحي بأنها مهملة ولكنه حاذق في بث الحيوات فيها وليس الحياة فقط
أقول هذا وقد اقتبستُ شاهداً فهنا جعل ريتسوس القطة بمثابة قيمة كونية عليا !
مودتي وتحية شكر كبيرة

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

صدقت عزيزي سامي فيما ذكرت، وهذا هو رأيي بقصائد ريتسوس دائما، إنه يبث بالأشياء الحيوات ويجعلها تتكلم بلسانه..

تقبل بالغ مودتي واعتزازي أخي سامي وكن بخير وعافية وألق مستمر

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز المترجم البارع الخ عامر كامل السامرائي

ليس غريبا على شاعر مثل ريتسوس ان يتحفنا بمثل هذه الصور التي تحتاج الى قريحة واسعة لالتقاطها. والقصيدة تحوي الكثير من تلك الصور التي اجدت في ترجمتها باختيار الالفاظ الدقيقة المعيرة عن روح القصيدة.
شكرا على هذا الجهد الكبير في نقل روائع الشعر العالمي
دمت بخير اخي عامر

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الشاعر عادل الحنظل

أشكرك جزيل الشكر على مرورك، وترك استحسانك للترجمة..
لقصائد ريتسوس كما تعلم أخي عادل بناء فكري ينم عن مهارة شعرية فذة وثقافة واسعة وقدرة كبيرة على استبطان مشاعره وتحويلها إلى صور ممتازة مثل شريط سينمائي، قد تكون قصائده في بعض الأحيان ميتافيزيقية يروعنا صرحها الهائل، ولكن لبنتها ليست صلبة عصية على الفهم، ويستطيع الكل فهم ما يرمز إليه..إنها حرية الإنسان.

دمتَ بالف خير وعافية أخي عادل وعطاء مستمر

عار كامل السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5193 المصادف: 2020-11-23 03:01:11


Share on Myspace