 قراءات نقدية

التجاور في قصائد البصرييَن عادل مراد ولوحات هاشم تايه

جمال العتابيالبحث في العلاقة التي تربط الشعر بالتشكيل، وهي علاقة قائمة على رؤية جمالية، تجعل القصيدة تنفتح على إمكانات جديدة، واحتمالات دلالية واسعة، تمتزج فيها التجربة الذاتية بالممارسة الفنية، إذ تلتقي القصيدة بالفن التشكيلي برؤية متقاربة، لتكوّن لوحة شعرية ناطقة، تخترق سلسلة من التصورات الفكرية والفلسفية، فيما تجسد اللوحة التشكيلية في التقائها بالشعري قصيدة صامتة، تعمل على تحقيق التفاعل الجمالي بين الشعري والفني .

تعود العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي إلى البدايات الأولى لمرحلة الرومانسية، إذ سعى الفنانون لمحاكاة قصائد الشعراء، ثم توطدت هذه العلاقة مع حركة التجديد، منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم، حيث نشهد تصاعدا في تبادل الصيغ التعبيرية بين الفنون المختلفة .

تجربة التشكيلي العراقي هاشم تايه والشاعر عادل مردان ضمن هذا السياق، رصد لواقع عاش فيه الإنسان محاصرا بسبب جائحة كوفيد 19، ومحاولة للتحرر من قيود المنزل، وعلى الرغم من رتابة الخضوع الإجباري فيه، إلا أن نوعا من الألفة تمت على بُعد بين الاثنين، فكتب عادل خمسة نصوص شعرية، يقابلها خمس لوحات لتايه، ليست بالضرورة أن تكون متطابقة مع مضامين النصوص، لذا جاءت اللوحة مع قصيدة «هواجس المنزل» متحررة حركيا من قيود الشكل الواقعي، لا تعكس صلابة الشكل، بل معبّرة عن الانفعال الإنساني في القصيدة :

كفى أيتها الضاجّة المحجورة/ المفرقعات تأتي من المطبخ/ العالم يترنح ثملا/ تحت كنوز اللحظة/ يتنفس الخواء.

يبدأ الشاعر قصيدته بدافع غامض، بشيء ما يريد أن يقوله، وهي غنية بالحسرة، والشعور بالفقدان والفراغ، الشاعر لا يبوح بموضوعه بصراحة، كأنما يشير إلى سر أو أو خرافة، أو أمر خارق بعيد، في سفينة الرؤيا، يهدف عادل إلى استظهار كنه الأشياء في العالم الخارجي، بوضع الأشياء في أطر غير مألوفة، ضمن مجال علاقات غير متوقعة :

بالأمل تعيش أيها المتخفي/ حتى تفضحك المجاهر/لست خيارا يستجد/بل ولع النظارة بالسلوان /أبناؤك ذوو الأقدار الغامضة /يغمسون أنوفهم في غيهب الدم.

القصيدة تفيض بالاكتئاب، تزيد من الحزن الهادئ الكسير، أو تحيي مشهد وداع لم يوجد إلا في مخيلة الشاعر:

يا للفزع إذ نرجوه عشا /إنهم يتوافدون بينما الأزمنة تخب بحوافر الصدأ / إلى ظلمات الكون/أشباح شقر بصلعات بشعة/ كوفيد مصيرنا المتوحد

الرسام يلزمه رائيا آخر يعاينه ويحاوره، هل استطاع أن يشهد الكوفيد في رؤوس الباميا التي تحاصرالطفل المرابط في البيت، هذا الفيروس يشبه بالشكل رؤوس الباميا اللزجة، هنا تتراكم أسئلته، كيف لنا أن نضع اشتراطاتنا لفهم تخطيطات جاورت بمحض الاختيار قصائد شعرية لعادل مردان، لا تشكل تضادا لها، بل هي لعبة أخرى يقوم بها، في قصيدتي «تهويمة المرابط» و«سلالة اللامرئي» تايه يؤلف مشاهد عديدة ينهمك في تقريبها لفهمنا، كإجابة عن الأسئلة التي يطرحها مردان في قصائده،عن أوبئة جديدة متوقعة تهدد العالم، ولا يغيب عن ذهنه أنها أسئلة وجود، لذا يستحضر أوراقه وسفنه، وخطوطه الحادة المتكسرة من ضراوة الواقع، الذي يعيشه إنسان العصر في ظل حصار الجائحة، وأمام هذا التجاور تصبح الألوان هي واجهة الاحتجاج، في (سفينة الرؤيا) و(تصور خرافي) إذ يجد الرسام في تخطيطاته مخرجا من الأزمة، بالعودة إلى الطفولة البريئة المهددة، إلى بستان الحلم والحكايات الخرافية، وعلينا أن نبني هنا تصوراتنا على أن تكون مفهومة وبالتالي مبنية على قدر كافٍ من قوة الإبداع .

ينعب الغراب، موجة أخرى/ما تفعله في الحر اللاهب يا صائد الأرواح /حصاد وافر أيها المتنعم/ الأوجاع تزدهر ثانية/ إذ يشعر المرابطون بالاكتفاء/ في كل الأحوال /بصيص أمل يتوهج هنا (من قصيدة تهويمة المرابط).

تعامل هاشم تايه مع هذا النص بخلق حالة بصرية لتصبح بدورها موضوع مادة لاستجابة المتلقي، أو ردود فعله، ومثلما هو قارئ النص، فإن المشاهد عليه أن يستنبط ويميز الرموز وأنماطها، قبل أن يحصل التفاهم بينه وبين اللوحة.

قصائد تسير في طريق التجريد للتعبير عن المضمون إلى أبعد مدى، ويلجأ إلى مختلف الأساليب، التخفي وراء الأقنعة، تجميع الصور المتنافرة والعناصر المتباينة والتشتت المقصود، ينعكس هذا التفتت والتشويه واللعب على البنية اللغوية، في اختزال الجملة وتحطيم العبارة، وتغيير الترتيب، في سفينة الرؤيا حالة عشق تختلف بيقظتها الإنسانية، قيمتها بالمعرفة الحادة الموقظة، باللغة الحافلة بالغرابة، والنوايا الملتهبة:

الخيال وافر/هل نتعدى الحدود/تمخرين من حجرة إلى آخرى/ تسحبين كوثلك على الجدران /لا تهزك بروق السقف /…./ما تريدنيه من كياني؟ يا سفينة القلق .

في القصيدة مشاعر، لكنها تعرف كيف تنتصر على نفسها بالزهد والكتمان، والأنا المعذبة حاضرة دون شــك، لكنها توشك أن تفنى وتذوب في أنا أخرى.

تكتسب قصائد عادل سرية خاصة تثير في المتلقي التشوق، والتحدي والمغامرة في المجهول، قصيدته مبنية على مفردة تومئ إلى ما وراء المعاني، فتضيف إليها أبعادا جديدة، بذلك تتجدد وتحيا، وبغير ذلك تذبل وتموت، من هنا فالشعر ماء حياة، واللغة في معنى الشعر لا في مبناه فقط . لنتأمل «تصور خرافي» النظرة الى المخيلة الخلاقة، ودور اللغة في عملية الخلق، القصيدة وليدة مخيلة لا تعمل عملها إلا بواسطة اللغة :

نهاية مرحلة يا شجرة الرمان/كان يأمل الكائن الورقي /بأكثر من القشور/حين يضع كرسيه الأخضر فوق الجلنار/المطمئن الوحيد/في استراحة اللعب/رقيب يلتقط ما يتخفى من خارج الإطار/إذ يتصور الجالس الأبيض/أنه يكنز الحياة.

الفنان هاشم تايه تعامل مع هذا النص بخلق حالة بصرية لتصبح بدورها موضوع مادة لاستجابة المتلقي، أو ردود فعله، ومثلما هو قارئ النص، فإن المشاهد عليه أن يستنبط ويميز الرموز وأنماطها، قبل أن يحصل التفاهم بينه وبين اللوحة، أو الأثر الفني، قشور من الرمان بليونتها، أم بجفافها، يشيدها هاشم كعالم صغير بتقنيات بسيطة من الورق، إذ تهيمن تلك الأشكال على سطح اللوحة، تلك القشور تصبح رموزا إنسانية حية، تنطلق من عاطفة شاعرة تتماهى مع جوهر النص، وثمة حوار خفي ما بين النص واللوحة، بين منظور ومضمور، لكنه حوار محكوم بامتحانات الإنسان ومجاهداته، ومرصود بعين كاميرا يحملها كائن قميء، تايه هنا منحاز إلى كشوفاته الفنية، وهو يبدع تأليفا تشكيليا يحمل أكبر قدر من المجاز التناغمي بين النص واللوحة، كما يتسم بقدر أعلى من التوازن الإيقاعي .

إن عواطف عادل الحساسة كانت أقوى من أن تخفي تفرده الشعري، وحذره الشديد والدائم من أشياء مجهولة، لا يراها إلا بالمجهر كونه مختصا بالكيمياء، إنه يلفت انتباهنا إلى نصوص أو تدريبات فكرية محسوبة بميزان الذرات، فيذهب إلى تجريد اللغة وتعريتها إلى الحد الذي بدت معه قصائده كالأبنية الهندسية، أو الحسابية، إذ يقول النقاد إنه يكتب قصائد متفكرة، ويحيي الأشياء المهملة، يتجاور معه الفنان هاشم تايه ليحملنا على النظر بإمعان إلى أعماله، بباعث غريب هو نفسه الذي يغرينا في التأمل بالنقوش الحلمية، التي حفرتها أنامل الفنان الرافديني على جرار الفخار وجدران الكهوف، فتلك المحاولات كأنها مصائد سحرية أعدت لاقتناص ذلك العالم الذي يبحث عنه عادل مردان في قصائده، ولا سبيل لإدراكه إلا بفهم اللغة التي يوحي بها.

وهو يميل إلى اختزال نصه الشعري إلى إقصى درجة ممكنة، ولا أبالــــغ في القول إنه يجرد المادة إلى أبعد حد، لا يبقي منها ســـوى الجوهر (الكينونة). يحاول أن يعيد للمفردة أهميتها ووزنها وفاعليتها واستقلالها، بحيث تصبح الكلمة كائنا لوحدها تحمل كل إمكانات تأثيرها، وهو يذهب إلى اللعب والتجريب لينجو من الأدغال القديمة والطوفان الموروث، الذي يغرق ذاته بأمواج العواطف والأحزان، والحالة عند تايه مختلفة، حين يستعيد الرموز والأساطير، وقطع الصلة بالمنظور، فهو راصد أنساق ورموز ورسام تكوينات مثيرة مقلقة، ذات منظور قاهر، يشكل في النهاية نظيرا تشكيلياَ لعصر مخترق من الأعماق ومطعو.

 

جمال العتّابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5209 المصادف: 2020-12-09 01:08:35


Share on Myspace