 أقلام ثقافية

روعة الادب في المكتبة الحديثة

ناجي ظاهر(ودعنا قبل ثلاث سنوات في مثل هذا التاريخ (السبت 16-12-2017) الشاعر والكاتب الصديق ادمون شحادة، الى مثواه الاخير في مدينتنا الحبيبة المشتركة الناصرة. احتفاء بذكراه العطرة اعود بذاكرتي الى ايام جمعتنا معا وتركت اثارا عصية على النسيان)

ما أن بادر لافتتاح مكتبة خاصة به لبيع الكتب في السبعينيات الأولى، من القرن المنصرم، حتى توافدنا إليه واحدًا تلو الآخر ليتشكل بذلك مجلسا أدبيا رائعا.. اعتقد أن له نكهته النصراوية الخاصة به حتى هذه الأيام.

آنذاك، في أوائل لسبعينيات، كان ادمون شحادة صاحب اسم معروف ومنتشر، فهو ناشطٌ ثرّ العطاء في مجال التأليف المسرحي والكتابة عن المسرح، وهو يكتب الشعر والأغنية ولا يتردد في كتابة القصة وان على استحياء، وينشر ما يكتبه في هذه المجلة أو تلك الصحيفة، وكنت افرح وامتلئ ألقًا عندما تنشر مقالة أو قصة من كتاباتي إلى جانب كتابة له. لهذا ما أن افتتح مكتبته الحديثة، التي كنت شاهدًا على ميلاد اسمها هذا، حتى سعيت إليه وسرعان ما فتحت الكلمات أبوابها لتدفع كلًا منا إلى تجاوز أي بُعد، وكل بعد، فينسى هو انه يكبرني بنحو العقدين من الزمن وأنسى أنا نفسي.. فاشعر انه إنسانٌ قريب جدًا منّي.

بسرعة ضوئية ابتدأ الأصدقاء بالتوافد إلى تلك المكتبة،.. جاء كلٌ منهم وراء الآخر، حتى بات من المتعذّر عليك أن تتذكر من أتى أولًا ومن جاء تاليًا، توافدوا واحدًا تلو الآخر: جميل ارشيد، سميح نمر صالح، سيمون عيلوطي، عطا الله جبر، موريس معلوف، وأنا. ومن الجيل الأكبر اذكر كلًا من: حبيب شويري سلمان فرّاج، فوزي عبد الله، جمال قعوار وميشيل حداد، إضافة إلى أصدقاء باتوا يتردّدون على المكتبة وانعقدت معهم صداقاتٌ، اذكر منهم محمد حمزة غنايم، نوّاف عبد حسن وفاروق مواسي.. لقد تحوّلت المكتبة الحديثة باختصار منذُ البداية إلى ملتقى ثقافيّ.. يتردّد عليه ويزوره محبو الأدب وشداته من الناصرة وخارجها.

ما أن يدخل المكتبة صديقٌ آخر، إضافة إلينا، أنا وادمون، حتى نبدأ في حوار عميق، في هذه القضية الأدبية أو تلك، وكان يساهم في هذه النقاشات الثرية الحيّة أمران، احدهما أن صاحب المكتبة ادمون كان مثقفًا وقادرًا على قراءة النصوص الأدبية الغضّة الطريّة وقول رأي مقنع فيها ولا أبالغ إذا قلت إنه كان قادرًا أيضًا على إجراء بعض التعديلات على ما يقرؤه من نصوص يقدّمها إليه كتابٌ ما زالوا في بداية الطريق. الأمر الآخر أن ادمون كان يبذل جهدًا محمودًا في توفير الكتب التي نود قراءتها وهو ما كان يشكّل سببًا حقيقيًا للمناقشة والجدل في المكتبة.

ما أتذكره من مجالس المكتبة الحديثة هو أن كلًا منّا نحن الأصدقاء الذين نتعاطى الكلمة كتابةً وقراءةً كنّا نجد متعةً خاصة واحدنا يقرأ لآخر أو لآخرين، فقد كانت الآراء تُطرح فيما يقرا ويتلى، بطريقة تفاعلية، فما أن يقرأ احدُنا هذه القطعة أو تلك حتى يستمع إلى رأي مباشر فيها، غير منتظرٍ أن تُنشر في منبر إعلامي بعد فترة من الزمن، أما عندما كان احدُنا ينشر مادة أدبية فكثيرًا ما كانت تتم مناقشتها فور قراءة الآخرين من أعضاء المجلس عليها، وهو ما كان يشجعه على المزيد من التجويد والإبداع.

في مجلس المكتبة الحديثة، لم يكن هناك وقتٌ محدد للقاءات ، فساعات الصباح صالحة وكذلك ساعات المساء، ومن المتوقّع أن تتحوّل كل زيارة للإطلاع على الكتب الجديدة أو لاقتنائها فرصة محتملة لمجلس أدبيّ تناقش فيه اعقد القضايا الأدبية وأشدها اختلافا. الساعات الأولى التي كانت تتوقّف فيها هذه المجالس هي من الثانية حتى الرابعة ظهرًا، وقت استراحة الغداء، وأيام الآحاد بالطبع.. أيام العطلات الأسبوعية.

مما أتذكره جيدًا عن قعدات المكتبة أو وقفاتها على الأصح، أن مساحة المكتبة الضيقة نسبيًا لم تكن تسمح بأكثر من مقعد واحد يجلس عليه سعيد الحظ قبالة صاحب المكتبة المثقف الواعي..، وكثيرًا ما كنت أنا سعيد الحظ بالجلوس قبالته لتبادل أحاديث أحببناها وحبذناها جميعًا في الأدب والفن والحياة أيضًا.

في مجالس المكتبة الحديثة ولدت الكثير من الأعمال الأدبية، وكان الشاعر المرحوم فوزي عبد الله، يحبّذ اللقاءات الأدبية ويردّد أن مثل هذه اللقاءات تحدث عصفًا فكريًا واحتكاكًا لا بد منه لإشعال موقد الإبداع. وفي هذا السياق أتذكر أن ادمون كان يستشير مقرّبيه وكنت واحدًا منهم فيما يكتبه لا سيّما في مجال كتابة الأغنية والشعر، وانه كثيرًا ما كان يرفض ما نقدّمه إليه من اقتراحات، وهو ما كنا نحن نفعل مثله أيضًا.

اذكر انه جاء ذات صباح مبتسمًا فرحًا واخبرني انه ابتدأ بكتابة مسرحية يمكنه بسهولة أن يحوّلها إلى رواية، فحبّذت فكرة تحويلها إلى رواية، وبعد فترة ولدت روايته " الطريق إلى بير زيت"، التي كتبها قبل الانتفاضة الفلسطينية وتنبأ فيها باندلاع شرارتها الأولى، وقد تحدّث عن تحبيذي هذا في اكثر من مقابلة صحفية أجريت معه.

الطريف في هذا المجلس أنه كثيرًا ما كان يخرج عن نطاقه الخاص ليدخلَ في مدارات أخرى، وقد ساهم في هذا أمران احدهما قُرب مكتب مجلة "المواكب" من المكّتبة، الأمر الذي كان يمكّن زوار احد المكانين أن يكون زائرًا للآخر، والأخر هو سهولة منالية المكتبة الحديثة، فهي قريبةٌ من مكتب المعارف في فترة وهي قريبة من دائرة الثقافة العربية في فترة تالية.. وقد كان الجميلُ في مجلس المكتبة الحديثة أنه كثيرًا ما كان يخرج عن البروتوكول، فكان ينتقل إلى أماكن أخرى ليشارك حاضروه في هذه الندوة أو تلك الأمسية بعد لقاء محدّدٍ مُسبقًا أو حتى غير محدد.

لقد امتدّ مجلسُ المكتبة الحديثة على مساحة زمنية ليست قصيرةً من حياتنا، وقد شكّل مركزَ إشعاعٍ يجذب الكتّاب في بدايات طريقهم ومحبي الأدب.. وقد استمر هذا المجلس فعلًا حتى مرض صاحبه ولزومه بيته.. لتواصل كريمته المسيرة.. وليتحوّل بالتالي إلى ذكرى طيبة من العمر.. مرّت وبقيت حلاوتها.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5218 المصادف: 2020-12-18 00:37:50


Share on Myspace