صحيفة المثقف

التوفيق والتلفيق والهوية الاجتماعية

الهُوية الاجتماعية لَيست تعبيرًا عن الولاء والانتماء فَحَسْب، بَل هي أيضًا تعبير عن السلوك الحياتي اليَومي، ودَوره المركزي في تثبيت شرعية وُجود الإنسان، وتحقيق الجوهر التاريخي عن طريق توليد أنساق اجتماعية إبداعية، وتكوين مناهج فكرية تحليلية، وعدم الاكتفاء بالتلفيق بين الأضداد والعناصر المتعارضة، ودفن النار تحت الرماد، فالإنسانُ لن يستعيد جوهرَه الوجودي في بناء التاريخ إلا بالمشاركة في صناعة الأحداث، وعدم التفرُّج عليها، ولن يحصل المجتمعُ على شرعيته المركزية في مشروع النهضة الحضارية إلا بتشكيل سُلطة اعتبارية قائمة على قوة المنطق لا منطق القوة، تجمع كُلَّ الأطياف والتيارات، وتعتمد مبدأ التَّوفيق لا التَّلفيق .

2

الفرق بين التَّوفيق والتَّلفيق في مفهوم الهُوية الاجتماعية يتَّضح في طبيعة وظيفة كُل مِنهما على أرض الواقع، فالتَّوفيق هو الجمع بين العناصر الاجتماعية المُتَّفقة في الأُصول، والمختلفة في الفُروع، لأسباب تاريخية وضُغوطات نَفْسية وأهداف مَصلحية، وإمكانيةُ التَّوفيق في هذه الحالة واردة بقُوَّة بسبب الجُذور المشتركة، والأُسس المُتقاربة، وإمكانية إزالة الموانع العَرَضِيَّة، لأنَّ الجوهر واحد ومُتَّفق عليه . أمَّا التَّلفيق فهو مُحاولة الجمع بين عناصر اجتماعية مُتناقضة، ومُختلفة في الأُصول والفُروع، ومُتضادة بشكل جَذري عميق، وهذا يجعل إمكانية الجَمْع مُستحيلة بسبب اختلاف المبدأ والظروف .

3

الإشكاليةُ في السياق الاجتماعي لا تَكمن في الجهل بتعريف التَّوفيق والتَّلفيق، وإنما تَكمن في العِلْم بهما، وتوظيف هذا العِلْم لأغراض غَير عِلمية، من أجل تحقيق مصالح شخصية، والحصول على مكاسب نفعية، تمامًا كالذي يَعرف الحَقَّ من أجل توظيفه لخدمة الباطل . وهذا الأمر في غاية الخطورة، لأنه يُشكِّل تهديدًا وجوديًّا على الهُوية الاجتماعية، فهو يعني تجميع عناصر الضعف، وتشتيت عناصر القوة، وهذا يُمزِّق النسيجَ الاجتماعي، ويَمنع التنميةَ بكل إفرازاتها وتراكيبها، ويُلغي إمكانية النهوض بالفرد والجماعة . وهذا الانهيارُ الشامل مُرتبط بشكل وثيق مع سياسة وضع المسؤول في المكان غير المناسب، خُضوعًا لاعتبارات الولاء، وليس الكفاءة . وهذا الأمرُ هو أساس البناء السياسي للأنظمة الاستبدادية في كُل زمان ومكان، فهي تَسعى إلى تثبيت وجودها لأطول وقت مُمكن، دون أيِّ اعتبار لحل مشكلات الشعوب أو بناء الأوطان، وهذا يَجعل الولاءَ الأعمى والتصفيق الدائم هُما المِعيارَيْن الوحيدَيْن لاختيار المسؤول . ومِن أجل تبرير هذه العملية، وإلباسها ثَوبًا شرعيًّا، يتم التلاعب بالمصطلحات السياسية، وتَنميق الشعارات الرَّنانة، وتَغيير طريقة تفكير العَقْل الجَمْعي عن طريق بعض وسائل الإعلام التي ارتضت لنَفْسها أن تكون مأجورةً ومُضلِّلة، حيث تبثُّ الأكاذيب على مَدار الساعة، كَي تُصبح حقائق واقعية، ومِن ثَمَّ يتم تَصديقها، وتقديمها كمُسلَّمات لا تَقبل النِّقاش. وكُل صاحب صَوت مُعارض لهذه الأوهام يتم تقديمه كخائن ومُنشق ومَدعوم من جهات خارجية لتنفيذ أجندة هَدَّامة . وهذه الحَلْقةُ المُفرغة لا تكتمل إلا عبر التلاعب بثنائية (التَّوفيق / التَّلفيق)، وتوظيفها كسياسة اجتماعية تُحدِّد مسارَ الوجود الإنساني ومصيرَه . ومعَ مُرور الوقت، وبفِعل الضَّخ الإعلامي والضغط السُّلطوي، تتحوَّل هذه الثنائية إلى لعب بالبَيضة والحَجَر، لتجذير الشعارات كمنهج سياسي ونظام اجتماعي دُون فِعل على الأرض، ثُمَّ تتحوَّل ثنائية (البَيضة / الحَجَر) إلى ثنائية (العصا/ الجَزَرة) للتحكُّم بالمجتمع جُملةً وتفصيلًا، وبسط السَّيطرة الكاملة عليه بالترغيب والترهيب، وهكذا يصير المجتمعُ كائنًا مَسْخًا بلا وُجود حقيقي، ويتراجع على كافة المستويات، لأنَّه فقد البوصلةَ، ولم يعد يُفرِّق بين الهُوية والهاوية .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم