 نصوص أدبية

111

قصي الشيخ عسكرمن نافذة الصالة تلك الفسحة التي يطل بها على العالم لمح الأشجار تترنح، وكان المطر يجلد الأرصفة. كلّ شئ في الخارج قاتم مبهم الملامح. في الليل، قبل أن يغفوَ، أبصر السماء صافية وتراءت له بعض النجوم فمتى انقلب الخارج؟ ومما زاده ضجرا  أنّ الوقت مازال مبكّرا على قدومها وفي هذه الساعة ليس معه سوى طائر الكوكتايل الذي اشتراه العام الماضي من المزاد الشهير في (ملتون) واختارت هي اسمه لكنه الآن في هذه اللحظة لا يسمع صوتا صادرا عن القفص. هناك هسسة من مكان ما. شدته الحركة فالتفت أسفل النافذة فرآى نحلة عند الزاوية اليمنى تعلو وتهبط. لا يشك أنها دخلت البارحة حين لاح الجو لطيفا ففتح المصراع بضع ساعات ليملأ رئتيه بهواء نقيّ قبل أن ينام. لقد كان متعبا حقّا إذ بقي على الهاتف ينتظر حتى إذا جاء دوره تناوشته السيدة الممرضة بفضولها الممل. مجرّد اشتباه دفعه للاتصال أو رغب أن يطرد عنه القلب في حين واصلت السيدة على الطرف الآخر إلحاحها:

هل تشعر بحرارة؟

لا أظنّ.

حشرجة في الصوت؟

نعم.

ضيق في التنفس؟

نعم. وكل عام يلازمني زكام فلا يفارقني إلا بعد أشهر

ألم في المعدة؟

شهيّة مفتوحة؟

ألم المفاصل؟

زوغان البصر؟

حسنا ابق على اتصال معنا.

انتبه أنه يحبس نفسه حبسا استعراضيا. السيدة من خط الطوارئ (111) نصحته ألا يغادر البيت.  وليس معه إلاطائر الكوكتايل، أما (ميشيلة) فتزوره ثلاث ساعات في الأسبوع ولم تنقطع عن زيارته خلال الجائحة وكان صاحب المزاد أكّد له أنه سيدِّرب الكوكتايل على أيّة جملة يرتأيها ولن يدفع مبلغ السبعين جنيها إلّا يوم يأتي فيأخذ الطائر. سيقول كما أراد :طاب يومك سيدي ولن يخشى أن يفتح القفص ليجعل الطائر يتسلّق ذراعه  فقد دربوه وجعلوه يفقد عشر ريشات من أحد جناحية. كانت  النحلة مازالت تستعرض على الزجاج حين سمع جرس الباب، أطلّ برأسه فوجد كيسين من الطعام وضعهما متطوّع وقف أسفل السّلَّم. حيّاه فرد عليه بابتسامة. وضع الكيسين على دكة المطبخ. وعاد إلى الصالة. . .

أكثر من ساعتين على قدوم (ميشيلة). قبل عام في أول شهر لبلوغه الثمانين، استقبلها، وقتها لم يكن يرتاح لها. فضَّل لو بعثت التعاونيّة بواحدة أخرى. نحيفة أو رشيقة ثمّ اعتاد عليها،  وجدها لطيفة صريحة إلى درجة السذاجة. قالت له إنها مصابة بالسكر. لكنها على الرغم من بدانتها راحت تعمل بخفّة النحلة..

تضحك برشاقة...

تبتسم..

والأهم من كل ذلك أنها أحبت الكوكتايل. حالما تقول له مرحبا بك يرد عليها مرحبا بك أيها السيد. فتضحك من أعماقها حتى يرى طيات بطنِّها تهتزّ من الضحك وتعقّب:

لايسّرني ذلك الأفضل أن أكون سيدة.

أمنحُها حرية أكبر . أوحي لها أنَّها يمكن  أن تتصرف خلال تلك الساعات الثلاث كما لو أنَّها في منزلها. لا أدري لِم أفعل ذلك فهؤلاء موظفون يتعاملون بحدود. يبتسمون بوجوهنا نحن كبار السن  يخدموننا لكن مقابل أجر مع ذلك استدرجتها بلطف إلى أن تبوح ببعض خصوصياتها. أمّ لشاب في السابعة عشرة يعيش مع أبيه. انفصلت وعاشت مع شريكٍ سنتين ورغبت عن الصداقات. كان يستفزها ولا يدري لم يفعل ذلك. هاهو يشرف على الثمانين. صادق الكثيرات في أكثر من بلد. وفي آخر زيارة لها شعر بالضيق حين غادرت. حاول أن يداري الوقت بمتابعة التلفاز. ترك الكوكتايل مشغولا بحبة عباد الشمس . يثق فيه ثقة عمياء مادام فقد عشر ريشات من أحد جنحيه، راح يتابع خطاب رئيس الوزراء وهو يعلن الحظر. مجرد فضول وقضاء وقت. هل يجرب في الزيارة القادمة أن يمسك يدها بحنان. يطبع عليها قبلة. لكنّه الحظر الذي جعل الآخرين يبتعدون عن بعضهم بعضا. سيجرِّب حين تنتهي كل الاجراءات. بدا رئيس الوزراء مرهقا، أكثر نحافة ومازالت آثار كورونا بادية على ملامحه . وقف يحث المواطنين على أن يلزموا بيوتهم:

stay home

وفاة طبيب عراقي في مشفى ليستر وعدد الإصابات في ازدياد... أعلام قوس قزح ترف:

Thank you for NHS

والناس أمام بيوتها تصفق، من غريب المصادفات أن الكوكتايل تسلل إليه تلك اللحظة قفز إلى الأريكة واستقر جنبه يتابع أعلام قوس قزح. سألها باهتمام:

لم أسمه بعد هل تحتفظ داكرتك باسم ما؟

تأملت لحظة وقالت بابتسامة طفولية:

ماذا لو تسميه هاري !واستدركت :مجرد اقتراح

لا بأس اسم جميل ليكن هاري . . طاب يومك ياهاري

تعال ياهاري. . طاب يومك أيها السيد، لكنه الآن مشغول عن هاري الكوكتايل بالنحلة التي تأخذ النافذة صعودا ونزولا لابد أنها ظلت محبوسة طوال ليلة أمس. كان يستل المفتاح الصغير من الدرج حين رن الهاتف:

:سيد عبد الواحد  أنا أكلمك من مكتب البلدية أقول لك آسفة ميشيلة لن تأتي اليوم لقد انتقلت إلى مقاطعة آخرى أظن أننا نحتاج إلى أسبوع في ظل هذه الظروف لنرسل لك موظفة آخرى أي شئ يطرأ اتصل تـ(111)

لا مفاجأة إذ لن يرى بعد اليوم السيدة ميشيلة. . 

لفحة ذهول

حزن ما شفاف

ألقى على الأمير هاري نظرة سريعة وهمس طاب يومك  ياهاري ثم انتقل إلى موضع النافذة حيث مازالت النحلة تهبط وتصعد وهي تلامس الزجاج بجناحيها. ، فتح المصراع فلفحته العاصفة بفحيحها وكانت الاشجار الضخمة مازالت تترنح أمامه وتطايرت أوراق من على المنضدة، قي الوقت نفسه كانت النحلة تتمايل مثل الاشجار الضخمة، وتختفي عن عينيه وسط الأجواء القاتمة  الحمراء...

***

قصة قصيرة

قصي الشيخ عسكر

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (19)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة.
و مختلفة عما اعتدناه من الكاتب.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي صديقي وأخي الأديب الناقد والمترجم الفدير د صالح الرزوف
شكرا لك
هناك خطأ طقيف بسبب الاستعجال زيادة for
thank you NHS
يسعدني أن نتحث غدا
أخوك قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب العزيز دكتور قصي
قصة جميلة ومعاصرة لما يدور حولنا في ظل هذه الأزمة التي لانعرف مداها ..
اسأل الله أن يحفظكم
اعتزازي واحترامي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدتي العظيمة الأستاذة ذكرى لعيبي
أشكرك من صميم ثلبي يل سيدة الحرف النقي الجميل
قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الشاعر د. قصي عسكر
صباحك خيرات وبركات

في كثير من الأحيان يصيبنا ما أصاب النحلة: نظل نحوم وندور في نفس المكان لاعتقادنا ان المخرج هو فقط في هذا الاتجاه. لا نفتش عن اتجاه او مخرج آخر وغير واعين للحاجز الذي يواجهنا.
تعجبني مثابرة النحلة وعدم استسلامها.
قصة جميلة وشيقة.
تحياتي.

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الكبير العزيز حسين فاعور الساعدي
ممتن لك ولكلمتك الرقيقة دمت صديقا وأخا وأديبا شامخا
قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأشجار تترنح، وكان المطر يجلد الأرصفة. كلّ شئ في الخارج قاتم مبهم الملامح.
استاذنا ووالدنا الفاضل د.قصي عسكر طاب يومكم بالخير والبركة
براعة سردية ووصف هائل لادق التفاصيل تجعل القارئ يشعر بها ويتخيلها وتلك مقدرة هائلة لاديب متمكن من أدواته..
قصة مصورة مكتنزة بالتفاصيل تشي بالكثير من الرموز صيغت بمنتهى البراعة..
بوركتم استاذنا الفاضل ودمتم بخير وامان

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

ابنتي العزيزة الأديبة المبدعة مريم لطفي
انحناءة احترام لك ولكلماتك أيتها العزيزة

دمت بخير دائما
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

تحايا الورد استاذي الفاضل د.قصي الشيخ عسكر ونحلة الادب الرفيع المعطاء
ببراعة اديب حاذق الفكر واللمسات تضئ حروفكم ذهن القارئ بسيمائيات المعنى ودلالات ضمير القصد بوجدان الحكمة..
دمت والابداع صنوان
تقديري والود

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

ابنتي العزيزة المبدعة إنعام كمونة
سررت جدا لمرورك أيتها العزيزة
وفقك الله من إبداع إلى إبداع
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
سرد مشوق ويشد القارئ الى متابعة التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية . رغم انها في ديناميكية رتيبة وباردة في علاقاتها العامة , لهذه الفئة العمرية الكبيرة في العمر . تكون حركاتها محدودة في البيت وصلاتها في الاعتناء الصحي والطبي . ومحاولة غير عادية في دس الدفئ بالعلاقات الباردة . براعة في رسم صورة هذه الحياة ضمن نطاقها العمري .
تحياتي بالخير والصحة ايها العزيز

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الناقد القدير والمترجم البارع جمعة عبد الله
لأنني اشتغلت أيها العزيز مع كبار السن في دور الرعاية في الدنمارك وبريطانيا فلي بعض الخبرة مع حياتهم ونمط تفكيرهم
شكرا لالتفاتتك الكريمة
قصي عسكر

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة يسرد رائع ومحكم
وبانامل شاعر وروائي وقاص كبير
دمت بخير
ودام ابداعك المضيء اخي قصي .

سالم الياس مدالو
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي وأخي الأستاذ الشاعر الأديب سالم الياس مدالو
شكري ومحبتي لك
دام إبداعك
أخوك قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والناقد القدير قصي الشيخ عسكر ، صباحك كل الورد ، تحياتي لك أينما كنت أبي العزيز ..

قصة قصيرة حيوية من واقعنا الذي نعيشه في ظل جائحة الكورونا ، القصة سردية ذات اسلوب شيّق وإحساس له خصوصيته رغم الحجِر والعمر ، إضافة إلى التخيّل للسرعة والحركة ..

أبدعت وجدا ، نهارك مشرق كروحك ، مودتي والسلام 🌹

فاتن عبدالسلام بلان
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك ابنتي العزيزة الأديبة فاتن عبد السلام بلان
آمل أن تكوني بخير
قصي

قصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاهر والاديب الدكتور قصي
من دلائل الحفاظ على النجاح عند أي اديب مهما كان فرعه هو القدرة على التجدد والاتيان بغير المكرر سواء بالاسلوب أو الافكار، والقصة التي بين ايدينا شاهد على ان الدكتور قصي في حركة ديناميكة مستمرة نحو الامام، تجديد في الاسلوب بما يتماشى مع الحدث، وضخ الحركة السريعة تناغما مع الوقت. أحيي فيك ثراء الانتاج وجزالته وشكرا لامتاعنا بقريحتك الفذة.

محبتي

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

عذرا للخطأ الطباعي فقد قصدت الشاعر وليس الشاهر

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الخصيبي المبجل الدكتور عادل الحنظل
أنحني إجلالا لبراعتك الشعرية
أيها الصديق والأخ العزيز
قصي عسكر

قصي عسكر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5255 المصادف: 2021-01-24 00:30:43


Share on Myspace