 قضايا

الأصولية الوهابية (1)

احمد عزت سليمفى الفكر الإرهابى التكفيرى يرى سيد قطب صارت: "الأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي دار الحرب بالقياس إلى المسلم وإلى الذمي كذلك يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده وفيها قرابته من النسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه، كما أن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي، ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسا ممن يسمون أنفسهم مسلمين بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع وإن صلى وصام وحج البيت الحرام " ويوضح قطب ما يقصده بالجاهلية بأنها التشريعات المدنية التى تقوم بها مؤسسات منتخبة فيقول: " هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية إنها تسند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابا لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع " .

وكما يرى: إن هناك دارا واحدة هي دار الإسلام تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة فتهيمن عليها ه فيها حدوده ويتولّى المسلمون فيها بعضهم بعضا وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال وإما المهادنة على عهد أمان. وفى إطار الهيمنة الأصولية يرى: إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة أو التصور العام للوجود أو يختص بالعبادة أو يختص بالخلق والسلوك والقيم والموازين أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة التاريخ الإنساني، إلاّ من ذلك المصدر الرباني ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة نافيا فريضة حق الاجتهاد والتفكر والتبصر وإعمال العقل الذى لم يميز به الله عز وجل مسلما عن الآخر وطالب به كل المسلمين: فقيرهم وغنيهم وبكل مستوياتهم فى العلم والتعلم وأيا كان موقعهم فى الحياة، وكما يعتقد: ـــ " أنّ هناك حزبا واحدا لله لا يتعدّد وأحزابا أخرى كلّها للشيطان وللطاغوت.. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتِلوا أولياء الشيطان، إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ (النساء: 76 ) " .

ويرى أن: " الله الذي خلق هذا الوجود الكونيّ وخلق الإنسان والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكونيّ هو سبحانه الذي سنّ للإنسان شريعة لتنظيم حياته الإراديّة تنظيما متناسقا مع حياته الطبيعيّة.. فالشريعة على هذا الأساس إن هي إلاّ قطاع من النّاموس الإلهيّ العام الذي يحكم فطرة الإنسان وفطرة الوجود العام وينسّقها كلّها جملة واحدة " .

ومن منطلق أن الله " يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن " أصبحت السلطة والوصول إليها ضرورة إلاهية وحاكمة لكل سلوكيات وفاعليات الحركات الأصولية وفى آلياتها التى تفرض ذاتها على الواقع سواء اعتمدت على التنظيمات السرية أو المعلنة أو على الممارسات الاجتماعية العلنية، وأيا كانت نوعية هذه التنظيمات والممارسات جهادية أو مدنية، وبكون السلطة هى أداة التحقق والسيطرة، وتلك التى تعنى بالدرجة الأساسية أحادية الامتلاك لها كحق تمثل فى الحاكمية التى اختصها بها الله وحدهم والتى أصبحت تمثل الرؤية والسياسات النفعية ما بين تكفير المجتمع: أفراده ومؤسساته وأنظمته وبدءا من التنظيم الخاص وعملياته الخاصة إلى التنظيمات الجهادية من تنظيم الجهاد والتكفير والهجرة وشباب محمد وغيرهم من التنظيمات المماثلة  وتبنى العمل المسلح السافر، وما بين البعض منهم الذى أعلن رفضه الحاكمية وكما ورد فى كتاب " دعاة لا قضاة " للمرشد الثانى لحركة الإخوان المسلمين بأن " نظرية الحاكمية " التي أخذها سيد قطب عن المودودي وألبسها سلوكًا اعتراضيًا جهاديًا ليست واردة في أية آية من آيات الذكر الحكيم، أو في أي حديث من أحاديث الرسول "، وأكد رفض الفكرة ومضاعفاتها خاصة التكفير والإقصاء، وما بين رفض الاجتهاد العقلى والبصيرة للنص وصولا لعبودية تفسيرات القادة وأوامرهم ليصبحوا مقدسين، الفرد معهم لا عقل ولا جسد له ولا روح  ولتصير أوامر الشهادة الحية أداة للقتل والتخريب والتدمير وتفتيت الأوطان والدولة الكافرة الكافرة وليصبح الإرهاب ذات أداة مقدسة ضد الآخر المقدس .

وكما تمييز صاحب الدعوة الوهابية ذاته محمد بن عبد الوهاب بالتمحور والتصلب حول الأفكار والرؤى الذاتية للنصوص القرآنية وحتى صار كأنه صاحب الحق المطلق فى التفسير والاجتهاد ولا أدنى تفكير فيما يطرحه أئمة الاجتهاد سواء كانوا من السلف أو من أهل عصره وحتى وصفه أخوه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وهو أعرف الناس به، وقد ألف كتاباً في إبطال دعوة أخية وإثبات زيفها، ومما جاء فيه عبارة موجزة وجامعة في التعريف بالوهابية ومؤسسها، قال فيها: " اليوم إبتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي: من خالفه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد، ولا والله ولا عشر واحدة.. "، وتوقف الفكر الوهابى عند ظاهرية النصوص القرآنية المقدسة، واعتبرت كل فكر خارجها كفرا بينا وبالتالى أصبح تكفير المجتمع بناء على رؤيتهم الأحادية بأن هذا المجتمع لا يطبق شرع الله وأنه يشرك به وبالتالى تتشكل خصيصتين عمليتين للسلوك الوهابى فى مواجهة المجتمعات الكافرة وعلى النحو التالى:

1 - الهجرة والانفصال عن القوم الكافرين و تشكيل البناء الإسلامى المجتمعى الحق والخاص بهم وحدهم على اعتبار أنهم المؤمنين وحسب والمضاد للآخرين الكافر…ومن هنا يتم تكفير المجتمعات بالله .

2 -  وبعد المقدرة والقوة والتمكين وإتمام هذا البناء المضاد يتم إعلان الجهاد على الكفار والتشدد الحاد مع المجتمع، فلا تسامح مع من لا يؤمن بالعقيدة الوهابية فيقطع رأس كل من يخالفها، ولتكون قوة السلاح وحد السيف وحدهما هما اللذان ينشران الدعوة الوهابية ويرغما من لا يؤمن العقيدة الوهابية على الدخول فيها .

ومن هذا المنطلق لا مسلم غير الوهابى الذى يصير مقداسا بذاته فلا أحقية لإعمال العقل والعقل النقدى والتبصر الذى يدعو لهما وبهما القرآن الكريم … ليصير الخضوع والسمع والطاعة والترديد ولا تفكير ولا استشهاد إلا بأقوال شيوخهم فحسب  فقال الشيخ وقال الشيخ وهذا القول هى أقصى ما يطمح أن يردده وينفذه سمعا وطاعة … ولا حق فى التفكير والنقد … ومهما اعترى المجتمعات التى يعيشون فيها من تغيرات شاملة وتطورات علمية واجتماعية فلا اعتبار لكل هذه التغيرات والتطورات التى أصبحت تشكل فاعليات المجتمعات وآلياتها، ليصير فكرهم وثنا محاربا وأداة فى يد عبيده لقهر الآخرين تحت مزاعم محاربة الكفار والمشركين، وهدم أوطان المشركين ومجتماعاتهم بكل ما فيها، ولتقع أوطان المسلمين وأموالهم وأرواحهم وممتلكاتهم هدفا للتفتيت والتمزق والفرقة والفتن والانتهاك والقتل والتخريب، وهى ذاتها أهداف الاستعمار العالمى فى تحطيم العالم الإسلامى والقضاء على وحدته  ولتصبح أداته فى تحقيق ذلك، وكما جاء فى مذكرات الإنجليزى همفر عن ظهور الوهابية والأوامر الاستعمارية الفقرة 6 ص 80: بـ " نشر العقائد والمذاهب المزيفة فى المناطق الإسلامية ضمن خطة مدروسة وواعية ومنظمة.. ونشرها هذه المذاهب والتبشير لها.. حتى يمكن إيجاد الاختلافات والمنازعات الشديدة.. وبحيث تدعو كل فرقة أنها تمثل الإسلام الصحيح، وأن الآخرين مرتدون وكفار يجب قتلهم.. " .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5257 المصادف: 2021-01-26 01:46:26